الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلام في الصلاة من غير فرق بين المكره وغيره.
2 -
ولأن الصلاة يسهل استدراكها وقضاؤها بخلاف غيرهما من العبادات كالحج والصيام - والله أعلم -.
المبحث الرابع: حكم كلام الناسي:
اختلف الفقهاء فيمن تكلم في صلاته بكلام أجنبي ناسيا أنه في صلاة هل تبطل أم لا؟ إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: تبطل صلاته وعليه الإعادة. وبه قال الحنفية (1) والحنابلة في المذهب (2).
القول الثاني: لا تبطل صلاته. وبه قال المالكية (3) والشافعية (4) والحنابلة في رواية (5).
القول الثالث: إن كان لمصلحة الصلاة لم تبطل، وإن كان لغير مصلحتها بطلت. وبه قال الحنابلة في رواية (6).
الأدلة:
أ - أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بما يأتي:
1 -
حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «إن في الصلاة
(1) انظر: بدائع الصنائع 1/ 233، والمبسوط 1/ 170.
(2)
انظر: المغني 2/ 446، وشرح الزركشي 2/ 28، والإنصاف 2/ 135.
(3)
انظر: الإشراف 1/ 91، وقوانين الأحكام الشرعية ص 82.
(4)
انظر: الحاوي 2/ 177، والمجموع 4/ 85.
(5)
انظر: شرح الزركشي 2/ 28، والإنصاف 2/ 135.
(6)
انظر: الفروع 1/ 487، وشرح الزركشي 2/ 28، والإنصاف 2/ 135.
شغلا (1)».
2 -
حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (3)» .
وجه الدلالة:
أن النهي شامل لعموم كلام الآدميين في الصلاة بما في ذلك كلام الناسي؛ لعدم ورود التفريق بين ذلك (4).
اعترض عليه:
1 -
أن حديث ذي اليدين متأخر عنها فيقدم عليها.
2 -
أن النهي وارد في العمد دون السهو؛ لأن السهو غير مقصود ولا يمكن الاحتراز منه (5).
أجيب عن هذا الاعتراض: بأنه لا مانع من تعليق النهي على السهو كتعليقه على العمد؛ إذ لا خلاف بينهما إلا في الإثم واستحقاق الوعيد (6).
3 -
حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1) أخرجه البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة 1/ 402، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 382 حديث رقم 538.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب أبواب العمل في الصلاة، باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة 1/ 402 حديث رقم 1142، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 383 حديث رقم 539 واللفظ له.
(3)
سورة البقرة الآية 238 (2){وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}
(4)
انظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 444.
(5)
انظر الحاوي 2/ 180.
(6)
انظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 444.
«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (1)» .
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الكلام بغير التسبيح والذكر وقراءة القرآن يبطل الصلاة مطلقا، سواء كان ذاكرا أو ناسيا (2).
اعترض عليه: بأن معاوية بن الحكم رضي الله عنه تكلم جاهلا، فلم تبطل صلاته ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بالإعادة، والناسي كالجاهل؛ فهما سواء في الحكم (3).
4 -
أنه كلام يبطل الصلاة إن طال، ولو كان النسيان فيه عذر لاستوى فيه الطويل والقصير، فلما لم يكن كذلك دل على أنه مبطل للصلاة كيف ما وقع، أصله الأكل والشرب (4).
اعترض عليه: أن الكلام الطويل يقطع الخشوع دون القصير (5).
5 -
أنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة، فلم يسامح فيه بالنسيان قياسا على العمل الكثير من غير جنس الصلاة (6).
أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما يأتي:
(1) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 381، 382 حديث رقم 537.
(2)
انظر: شرح معاني الآثار 1/ 447.
(3)
انظر: الحاوي 2/ 180، والمغني 2/ 446.
(4)
انظر: المبسوط 1/ 171، والبدائع 1/ 234.
(5)
انظر: الحاوي 2/ 181.
(6)
انظر: المغني 2/ 446.
1 -
عموم قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (1).
2 -
حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (2)» .
فالآية والحديث يقتضيان رفع الخطأ والنسيان عن هذه الأمة، والمراد حكمهما.
اعترض عليه: بأن كلا من الآية والحديث محمول على كون الخطأ والنسيان عذرا في رفع الإصر والإثم لا غير (3).
أجيب عنه: بأن رفع الخطأ والنسيان يقتضي رفع حكم كل منهما من الإثم وغيره (4).
3 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ذي اليدين رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم (5)» .
(1) سورة البقرة الآية 286
(2)
أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب المكره والناسي 1/ 659 حديث رقم 2045، وابن حبان وصححه. انظر: الإحسان 16/ 202. والحاكم 2/ 198 وقال: ((صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي في التلخيص 2/ 198، وقال البوصيري: ((هذا إسناد جيد إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع))، وحسنه النووي، وصححه الألباني. انظر: مصباح الزجاجة 2/ 126، والمجموع 6/ 521، وصحيح سنن ابن ماجه 1/ 348.
(3)
انظر: المبسوط 1/ 171، والبدائع 2/ 234.
(4)
انظر: الحاوي 2/ 178.
(5)
أخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له 2/ 87، طبعة دار المعرفة.
وجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم ناسيا معتقدا أنه قد فرغ من صلاته ثم لما ذكر بنى على صلاته وسجد للسهو، فلو كان إذا وقع عن سهو أبطل الصلاة لوجب عليه أن يستأنف صلاته (1).
اعترض عليه: بأنه محمول على الحالة التي كان يباح فيها الكلام في هذه الصلاة، وهي ابتداء الإسلام، بدليل أن ذا اليدين وأبا بكر وعمر تكلموا عامدين لذلك، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاستئناف، مع أن الكلام العمد مفسد للصلاة بالإجماع (2).
أجيب عنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو بعد سلامه، ولو كان الكلام مباحا لم يسجد لأجله، وأما كلام ذي اليدين فهو واقع على وجه السهو لظنه حدوث النسخ وقصر الصلاة من أربع إلى ركعتين (3).
اعتراض آخر:
أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه منسوخ بحديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم رضي الله عنهما (4).
أجيب عنه: بأن دعوى النسخ باطلة؛ لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه كان بمكة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة، وأن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا
(1) انظر: الإشراف 1/ 91، والحاوي 2/ 178، والمغني 2/ 446.
(2)
انظر: المبسوط 1/ 171، والبدائع 1/ 234.
(3)
انظر: الحاوي 2/ 179، 180.
(4)
انظر: المبسوط 1/ 171، ونصب الراية 2/ 68.
خلاف (1).
وأما حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه فليس فيه بيان أنه كان قبل حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولا بعده، والنظر أنه قبله (2).
4 -
حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال:«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (3)» .
وجه الدلالة:
أن معاوية تكلم جاهلا بالحكم، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، وما عذر فيه بالجهل، عذر فيه بالنسيان (4).
اعترض عليه: بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الصلاة؛ لأن الحجة ما قامت عنده، بخلاف غيره (5).
5 -
أنه كلام على وجه النسيان فأشبه لفظ السلام سهوا قبل إتمام الصلاة (6).
6 -
أن الكلام مباح في غير الصلاة، فلم تبطل الصلاة بسهوه، قياسا على ما إذا أراد القراءة وسبق لسانه بالكلام (7).
(1) انظر التمهيد 1/ 353، والمجموع 4/ 87.
(2)
انظر التمهيد 1/ 355، والمجموع 4/ 87.
(3)
أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 381، 382 حديث رقم 537.
(4)
انظر: المجموع 4/ 86، والمغني 2/ 446.
(5)
انظر: شرح معاني الآثار 1/ 452.
(6)
انظر الإشراف 1/ 91، والمجموع 4/ 86.
(7)
انظر الحاوي 2/ 180.
7 -
لأن سهو الكلام لا يمكن الاحتراز منه ولا يوقن مثله في القضاء؛ فسقطت في ذلك الإعادة، كالخطأ في وقوف الناس بعرفة في اليوم العاشر (1).
أدلة أصحاب القول الثالث:
أولا: دليلهم على أن الكلام إن كان لإصلاح الصلاة لا يبطلها:
استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه المشهور في قصة ذي اليدين رضي الله عنه حيث قال: «صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن (2)» . . . الحديث.
وجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم هو وأصحابه لإصلاح الصلاة وبنوا صلاتهم على ذلك ولم يستأنفوا (3).
ثانيا: دليلهم على أن الكلام لغير مصلحة الصلاة يبطلها:
استدلوا لذلك بعموم الأحاديث السابقة الدالة على تحريم كلام الآدميين في الصلاة، ومنها:
1 -
حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال:«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس (4)» .
2 -
حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد
(1) انظر الحاوي 2/ 180.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له 2/ 87، طبعة دار المعرفة.
(3)
انظر: شرح الزركشي 2/ 28.
(4)
أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 381، 382 حديث رقم 537.
يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله عز وجل قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة (1)».
الراجح:
بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها تبين لي - والعلم عند الله تعالى -: أن الكلام سهوا لا يبطل الصلاة، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك لما يلي:
1 -
عموم الأدلة الدالة على رفع الخطأ والنسيان عن هذه الأمة.
2 -
صحة دلالة حديث أبي هريرة رضي الله عنه المشهور في قصة ذي اليدين، وهو نص في محل النزاع.
3 -
أن دعوى نسخ حديث ذي اليدين دعوى غير صحيحة ولا تثبت بمجرد الاحتمال.
4 -
أن حديث ذي اليدين أولى بالتقديم؛ لأنه متأخر (2).
5 -
أن المنسوخ عمد الكلام دون سهوه، ولا يثبت نسخه بخبر محتمل (3).
6 -
أن عدم وجود دليل معين لا يستلزم عدم المدلول؛ إذ لو سلم نسخ حديث أبي هريرة رضي الله عنه الدال على أن كلام الناسي لا يفسد الصلاة، فقد دل على هذا الحكم أدلة أخرى (4) يجب الانقياد
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب رد السلام 1/ 568، والنسائي في كتاب السهو، باب الكلام في الصلاة 3/ 23، وصححه ابن حبان برقم 2243، انظر: الإحسان 6/ 15. وحسنه النووي في المجموع 3/ 104.
(2)
انظر: التمهيد 1/ 355، والحاوي 2/ 180.
(3)
انظر: الحاوي 2/ 180.
(4)
مثل حديث ((رفع عن أمي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، والأدلة الأخرى التي بمعناه.