الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما تقدم؛ وبقي إن كان بين التبسم والقهقهة، أي ليس تبسما ولا قهقهة، والذي يظهر لي أنه يلحق بالأقرب منهما، والله أعلم.
المبحث الثاني: حكم التنحنح في الصلاة:
إن كان التنحنح لضرورة جاز ولم يبطل الصلاة باتفاق المذاهب الأربعة، أما إن كان لغير ضرورة أو حاجة تدعو إلى ذلك فقد اختلف فيها العلماء على قولين:
أحدهما: أن النحنحة لا تبطل الصلاة، وهو قول أبي يوسف وأحد قولي مالك، وأحمد في رواية عنه، والشافعية في وجه.
الثاني: أن النحنحة تبطل الصلاة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن إن حصل بالتنحنح حروف، وهو أحد قولي مالك، والأصح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة إن بان منه حرفان.
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
1 -
حديث علي رضي الله عنه قال: «كانت لي ساعة في السحر أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان في صلاته تنحنح فكان ذلك إذني،
وإن لم يكن في صلاته أذن لي (1)».
فالحديث دل على أن التنحنح في الصلاة غير مفسد (2).
واعترض على هذا الدليل: بأن الحديث ضعيف. قال النووي - بعدما أورد الحديث -: " وهو حديث ضعيف لضعف راويه، واضطراب إسناده، ومتنه ضعفه البيهقي وغيره ".
وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأن الحديث صححه ابن خزيمة (3)، وابن السكن (4)، وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني ما يدل على أن الحديث ثابت.
(1) رواه أحمد في المسند 1/ 77، والنسائي في سننه 3/ 12، وابن ماجه في سننه 2/ 1222، والبيهقي في سننه 2/ 247، وابن خزيمة في صحيحه 1/ 54.
(2)
نيل الأوطار 2/ 323.
(3)
صحيح ابن خزيمة 1/ 54.
(4)
ذكره الشوكاني في نيل الأوطار 2/ 323.
2 -
أنها لا تبطل الصلاة؛ لأنها ليست كلاما والحاجة تدعوا إليها (1).
أدلة القول الثاني:
1 -
عموم النهي عن الكلام في الصلاة، والنحنحة إن بأن منها حرفان فهي كلام فتبطل الصلاة.
2 -
أنه ليس من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة (2).
واعترض على الاستدلال الأول: بأن النحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلا؛ فإنها لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلما وإنما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة (3).
واعترض على القياس على القهقهة بأنه قياس مع الفارق لأمرين:
أحدهما: أن القهقهة تدل على معنى بالطبع. والثاني: عدم التسليم بأنها أبطلت لكونها كلاما، وإنما أبطلت الصلاة بالإجماع ولكونها تنافي مقصود الصلاة (4) الراجح:
الراجح - فيما ظهر لي - هو القول الأول لقوة ما استدل به.
(1) المغني 2/ 452.
(2)
مجموع الفتاوى 22/ 617.
(3)
انظر: مجموع الفتاوى 22/ 617.
(4)
انظر: مجموع الفتاوى 22/ 617.
المبحث الثالث: حكم النفخ (1) في الصلاة:
اختلف العلماء في النفخ في الصلاة على قولين:
أحدهما: أن النفخ لا يبطل الصلاة. وهو قول أبي يوسف، وإسحاق، ومالك في رواية، وأحمد في رواية عنه، وروي عن ابن مسعود وابن عباس والنخعي، وابن سيرين. وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (2).
الثاني: أن النفخ يبطل الصلاة. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك في رواية عنه، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب، وعلى هذا فالمبطل فيه ما أبان حرفين، عند الشافعية والحنابلة، أما الحنفية فيرون أنه إن سمع فهو بمنزلة الكلام - أي مبطل - وإلا فلا يضر.
الأدلة:
أدلة القول الأول:
1 -
ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث إلى أن قال -:
(1) النفخ في أصل اللغة: إخراج الريح من الفم. القاموس المحيط مادة " نفخ "334.
(2)
مجموع الفتاوى 22/ 618.
ثم نفخ في سجوده فقال: أف أف (1)».
وجه الدلالة:
حيث جاء لفظ أف في الحديث، فدل على جواز ذلك وأنه لا يبطل الصلاة (2).
2 -
ما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في صلاة الكسوف فجعل ينفخ، فلما انصرف قال: إن النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن وجهي (3)» . رواه أحمد.
واعترض على الاستدلال بالحديثين بما يلي:
1 -
أنها واقعة حال، لا عموم لها، فيجوز كونها قبل تحريم الكلام في الصلاة (4)، أو فعله خوفا من الله أو من النار، فإن ذلك لا يبطل كالتأوه والأنين (5).
وأجيب عن هذا الاعتراض بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (الجوابان ضعيفان. أما الأول فإن صلاة الكسوف كانت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم، وإبراهيم كان من مارية القبطية، ومارية أهداها المقوقس بعد أن أرسل إليه المغيرة، وذلك بعد صلح
(1) رواه أحمد في المسند 2/ 188، وأبو داود في سننه 1/ 310، 311، والنسائي في سننه 3/ 137، والبخاري تعليقا - البخاري مع الفتح 3/ 83، وصححه ابن خزيمة 1/ 53، والألباني في إرواء الغليل 1/ 224.
(2)
نيل الأوطار 2/ 323.
(3)
المسند 2/ 245.
(4)
شرح فتح القدير 1/ 397.
(5)
مجموع الفتاوى 2/ 323.
الحديبية، فإنه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك، ومعلوم أن الكلام حرم قبل هذا باتفاق المسلمين، لا سيما وقد أنكر جمهور العلماء على من زعم أن قصة ذي اليدين كانت قبل تحريم الكلام؛ لأن أبا هريرة شهدها، كيف يجوز أن يقال مثل هذا في صلاة الكسوف، بل قد قيل: إن الشمس كسفت بعد حجة الوداع قبل موته بقليل. وأما كونه من الخشية ففيه أنه نفخ حرها عن وجهه؛ وهذا نفخ لدفع ما يؤذي من خارج، كما ينفخ الإنسان في المصباح ليطفئه، أو ينفخ في الشراب، ونفخ الخشية من نوع البكاء والأنين وليس هذا ذاك) (1).
3 -
عن الأبرش قال: حدثني أيمن بن نايل قال: قلت لقدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نتأذى بريش الحمام في مسجد الحرام إذا سجدنا، فقال: انفخوا (2).
دل هذا الأثر المروي عن هذا الصحابي أن النفخ أثناء الصلاة لا يبطلها.
أدلة القول الثاني:
1 -
أن النفخ إذا انتظم حرفين أفسد الصلاة؛ لأنه كلام، والكلام مبطل للصلاة، لعموم النهي عنه في الصلاة، وسواء أفهم الكلام أو لم يفهم؛ لأن الكلام يقع على المفهم وغيره.
واعترض على هذا الدليل بمنع كون النفخ من الكلام لما عرف أن
(1) مجموع الفتاوى 22/ 620.
(2)
رواه البيهقي 2/ 253.
الكلام مركب من الحروف المعتمدة على المخارج ولا اعتماد في النفخ، ولو سلم صدق اسم الكلام على النفخ لكان فعله صلى الله عليه وسلم لذلك في الصلاة مخصصا لعموم النهي عن الكلام (1).
2 -
ما روي عن ابن عباس أنه قال: من نفخ في الصلاة فقد تكلم.
3 -
وبما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: النفخ في الصلاة كلام (2).
قلت: واعترض على الاستدلال المروي عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم بما قاله ابن المنذر بأنه لا يثبت عن ابن عباس وأبي هريرة أن النفخ بمنزلة الكلام (3)، ولو ثبت ذلك عنهما فإنه يكون معارضا بما روي عن عبد الله بن عمار الكلابي لما سئل إنا نتأذى بريش الحمام إن سجدنا، فقال: انفخوا وقد تقدم هذا الأثر في أدلة القول الأول.
الراجح:
الذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول: أن النفخ لا يبطل الصلاة؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الصلاة صحيحة بيقين فلا يجوز إبطالها بالشك (4).
(1) انظر: الأوسط 3/ 247، ومجموع الفتاوى 22/ 619، ونيل الأوطار 2/ 323.
(2)
مصنف عبد الرزاق 2/ 189.
(3)
الأوسط 3/ 247.
(4)
مجموع الفتاوى 22/ 622.