الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبهات التكفير
المؤلف/ المشرف:
عمر بن عبدالعزيز قريشي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي ̈الأولى
سنة الطبع:
1411هـ
تصنيف رئيس:
توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي:
التكفير - ضوابط وشروط
الخاتمة:
أولاً: النتائج:
فهذا بحثي أضعه بين أيديكم بعد أن بذلت قصارى جهدي، ولقد توصلت فيه إلى نتائج منها:
1 -
أن فكر التكفير وشبهاته لها جذورها القديمة من يوم أن ظهرت الفرق، والفتن وساعدت على ظهورها في الحديث الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي.
2 -
وظاهرة التكفير ليست وليدة سبب واحد، بل هي وليدة أسباب متعددة متنوعة وليس من الإنصاف للحقائق أن نركز على سبب واحد ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى أو أن نركز على جهة معينة ونغض الطرف عما سواها. فالأسباب متشابكة ومتداخلة، وكلها تعمل بأقدار متفاوتة، مؤثرة آثاراً مختلفة، قد يقوى أثرها في شخص ويضعف في آخر، ولكنها جميعاً لها في النهاية أثرها الذي لا يجحد.
والظاهرة التي بين أيدينا ظاهرة مركبة، معقدة، وأسبابها كثيرة ومتنوعة ومتداخلة بعضها قريب، وبعضها بعيد، بعضها مباشر، وبعضها غير مباشر، بعضها مائل للعين، طاف على السطح، وبعضها غائص في الأعماق.
ومن هذه الأسباب ما هو ديني، وما هو سياسي، منها ما هو اجتماعي، وما هو اقتصادي، ومنها ما هو نفسي، وما هو فكري، وما هو خليط من هذا كله أو بعضه. قد يكمن سبب هذه الظاهرة في داخل الشخص المتطرف نفسه، وقد يكون السبب أو بعضه عند البحث داخل أسرته، عند أبويه وإخوته وعلاقاته بهم وعلاقتهم بعضهم ببعض.
وقد يرجع السبب عند التحليل والتعمق إلى المجتمع ذاته، وما يحمل في طيه من تناقضات صارخة: بين العقيدة والسلوك .. بين الواجب والواقع .. بين الدين والسياسية .. بين القول والعمل .. بين الآمال والمنجزات .. بين ما شرعه الله وما وضع البشر.
ومثل هذه المتناقضات إن احتملها الشيوخ لا يحتملها الشباب، وإن احتملها بعضهم لا يحتملها كلهم، وإن احتملوها بعض الوقت، لن يحتملوها كل الوقت. وقد يعود السبب إلى فساد الحكم، أو اتباع أهواء بطانة السوء في الداخل، والحاقدين على الإسلام في الخارج، مما جعل القرآن والسلطان أو الدين والدولة في خطين لا يلتقيان.
وقد يعود إلى الدور الذي تقوم به أجهزة الإعلام مبنياً على الشطط والبعد عن الدين والحياء والفحش الذي يصل إلى حد التبجح. كما قد يرجع إلى أسباب أخرى أو إلى ذلك كله.
3 -
الإيمان إقرار بالجنان، وتلفظ باللسان، وعمل بالأركان، والأخير شرط كمال وليس شرط صحة يحكم للفرد بالإسلام بمجرد التلفظ بالشهادتين، وهذا الحكم فيما عند الناس من حيث الظاهر، وأما عند الله فهو أعلم، فلنا الظاهر والله يتولى السرائر.
4 -
القول بالعذر بالجهل في المسائل النظرية والعلمية، وكذلك العذر بالخطأ في التأويل، والعذر بالإكراه، قولاً واحداً، وإن كان من درس نتعلمه من "العذر" فليكن الرفق بالخلائق، والأخذ بأيديهم إلى النجاة، والتفاني في دعوتهم.
5 -
وأن مفهوم الجماعة هو جماعة المسلمين بأل الجنس، أي كل المسلمين، وليست جماعة مسلمة بعينها، هنا أو هناك. وأن البيعة لا تكون لكيان مستضعف، وإنما هي لخليفة الله ورسوله في الأرض.
6 -
ومفهوم الهجرة لا يكون باعتزال الناس ودار الإسلام لا تنقلب دار كفر. كما لا يجوز تجزئة الدين بعد تمامه، والأخذ بالمرحلية. ولا يجوز اعتزال المساجد بحجة جاهلية المجتمع. كذلك لا يجوز فهم الأمية بمعنى الجهل واعتزال التعليم.
7 -
بطلان ما ذهبت إليه فرقة التكفير في منهجها، ومخالفتها بذلك منهج السلف الصالح، وخروجها عن إجماع الأمة. ومما يدل على فساد منهجها ما حل بها من فرقة وهزيمة، وما وقع بين أفرادها من اضطراب وتناقض، كما أن الكثير منهم قد رجع عن هذا الفكر وعدل عنه، بل رد عليه بردود قاطعة. ثانياً: وبعد أن عرفنا الأسباب يجب أن نؤكد أن العلاج لا ينفصل عن الأسباب، فإذا كانت الأسباب – كما بينا – متعددة ومتنوعة، فلابد أن يكون العلاج متعدداً ومتنوعاً. ولا يتصور أن لمسة سحرية تعالج التطرف، وتعيد المتطرفين إلى خط الاعتدال فإن الأمراض التي تتعلق بأنفس البشر وعقولهم أعمق وأعقد من أن تعالج بهذه السهولة وإذا كان من الأسباب ما هو فكري، وما هو نفسي، وما هو اجتماعي، وما هو سياسي، فإن العلاج ينبغي أن يكون كذلك، فكرياً وسياسياً ونفسياً واجتماعياً، وأن يكون كذلك كله من منطق الإسلام ومعطياته، وفي ضوء الإسلام، إن الظاهرة في أساسها دينية، فلا يمكن إعفاء الشباب من المسئولية، وتحمل نتيجة أخطائهم. كما لا يجوز أن نحملهم وحدهم عبء المسئولية، ونعفي المجتمع والحكم وأجهزته المختلفة، خصوصاً المسئولين عن التربية والتوجيه والإعلام، بل على المجتمع دوره، وعلى الشباب دورهم. ويبدو "دور المجتمع" من نقطة مهمة هي أن يعترف هذا المجتمع بانتمائه للإسلام وما يقتضيه هذا الإسلام من التزام وسلوك فالإسلام ليس مجرد دعوى تدعى ولا شعاراً يرفع، ولا مجرد نص في الدستور، ثم تسير سفينة الحياة بعد في خط يجافي الإسلام.
إن الإسلام. منهج متكامل للحياة، يصبغها بصبغة الربانية، ويوجهها وجهته الأخلاقية، ويضع لها الإطار والمعالم والحدود التي تضبط سيرها، وتربطها بغايتها وتقيها الانحراف عن الجادة، أو السقوط في الحفر، أو الضياع في مفارق الطرقات. لهذا كان الإسلام عقائد تقوم الفكر وعبادات تطهر القلب، وأخلاقاً تزكي النفس، وتشريعاً يقيم العدل، وأدباً تجمل الحياة. ولا بد لحركة الإصلاح، من الاعتراف بالانتماء للإسلام وما يقتضيه هذا الانتماء من التزام وسلوك، ولا بد لكي يكون المجتمع مسلماً حقاً من الالتزام بالإسلام كله، راضياً بحكم الله ورسوله في كل شئون الحياة، كما هو مقتضى عقد الإيمان. فيجب على مجتمعاتنا أن تزيل هذا التناقض الصارخ القائم في حياتنا اليوم بين إيماننا بالإسلام عقيدة وشريعة من عند الله، وبين تجميدها لأحكامه وتعطيلنا لحدوده وإغفالنا لتوجيهاته وآدابه، واستيرادنا لمذاهب وأنظمة من الغرب والشرق بديلاً عنه ويجب أن يؤمن حكامنا بأنهم يعيشون في أوطان الإسلام، ويحكمون أناساً مسلمين ومن حق كل قوم أن يحكموا وفقاً لعقيدتهم، وأن تأتي دساتيرهم وقوانينهم معبرة عن معتقداتهم وقيمهم وتقاليدهم.
وأن تصاغ مناهج التربية والتعليم وفقاً لها، وأن تسير أجهزة الإعلام والثقافة في اتجاه حمايتها وتثبيتها ونشرها، وأن توضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والداخلية والخارجية في إطارها، وفي خدمة أهدافها. وبعد أجهزة الإعلام عن التهويل والشطط، فمعظم الصحافة في مصر تناولت موضوع جماعة التكفير بشطط كبير، تناولا غير سليم، وغير مفيد، على طريقة النقد الهدام وليس البناء فهو يقوم على التهويل والمبالغة، وتصوير غير الواقع، والخروج عن الموضوعية، مما يبتعد بها عن رسالة الصحافة التي لا يحددها أبداً قرار أو قانون بل المفروض أن تكون وليدة خلق وقيم وضمير، والبعد عن كل ما هو فاحش، والذي يتنافى مع الأخلاق والدين.
بل على أجهزة الإعلام ووسائلها أن تساعد بنصيبها في هذه التوعية، وألا تعرض من جانبها ما يثير غرائز الشباب، أو يثير مشاعره على المجتمع الذي يعيش فيه، ولابد لكل وسائل التوعية من إدراك صحيح لمفاهيم الإسلام وإلمام تام بمحاسنه حتى يلقونها للناس على صفائها ونقائها. ولابد لهم مع ذلك من المعرفة بكل مشاكل الشباب وعلاجها حتى يجنبوهم مسالك الفتن، ومزالق الأخلاق.
وواجب المسلمين المسئولين عن الدعوة والشباب أن يعملوا على انتشاله من هذه الهاوية التي تردى فيها، وانتزاعه من بين براثن الزيغ الذي أسلم نفسه إليه، وواجبنا أيضاً أن نتولى هذا الشباب منذ نشأته بالتوجيه الصحيح وأن نتعهده بالتربية الدينية الجادة حتى تكون لديه المناعة التي تحميه من مثل هذه الانحرافات الهدامة. وترك الحرية للجماعة الراشدة التي شهد المسئولون أنها تحسن التربية والتوجيه ولا شك أن غياب هذه الجماعة عن الساحة أوجد الفراغ الذي أتاح الفرصة لغيرها ببث أفكار بعيدة عن الإسلام، والمؤسسات الرسمية يمكن أن تقوم بدورها خير قيام إذا أعطيت شيئاً من الحرية والاستقلال والضمانات التي تبعد عنها شبح الخوف والضغوط التي تقع عليها.
وعلى علماء الأزهر تقع المسئولية العظمى في ذلك، وهم – والحمد لله – علماء أجلاء، وفي استطاعتهم أن يبرزوا مفاهيم الإسلام في صورها النقية، وأن يزيلوا عنها كل ما ألصق بها من زيف وفساد، وأن يصححوا للشباب عقيدته، ويعودوا به إلى فطرته السليمة.
كما أن العبء لا يقع على كاهل العلماء وحدهم، بل على المنزل والمدرسة أيضاً نصيب كبير في توعية الشباب توعية دينية صحيحة.
والخطوة الثانية فهي، ألا نحدث هؤلاء الشباب من فوق أبراج عاجية، مستعلين عليهم، أو متبرئين منهم، مما يحفر بيننا وبينهم فجوة واسعة، أو هوة عميقة فلا يثقون بنا ولا يستمعون لنا، كما أننا لا نستطيع بذلك أن نفهمهم، نعرف أغوار حياتهم وحقيقة مشكلاتهم، وإنما يجب قبل كل شيء – أن نعاملهم بروح الأبوة الحانية، والأخوة الراضية، ونشعرهم أنهم منا، وأننا منهم، وأنهم فلذات أكبادنا وأمل حياتنا، ومستقبل أمتنا، وبذلك ندخل إليهم من باب الحب لهم والإشفاق عليهم لا من باب الاتهام لهم والتكبر عليهم.
يجب أن نقف موقف المحامي عنهم، بعد إذ صوبت إليهم سهام الاتهام من كل ناحية، فإذا لم نحسن أن نقف موقف الدفاع – لسبب أو لأخر – فلنقف موقف القضاء العادل، الذي لا يدين إلا ببينة، ولا يتحيز لمدع أو مدعى عليه.
وكذلك أرى أن من واجب كل من تصدى لعلاج هذا الأمر أن يتصف بالاعتدال والاتزان في حكمه، وألا يكون هو متطرفاً في حديثه عن التطرف وطريقة علاجه. كما يجب ألا نقابل التكفير بتكفير مثله، وألا نواجه التعصب بتعصب، والرفض بالرفض، مجازاة للسيئة بمثلها، فجمهرة المحققين من علماء المسلمين تورعوا عن تكفير الخوارج، برغم إصرارهم على تكفير كل من عداهم من الأمة وإباحة دماءهم وأموالهم وحملهم السلاح عليهم، وقد سئل الإمام "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه أكفار هم؟ فكان جوابه، من الكفر فروا، قيل له فما هم؟ قال: إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم. فينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيل، فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد على أنه كافر، (التفرقة بين الإيمان والزندقة، الغزالي). قال العلماء .. (وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئاً) – فلا بد من الترشيد والتوجيه وترك العنف، ووسائل المقاومة، فالفكر السقيم لا يعالج إلا بفكر سليم، والحجة لا تقارع إلا بالحجة، وأن الشبهة الزائفة لا تقاوم إلا بالحجة الدامغة، والعنف لا يولد إلا عنفاً، وقد لا يزيدها إلا توسعاً، ولا يزيد أصحابها إلا إصرارا عليها.
ولماذا نحاكم العنف الذي يجري دون أن نحاكم من دفع إليه؟ وإنما الواجب أن نعالج بالإقناع والبيان وإقامة الحجة وإزاحة الشبهات.
واجب الشباب: إن أول ما يجب على الشباب أن يصنعوه هو تصحيح نظرتهم، وتقويم أفكارهم حتى يعرفوا دينهم على بصيرة، ويفقهوه عن بينة، ونقطة البداية في هذا الفقه المنشود هي: سلامة المنهج الذي يجب أن يسلكوه في فهم الإسلام، والتعامل مع أنفسهم ومع الناس والحياة على أساسه.
ولهذا اهتم علماء الأمة بوضع القواعد والضوابط اللازمة لحسن الفهم والاستنباط فيما نص عليه الشارع أو فيما لا نص فيه ومن هنا نشأ علم "أصول الفقه" ليضبطوا به فقههم، وقواعد منثورة في كتب أصول التفسير وعلوم القرآن، أو في كتب علوم الحديث ومصطلحه، وغير هذه وتلك قواعد أخرى وضوابط في كتب العقيدة أو التفسير أو في شروح الحديث، أو في كتب الفقه، أو غيرها، المهم إذن هو الفقه الواعي لدين الله، الفقه الذي لا يعتمد على قراءات فجة، ولا على فهم سطحي لنصوص الشرع، يخطف الآيات والأحاديث خطفاً دون تبصر وتعمق لأسرارها ومقاصدها، إنما نريده فقهاً رشيداً متكاملاً، يقوم على منهج سديد، يراعى عدة أمور: فقه الجزئيات في ضوء الكليات، ورد المتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات، حتى يتألف منها جميعاً نسيج واحد مرتبط بعضه ببعض، متصل لحمته بسداه ومبدؤه بمنتهاه. وهذا لا يتأتى إلا بسعة الاطلاع على النصوص وخاصة الأحاديث والآثار والتعمق في معرفة أسباب ورودها وملابسات وقوعها، والغايات المتوخاة منها مع مراعاة الفقه في مراتب الأحكام وأدب الخلاف الذي يغفل عنه بعض المتدينين.
فمراتب الأحكام الشرعية ليست في درجة واحدة من حيث ثبوتها، وبالتالي من حيث جواز الاختلاف فيها، فهناك الأحكام الظنية التي هي مجال الاجتهاد،
وتقبل تعدد الأفهام والتفسيرات، ومنها الأحكام المتعلقة بالعمل، كأحكام الفقه، فهذه يكفي فيها الظن بخلاف الأحكام المتعلقة بالعقيدة التي لا يغني فيها إلا القطع واليقين.
والاختلاف في الأحكام الظنية والفرعية والعملية لا ضرر فيه ولا خطر منه، إذا كان مبنياً على اجتهاد شرعي صحيح، وهو رحمة بالأمة، ومرونة في الشريعة، وسعة في الفقه، وقد اختلف فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، فما ضرهم ذلك شيئاً، وما نال من أخوتهم ووحدتهم. وهناك الأحكام التي ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع، ووصلت إلى درجة القطع، وإن لم تصبح من ضروريات الدين فهذه تمثل الوحدة الفكرية والسلوكية للأمة، ومن خالفها خالف السنة، ووصف بالفسق والبدعة، وقد ينتهي به الأمر إلى درجة الكفر. وهناك الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يستوي في العلم بها الخاص والعام، وهي التي يكفر من أنكرها بغير خلاف، لما في إنكارها من تكذيب صريح لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
– فلا يجوز إذن أن توضع الأحكام كلها في إطار واحد، ودرجة واحدة حتى يسارع بعض الناس إلى إلصاق الكفر أو الفسوق أو البدعة بكل من عارض حكماً ما.
ولهذا كان من المعاني الكبيرة التي يجب على الشباب أن يحسنوا الفقه فيها أن يعرفوا ما يجوز فيه الخلاف، وما لا يجوز فيه الخلاف، وأن منطقة ما يجوز فيه الخلاف أوسع بكثير مما لا يجوز.
وأهم من هذا كله أن يتعلموا، "أدب الخلاف" وهو أدب ورثناه من أئمتنا وعلمائنا الأعلام، علينا أن نتعلم عنهم كيف تتسع صدورنا لمن يخالفنا في فروع الدين؟ كيف تختلف آراؤنا ولا تختلف قلوبنا؟ كيف يخالف المسلم أخاه المسلم في رأيه دون أن تمس أخوته أو يفقد محبته أو احترامه لمخالفته، ودون أن يتهمه في عقله أو في علمه أو دينه؟
وعلى الشباب أن يحترموا أهل التخصص، فلكل علم أهله، ولكل فن رجاله، وليس علم الشريعة كلاً مباحاً لكل الناس، بدعوى أن الإسلام ليس حكراً على فئة من الناس، وأنه لا يعرف طبقة "رجال الدين" التي عرفت في أديان أخرى. فالواقع أن الإسلام لا يعرف طبقة رجال الدين ولكن يعرف علماء الدين المتخصصين الذين أشارت إليهم الآية الكريمة:{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [سورة التوبة: 122]. وقد علمنا القرآن والسنة أن نرجع فيما لا نعلم إلى العالمين من أهل الذكر والخبرة بقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [سورة الأنبياء: 7].
وعلى الشباب المسلم أن يأخذوا العلم الشرعي من ثقات العلماء الذين يجمعون بين سعة العلم والورع والاعتدال، وعليهم أن يتخلوا عن التشدد والغلو، ويلزموا جانبي الاعتدال والتيسير وخصوصاً مع عموم الناس الذين لا يطيقون ما يطيقه الخواص من أهل الورع والتقوى، وأن يتبعوا المنهج الذي رسمه القرآن في الدعوة إلى سبيل الله وجدال المخالفين:{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} {سورة النحل: 125].
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين