الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المرفوع، وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة، والجمع أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة، وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وهما فرواية الإثبات مقدمة على رواية النفي، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عن قتادة، وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض، فحديث أنس سالم من ذلك.
ثالثا: خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر: هل هي حد أو تعزير
؟ مع بيان ما يترتب على ذلك:
اختلف أهل العلم في عقوبة شارب الخمر على قولين: أحدهما: أنها حد، والثاني: أنها تعزير. والذين قالوا بأنها حد اختلفوا على قولين هما المشهوران: منهم من قال بأنه ثمانون، ومنهم من قال بأن الحد أربعون وما زاد على ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى الزيادة زاد وإلا فلا.
وفيما يلي بيان هذه الأقوال مع الأدلة والمناقشة:
القول الأول: أنه تعزير، قال الحافظ ابن حجر: إن الطبري وابن المنذر حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير.
واستدلوا بأحاديث الباب، فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب، وأصرحها حديث أنس، ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج ومعمر، سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدا، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم: ارفعوا. وورد أنه لم يضربه أصلا، وذلك
فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا. قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشيء (1)». وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس:«ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشي حجرته من الليل سكران، فقال: ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله» .
والجواب: أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد؛ لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب السكران فصيره حدا واستمر عليه، وكذلك استمر من بعده، وإن اختلفوا في العدد.
وجمع القرطبي بين الأخبار بأنه لم يكن أولا في الشرب حد، وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد، ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا. انتهى المقصود من كلام ابن حجر (2).
القول الثاني: أنها حد، وأنه ثمانون، وهو مذهب الحنفية والمالكية والمقدم عند الحنابلة، ففي بداية المبتدي: وحد الخمر
(1) سنن أبو داود الحدود (4476)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 322).
(2)
فتح الباري، 12/ 72 ص73.
والسكر إلى ثمانين سوطا (1). وفي قوانين الأحكام الفقهية: وهو ثمانون جلدة للحر (2). وقال ابن قدامة: إحداهما أنه ثمانون، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم (3). انتهى.
واستدل لهذا بإجماع الصحابة، فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام. وروي عن علي في المشورة أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحده حد المفتري. روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما. انتهى، من كلام ابن قدامة (4).
ونوقش هذا الدليل بما يلي:
أولا: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز تركه بفعل غيره، ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآه الإمام. ذكر هذا الوجه ابن قدامة (5).
ثانيا: أن عليا أشار على عمر بذلك، ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الأربعين؛ لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر، مستندين إلى تقدير ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الذي أشار
(1) البداية، 2/ 111.
(2)
قوانين الأحكام الفقهية، ص 391.
(3)
المغني 9/ 141.
(4)
المغني 9/ 141.
(5)
المغني 9/ 142.
به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك ردعا للذين انهمكوا؛ لأن في بعض طرق القصة كما تقدم: " أنهم احتقروا العقوبة "(1).
القول الثالث: أنه أربعون وما زاد عن ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام. وبهذا قال الشافعي، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وبه قال أبو ثور وداود ومن وافقهم من أهل العلم. قال الشيرازي: وقال الشافعي وأبو ثور وداود: الحد في ذلك أربعون - ومضى إلى أن قال - فإن رأى الإمام أن يبلغ بحد الحر ثمانين وبحد العبد أربعين جاز (2). انتهى.
وقال ابن قدامة: والرواية الثانية أن الحد أربعون، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي (3). انتهى، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا أوجه القولين (4).
واستدل لهذا القول بما روى أبو ساسان قال: لما شهد على الوليد بن عقبة قال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فاجلده، قال: قم يا حسن فاجلده، قال: فيما أنت وذاك ول هذا غيري، قال: ولكنك ضعفت وعجزت ووهنت، فقال: قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده وعلي يعد ذلك فعد أربعين وقال: «جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة (5)» أخرجه البيهقي.
(1) فتح الباري، 12/ 73.
(2)
المهذب، 18/ 448.
(3)
المغني، 9/ 142.
(4)
السياسة الشرعية، ص 50.
(5)
سنن أبو داود الحدود (4481)، سنن ابن ماجه الحدود (2571)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 82)، سنن الدارمي الحدود (2312).
وأما كون الزيادة عن الأربعين راجعة إلى رأي الإمام فقد استدلوا لذلك بما رواه أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه، فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فقلت: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه. قال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم. فقال علي: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: بلغ صاحبك ما قال، فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين. وقال: وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب جلده ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة جلده أربعين (2).
وأما بيان ما يترتب على القول بأنها تعزير أو حد، فعلى
(1) صحيح مسلم الحدود (1707)، سنن أبو داود الحدود (4480)، سنن ابن ماجه الحدود (2571)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 145)، سنن الدارمي الحدود (2312).
(2)
المهذب ومعه الشرح، 18/ 348 وما بعدها.
القول بأنها حد لا يدخله العفو والإسقاط والصلح؛ لأنه من حقوق الله جل وعلا، وإذا مات المضروب ثمانين عند من يقول بذلك وأربعين عند من يقول بهذا؛ فإنه يموت هدرا لا دية له. وعلى القول بأنها تعزير يدخله العفو والإسقاط والصلح من جهة أصله عند من يقول بأنها تعزير، وما زاد على الأربعين ففيه الدية.
وفيما يلي نقول عن أهل العلم في ذلك:
1 -
قال الشيرازي: فإن جلده أربعين ومات لم يضمن؛ لأن الحق قتله، وإن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية، لأن نصفه حد ونصفه تعزير، وسقط النصف بالحد ووجب النصف بالتعزير (1). انتهى المقصود.
2 -
قال الخرقي: مسألة، فإن مات في جلده فالحق قتله، يعني ليس على أحد ضمانه. قال ابن قدامة: وهذا قول مالك وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي إن لم يزد على الأربعين، وإن زاد على الأربعين فمات فعليه الضمان؛ لأن ذلك تعزير إنما يفعله الإمام برأيه، وفي قدر الضمان قولان:
أحدهما: نصف الدية؛ لأنه تلف من فعلين: مضمون وغير مضمون، فكان عليه نصف الضمان.
والثاني: تقسط الدية على عدد الضربات كلها، فيجب من الدية بقدر زيادته على الأربعين. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر، ولو مات وديته؛ لأن النبي صلى الله
(1) المهذب، 2/ 287.