الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد اختلفت مع الشيخ العلامة في بعض المسائل، نتيجة لاختلاف الزوايا التي ينظر منها كل منا ومدى تأثر كل منا بزمانه، ومكانه إيجابا أو سلبا، ولم أر هذا الاختلاف عبر نظرتي إليه، أو نظرته إلي، وظللت - والله - أكن له المحبة والتقدير، وأدعو له بطول العمر في خدمة العلم والإسلام، وظل كذلك يعاملني بود وحب، كلما التقينا، وكلما لقيه أحد من أبناء قطر، حمله السلام إلي رحمه الله، وأكرم مثواه.
الحديث عن العلامة ابن باز ذو شجون، ومجال القول ذو سعة، ولا نستطيع أن نوفي الشيخ ما يستحقه في هذه العجالة، إنما هي كلمات سريعة، كتبتها على عجل، أودع بها الشيخ الجليل، وفاء لبعض حقه، ومعرفة بقدره، وتقديرا لمكانته وفضله.
وفاته:
ما رأيت كالشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في صبره وتحمله، لما يصيبه من أمراض، ولعل الله أراد له خيرا، بما يجازاه الصابرون، ولئن كان يصف للناس الأدوية الشرعية، من أدعية ورقى ووصفات، فإنه يطبق ذلك على نفسه، لكنه يتجه للأطباء عندما يكون المرض عضويا، ليأنس بما منح الله الأطباء من علم، أخذا من الحديث الشريف: «ما أنزل الله عز وجل داء إلا قد أنزل له شفاء علمه
من علمه، وجهله من جهله (1)».
ومع كثرة ما يصيب الشيخ رحمه الله من أمراض، فإنه يتحمل، ولم يتوقف عن العمل يوميا في حياته، لقد كان الاهتمام بأمور المسلمين، والرغبة في إفادتهم وقضاء حوائجهم هاجسه الدائم، حتى إذا اضطره المرض للمكث في المستشفى: ساعات للكشف والتداوي، أو أياما للراحة وتنظيم العلاج، فإنه لا يتوقف عن العمل، ولا راحة لديه إلا بقدر ما ينتج من عمل.
في يوم الأربعاء 26 محرم 1420 هـ وهو يوم خروجه من المستشفى بالطائف، دعانا بعد الظهر مع ما يحس به من مرض شديد في الجهاز الهضمي للعمل، وتلاوة المعاملات عليه، فأنجزها. وفي مغرب ذلك اليوم جلس للناس كعادته، وهو بكامل حواسه وذاكرته، فأنجز أمورا عديدة في فتاوى الطلاق، وفي الفتاوى الشفهية، وفي الرد على الهاتف. . ولم يبن عليه مظهر الإعياء والتعب، ولم يلاحظ الناس عليه سوى حضوره في العربة، ولم يأت ماشيا كالمعتاد، وما ذلك إلا أن قلة الشهية للطعام أضعفت قواه.
وفي فجر تلك الليلة قام كعادته للصلاة قبل الفجر بساعة، فصلى ما كتب الله له أن يختم حياته به، ثم نزل به أمر الله، وفي الطريق إلى المستشفى مع إطلالة فجر يوم الخميس 27 محرم 1420 هـ فاضت روحه بدون ضجر أو ألم. . وقد تجاوز التاسعة
(1) حديث صحيح رواه الإمام أحمد في (المسند) برقم (3578، 3922، 4236، 4267)، والحاكم في (المستدرك) 4/ 399، وابن حبان في صحيحه برقم (6062) عن ابن مسعود.
والثمانين من عمره وأخذ من التسعين عاما شهرا وعدة أيام (89 عاما وشهرا و 14 يوما).
وكانت وفاته في مدينة الطائف وقد صدر بيان من الديوان الملكي بنعي سماحته، وتحديد الصلاة عليه بعد صلاة الجمعة بالمسجد الحرام بمكة 28 محرم 1420 هـ وإقامة صلاة الغائب عليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة وسائر المساجد بالمملكة، كما أقيمت صلاة الغائب عليه في مساجد كثيرة من العالم الإسلامي، والجمعيات الإسلامية في أوروبا وأمريكا واستراليا. رحمه الله رحمة واسعة، وألحقه بسلف هذه الأمة مع الشهداء والصديقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر. . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.