الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أثر أهل الكتاب في الفتن والحروب الأهلية
المؤلف/ المشرف:
جميل عبدالله المصري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الدار - المدينة المنورة ̈الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
سياسة عالمية
تصنيف فرعي:
أهل الكتاب
الخاتمة
الإسلام عقيدةً انبثق منها نظام، فهو فكرٌ شاملٌ للكون والإنسان والحياة وما قبل الحياة وما بعدها –نظم علاقة الفرد بربه وبنفسه وبمجتمعه فتاريخه يعتمد الفكر أساساً- وتاريخ المسلمين لا يفسر إلا من المنطلق الفكري، ومن هنا اعتمدت في تفسيري للحوادث التاريخية في هذا البحث –التفسير الفكري- ولا يخفى أن التفسير الفكري لا يهمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية بل هي نتائج للناحية الفكرية في الإسلام. ومن هذا المنطلق أيضاً جاء دور القوى المناهضة للإسلام وأثرها، إذ لجأت إلى سلاح الفكر تقف في وجه الدعوة الإسلامية وتسلل أفكارها خلال أفكار الإسلام، فكان تصنيف الناس في المجتمع الإسلامي بعيداً عن الطبقية الاقتصادية والنسبية بل كان التصنيف فكرياً ودينياً يعتمد الفكر الديني أساساً وهو أرقى أنواع التصنيف البشري. فاتحدت جميع القوى الفكرية لمواجهة الإسلام؛ لأنها اعتبرته مهدداً لها جميعاً بنظرته الإنسانية العالمية حيث تمكن أن ينشئ بناءً اجتماعياً راسخاً متجانساً تمكن به أن يتغلب على الفروق الجنسية والقومية، وهو لم يدع إلى المساواة قولاً فحسب ولكنه يدعو إليها عملياً كل يوم خمس مرات وذلك في الصلاة التي تنمحي فيها الفوارق المادية المصطنعة إذ يقف المسلمون جميعاً جنباً إلى جنب دون تمييز بين حسيب أو وضيع –غني أو فقير- وهذا هو المنهج الاجتماعي السليم والدعوة الحضارية الراقية. فوقف الحاقدون من أهل الكتاب حسداً منهم على هذا النظام الاجتماعي بتياراتهم الفكرية المختلفة جنباً إلى جنب مع الأفكار الشرقية –المزدكية والمانوية والزردشتية- ومع الأفكار الغربية الفلسفية والهلنستية
…
وقد حاولت أن أعي أفكار القرن الأول الهجري وما قبله والثلث الأول من القرن الثاني الهجري ورغم صعوبة ذلك لكثرة التيارات الفكرية وتداخلها من جهة، ولاتساع الساحة الإسلامية من جهةٍ أخرى إلا أنني خرجت من البحث بنتائج قد تكون صحيحة كل الصحة لا نزال نلمس آثارها إلى اليوم.
ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تسلل أهل الكتاب بين مختلف القوى والفرقاء يكيدون ويخططون وبالاتفاق معها أو يسيرونها للوقوف في وجه الدعوة الإسلامية وفي وجه حكومة الإسلام النبوية –فكان تعاونهم مع القبائل العربية المختلفة وقريش ومع المنافقين- يحزبون الأحزاب، ويثيرون التناقضات داخل المجتمع الإسلامي الوليد بين الأوس والخزرج من الأنصار من جهة وبين الأنصار والمهاجرين من جهةٍ أخرى. ويضعون الخطط للقضاء على هذا المنافس الخطير في الحجاز في جزيرة العرب، بل وأدركوا خطر منافسته على النطاق العالمين فأخذوا يكيدونه على المستوى العالمي فتعاونوا مع دولة الفرس والروم والحبشة في عهد مبكر من عهود الدولة الإسلامية إدراكاً منهم بطبيعة المد الإسلامي وبأنه لا يعترف بفواصل أو حدود وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أُرسِل إلى الناس كافة ينتظم في دعوة العربي وغير العربي، وفي دولته المسلم وغير المسلم.
وفي عهد الخلفاء الراشدين ظهر أثر أهل الكتاب في حركة الردَّة التي كانت تعبيراً عن انتفاضة أهل الكتاب ليعيدوا الجزيرة إلى ما كانت عليه قبل الإسلام ليتسلموا زعامتها ويسيطروا على مقدرات سكانها –ولتبقى سوقاً ومسرحاً يمثلون عليه ما شاءوا! وميداناً لنِزاعهم السلمي بعد أن تحولت الأخطار الأخرى إلى مسرح لنِزاعهم الدامي!.
واستطاع الإسلام اكتساب الجماهير لملاءمته للنفس الإنسانية ونظرته العالمية فالتفت حوله ورضيت به حكماً عدلاً ومنظماً رشيداً فامتلأ أحبار ورهبان أهل الكتاب حقداً وحسداً فساروا بموازاته يحاولون النفاذ إليه بإعمال الثغرات خلاله بتستر وتقية ومداراة، ولجأوا من ثم إلى أسلوب الاغتيالات وتسلموا الأمر بأنفسهم حين لم يستطيعوا أن يجدوا أعواناً لهم من المسلمين فكانت مؤامرات كعب الأحبار ودوره الرهيب في حبك مؤامرة اغتيال الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد استطاع بذكائه أن يتخلص من الأدوات التي استخدمها في جريمته بمقتل الهرمزان وأبي لؤلؤة وجفينة، فأُسدل الستار عن التحقيق في هذه الجريمة البشعة التي لو قُدِّر أن يُفتح فيها باب التحقيق لتجنبت الأمة الإسلامية كثيراً من الكوارث التي حدثت ولا تزال تحدث، ولأمكن الإنسانية أن تحيا في ظل الأمن والعدل والرفاهية في ظل الإسلام.
وبوعي الحاقدين من أهل الكتاب افتعلوا التناقضات فتظاهر بعضهم بالإسلام ومنهم ابن سبأ الذي أكمل دور كعب الأحبار فاستطاعوا أن يجمعوا حولهم بعض المسلمين في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه واستغلوا فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الإسلامية)، فحرك ابن سبأ - ((بتوطئة كعب الأحبار وغيره من الأحبار والرهبان)) - المسلمين الحديثي العهد بالإسلام والمتسترين بالإسلام والأعراب الأجلاف الذين لم يدخل الإسلام قلوبهم بعد ولم يشربوا بروحه –ووقفوا وراءهم يمدّونهم بالتأويل والتفسير باسم العلم ويحركونهم حتى توسعت التناقضات بين الصحابة، وأثاروا المشاعر ضد عثمان في الأمصار الإسلامية: العراق في البصرة والكوفة ومصر والشام وحتى الحجاز، فتحركت هذه الأمصار في حركة هوجاء مضطربة دون وعيٍ من عناصرها بعمق المؤامرة ومحركيها. فأدى سيل الأحداث المتدفق الجارف إلى فتنةٍ فقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه فكان ذلك صدعاً لا يلتئم في تاريخ الإسلام وأصبح قميص عثمان مثلاً دارجاً سائراً إلى اليوم، فانقسم المسلمون.
وأجاد الحاقدون من أهل الكتاب دورهم فتسللوا إلى مختلف الفئات الإسلامية يؤرثون العداوة والبغضاء بينها فأثارت عناصرهم السبئية القتال بين الصحابة فكانت وقعة الجمل ثم صفين والحكمين –فأدت تطورات- الأحداث التي أحسنوا حبك نسيجها إلى اغتيال الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأيدي الخوارج، وإلى ظهور فكرة الخوارج وفرقهم المتعددة التي غذوها بأفكارهم وقد عمقوا عندهم فكرة استعراض المسلمين وقتلهم فعاثوا في الأرض فساداً يقتلون النساء والأطفال والشيوخ ويبقرون بطون الحبالى من المسلمين فقط الأمر الذي أبعهدهم عن روح الإسلام وتسامحه وصفائه وصدقه –كما أدت- تطورات الأحداث هذه أيضاً إلى ظهور بذور فكرة الشيعة التي غذوها بأفكارهم بشكل واضحٍ وعميق عن طريق تظاهرهم بالإسلام وانضمامهم بالفعل إلى هذه الفرقة واستلام قيادتها الفكرية فوقفوا وراء حركات قادتها وأسهموا في قتلهم أو اغتيالهم ثم أجادوا التظاهر في البكاء والعويل عليهم إمعاناً منهم في صدع المسلمين، ومجتمعهم.
ومما زاد في تغذيتهم الفرق الإسلامية بالأفكار الهادمة للإسلام انتشار مدارسهم الفكرية في أصقاع العالم الإسلامي وتياراتها الفكرية المختلفة كمدرسة الإسكندرية ونصيبين وأنطاكية وحران وجنديسابور وهي مدارس شملها المد الإسلام وأحاطها بالرعاية فأثرت في أفكار المسلمين ومن ثم في حياتهم الثقافية والاجتماعية.
ولما عادت الجماعة الإسلامية إلى الالتئام بعد أن فوت الحسن الفرصة عليهم وولى معاوية الخلافة أدركوا حَزمَهُ وهابوه فعادوا إلى أسلوب الكيد الخفي وتفنَّنوا فيه دون أنا ينالوا من المجتمع الإسلامي نيلاً ذا بال فأخذوا يتصلون بالحسن والحسين وببعض المخلصين لآل البيت وحرضوهم على الثورة والخروج على الدولة، فأدَّى ذلك إلى مقتل حجر بن عدي، وتسللوا ببراعة إلى الحاشية فأوغروا صدر معاوية على المخلصين، فباعتبارهم متمرسين في شؤون السياسة العالمية وعالمين بخفاياها أخذوا يقصون الأقاصيص بدهاء عن الأمم الماضية في سمر معاوية متضمنةً هذه الأقاصيص مكائد الملوك وأساليبهم في التخلص من مخالفيهم، وقد برع منهم في ذلك وهب بن منبه وعبيد بن شربة الجرهمي وتبيع الحميري.
وبرعوا في التسلل إلى دواوين الدولة فنفذوا إلى الإدارة فكان سرجون الذي تسلم الكتابة لمعاوية ويزيد ومروان وعبدالملك.
وقد أجاد سرجون هذا حبك المؤامرات وأدخل في روع معاوية خروج الحسين وابن الزبير ولم يجد فرصةً في زمن معاوية لحزم معاوية ولكنه وجدها في شخصية يزيد بن معاوية التي لا ترقى إلى شخصية الحسين في نفوس المسلمين فحرك الحسين بكتابات سرية وأسهم في تولية ابن زياد المصرين العراقيين المضطربين بالأهواء والنحل والفتن، البصرة والكوفة، فكانت فتنة مقتل الحسين صدعاً آخر في تاريخ الإسلام ثم غزو المدينة ووقعة الحرة التي اشتركت فيها عناصر أهل الكتاب الشامية بالفعل.
وتحركت عناصر أهل الكتاب في قبيلة تغلب وكلب واستغلت وجود ما يُسمى بالعصبية القبلية في نفسية العربي فاستثارتها من مكامنها فخفت صوت الإيمان أو تهدّج في نفوس الكثيرين من المسلمين أمام ثورة العصبية الجامحة والتغني بأيام العرب فتحوَّلت الساحة الإسلامية الواسعة إلى مجال مصادمات قبلية عربية عنيفة ألهب الشعراء فيها النار بين المتنازعين واستثاروهم، وكان الشعراء من أهل الكتاب كالأخطل والأعشى والتغلبيين، المحرك لاستثارة حماس الشعراء الأعراب كجرير والفرزدق.
وكاد شمل المسلمين يلتئم على يد الخليفة عبدالله بن الزبير فهال عناصر الفتنة الأمر فتحركت وحركت تغلب وكلباً بزعامة حسان بن مالك بن بحدل وحريث –واتخذت بعض الأعوان كعبيد الله بن زياد- فبايعوا مروان بن الحكم خروجاً على إجماع الأمة لإحداث الشرخ وتعميق الصدق ومنعاً من الالتئام واستمرت في إثارة العصبية ووجدت هذا المجال متنفساً لها، وتحركت عناصر الخوارج تعيث فساداً في شرق الدولة الإسلامية.
وإمعاناً منهم في الاستمرار بعملية الهدم استمالوا الأشخاص ذوي الطموح كالمختار الثقفي الذي استثاروه وحقنوه بأنواعٍ من الأفكار لقّنوه إياها وتبنَّاها، وبشبهٍ ومخاريق أوهموه بصحتها، وهي بجملتها تتناسب ونفسية هذا الرجل الطامح المحب للزعامة المنتهز للفرص، فجعلوا منه وسيلةً للإفساد بين الشخصيات الإسلامية الكبيرة وتعميق الفجوة بينهم: عبدالله بن الزبير ومحمد بن الحنفية، وعبدالملك بن مروان.
وتحقيق هدفهم حين ظهرت فئة جديدة انشعبت من السبئية الغالية ادّعت الإسلام ظاهراً وباطنها الكفر الصُّراح تظاهرت بحب آل البيت ومنهم محمد بن الحنفية الذي استغلوا اسمه فسللوا فكرة المهدي في الفكر الإسلامي استمراراً للفكرة اليهودية ((السعي لإيجاد ملك من آل داود))، فكانت الشيعة والمختارية الحركة التي كانت أساس للحركات السرية الغالية الأخرى التي هدفت إلى القضاء على الإسلام كشريعةٍ وكنظامٍ للحياة وكعقيدة سهلة بسيطة تغزو النفوس فتتوجه إليها وترتاح إليها، فاستطاعت هذه الفرقة الغالية ومنها الهاشمية والجناحية إخراج الرسالة عن جوهرها وإخراج إنسان الرسالة عن إنسانيته وتطور الأمر إلى إخراج الأئمة عن إنسانيتهم وارتقوا بهم إلى مراكز الألوهية، بفعل دس أفكار الحلول والتناسخ.
وقد ألهبوا المشاعر بفكرة الثأر للحسين فتحرك أبو عمرة –كيسان- يقتل ويخرب ويهدم باسم الثأر للحسين.
واتسعت الحركات العصبية لتشمل بلاد المغرب فقام أهل الكتاب بدور الوسيط للتنسيق بين البربر والروم البيزنطيين ونظموا صفوف البربر فأصبحت المغرب ساحةً أخرى سفك فيها الدم المسلم.
وعملت عناصر أهل الكتاب في الشام على الإيقاع بين البيت الأموي نفسه فكانت فتنة عمرو بن سعيد الأشدق، وكان قتله محاولةً ضمن محاولات عبدالملك بن مروان للتخلص من نفوذ القبيلتين الكتابيتين تغلب وكلب.
وأدرك عبدالملك أثر تغلغل أهل الكتاب في دوائر الدولة وضمن الحاشية فتخلص من نفوذ سرجون وأسرته واستغنى عن خدمات أهل الكتاب بتعريب الدواوين تخلَّصاً منهم بعد أن أعادوا وحدة الدولة الإسلامية ولكنهم لم يعدموا الوسيلة للتسرب والتسلل إلى البلاط وإلى المجتمع فكان الأخطل صديقه.
واستغلوا نبوغهم في الطب فاستمروا في التسلل إلى البلاط الأموي والتقرب إلى ذوي المراكز العليا في الدولة كبشر والحجاج وعبدالعزيز بن مروان ونفذوا إلى المجتمع المسلم فاستمروا يوقعون الفتن والدسائس وتبنوا طريقة الاغتيالات بالسموم في المجال السلمي.
وفي المجال العسكري ساعدوا حركات الخوارج في المشرق وحركات البربر والبيزنطيين في الغرب، فكانوا أعوان الأزارقة والنجدات والأباضية كما كانوا أعوان كسيلة والكهانة ومسيرة في المغرب، وأسهموا في انشقاق الخوارج إلى فرق كثيرة إمعاناً في تفتيت الفئات الإسلامية وإضعافها، كما أسهموا في انشقاق الشيعة إلى فئات وفرق متنوعة منها السبئية والغرابية والكيسانية والكربية والحربية والهاشمية والجناحية وغيرها من الفرق وسللوا إلى هذه الفرق أفكارهم الهدامة لتصبح مع الزمن –وباستغلال العناصر التي أسلمت حديثاً والتي لا تتمكن من ناحية العربية- ضمن الفكر الإسلامي يباعد بين المسلمين ويوقع بينهم العداوة والبغضاء ويثير الشحناء، واستغلوا في ذلك تأويل النصوص الإسلامية.
ووجد عناصر أهل الكتاب رجلاً آخر كالمختار فيه الزهو والطموح والكبر وهو عبدالرحمن بن الأشعث، وكانوا قد أسهموا في إيجاد المدرسة القدرية والمدرسة المرجئية وبثّوا أفكارهم عن طريق هذه الفرق بين كثيرٍ من العناصر الإسلامية وخاصةً الحديثة العهد بالإسلام، فحركوا هذه العناصر للاشتراك في ثورة ابن الأشعث التي عمقت الهوَّة بين عرب الشام وعرب العراق، كما تمكنوا من إثارة الفتنة في جناحي الدولة الإسلامي الشرقي والغربي، فقاموا بالإفساد بين قتيبة بن مسلم الباهلي وجيشه في خراسان وانتهى الأمر بمقتل قتيبة، كما قاموا بالإفساد بين عبدالعزيز بن موسى بن نصير وجيشه في الأندلس عن طريق زوجه أرملة لوذريق وانتهى الأمر أيضاً بمقتل عبدالعزيز بن موسى بن نصير.
وعملت عناصر أهل الكتاب على تكوين بؤرة مقاومة ضد المد الإسلامي على حدود موطن قوته في بلاد الشام على حدود الروم في جبال اللكام فضموا إليهم كل خارجٍ عن قانون الدولة الإسلامية وكونوا من هؤلاء الخارجين شوكةً في حلق الدولةِ الإسلامية –تعاونوا مع الروم البيزنطيين الذين أمدُّوهم بجيش قويٍ من الروم والمرديين- فاختلطت العناصر النصرانية المختلفة في تلك الجبال وسموا الجراجمة أو المردة جمعهم الحقد على الإسلام والكره لدولته – وقد ورثت الطائفة المارونية تعصب أولئك ضد الإسلام وحقدهم عليه فاعتزت وافتخرت بمساعدتها لأعداء الإسلام على مختلف أدوار عصور التاريخ الإسلامي إلى اليوم.
واستطاعوا إشعال نار العصبية مرَّةً أخرى وبشكلٍ أعنف في أرجاء الدولة الإسلامية الواسعة وخاصةً في خراسان والأندلس كما قاموا بتحريك الروح الشعوبية لدى الفرس والبربر مستغلين التراث الفكري القديم للفرس وحضارتهم فكانت إرهاصات الشعوبية في هذا العهد.
كما استطاعوا استغلال حب المسلمين لآل البيت فتمكنوا من التسلل والنفوذ إلى داخل المجتمع المسلم وسللوا أفكارهم بذكاء وحجةٍ ومنطق وادّعاء علم وتمكنوا أخيراً من تسلم القيادة الفكرية التامة لفرق الشيعة المختلفة وبثوا فيها ما شاءوا من أوهام لتقويض الإسلام ودولتهم من الداخل وتمكنوا من الإفساد بين البيت الأموي بعد هشام بن عبدالملك ذلك البيت الذي وقف في وجه مؤامراتهم فعصفت به الفتنة التي أسفرت عن وثوب مروان الثاني للخلافة فوهنت سيوف أمية وتحركت القوى المضادة السريّة التي كونتها العناصر الفكرية المختلفة لأهل الكتاب أو أسهموا في تكوينها لتطيح بالإسلام ودولته فبرز البيت العباس يقود حركةً عباسيةً أصيلة مضادة ليحافظ على الإسلام وليستعيد هيبته وليعيده إلى مساره السليم، ففوت هذا البيت الفرصةَ على دعاة الهدم والتخريب وتحوَّل الصراع بين المسلمين إلى صراعٍ بين بيتين على الخلافة، فوجدت العناصر الحاقدة نفسها مرَّةً أخرى تدور في فراغٍ كان يمزقهم ويعصف بهم.
واستمرت قواهم الفكرية في السير والتسلل ليبرز أثرهم واضحاً بعد العهد العباسي الأول عندما أخذ الوهن يدب في ذلك البيت وعزل الخلفاء عن مناصبهم القيادية وأصبحوا ألعوبة بأيدي القادة والزعماء من الأتراك حتى قيل في أحدهم:
خليفة في قفصٍ بين وصيفٍ وبغا
يقول ما قالا له كما تقول الببغا
وعسى الله أن يمكنني في المستقبل من تتبّع أثر أهل الكتاب في العصور الإسلامية المختلفة والذي برز بشكلٍ واضحٍ بعد العصر العباسي الأول إلى اليوم.
وعلى أن يتمكن الباحثون من إماطة اللثام عن حقائق جديدة تكشف أثرهم وتوضيحه في بعض المواقف التي لا تزال غامضة أو مشكوكٌ فيها لدى الباحثين والدارسين، وعسى أن يدرك المسلمون أثر القوى المضادة الحاقدة وما أدخلته وسلّلته إلى الفكر الإسلامي من أوهام وترَّهات فينزعونه من أنفسهم ومن مبادئ دينهم لأنه دخيل مصطنعٌ لا يعتبر من الإسلام؛ لأن كمال الإسلام اتضح في عصر محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:
? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ? [المائدة:3].
فيتجهون إلى الإسلام ببساطته وبمبادئه السمحة فيعودون خير أمةٍ أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ويطبقون مبادئه السمحة ونظامه الرائع لتجف الأرض من الدموع والحزن وتهدأ آثار البغضاء والشحناء فتنتشر السعادة في أفق الدنيا ويعيش الناس على مختلف أجناسهم وأديانهم في جو مزدهرٍ بالأمن والسلام ويغلق الباب على المنظمات السرية والإرهابية التي تسيرها الصهيونية العالمية والشبكات الجاسوسية التي تحكم العالم وتسيطر على مقدراته من وراء ستار.
والله أسأل أن يكون هذا العمل والأعمال القادمة إن شاء الله خالصاً لوجهه الكريم.
والله من وراء القصد فهو نعم المولى ونعم النصير.