الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلسطينيو العراق بين الشتات والموت
المؤلف/ المشرف:
أحمد اليوسف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
لجنة الدفاع عن عقيدة أهل السنة – فلسطين ̈بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
سياسة عالمية
تصنيف فرعي:
فلسطين - تاريخ وقضية
خاتمة:
فلسطينيو العراق شتات جديد وهجرة متكررة.
يبدو أن قدر الفلسطيني في التاريخ المعاصر والعقود الستة المنصرمة الشتات والتهجير وتذوق ألوان المآسي وشظف العيش، وهذا حال المسلم وصاحب القضية في دنيا المحن والابتلاءات، فأكثر من ستة ملايين فلسطيني يعيشون بعيدا عن أرضهم وديارهم هجروا وشردوا على مراحل وبطرق وأساليب منوعة وبأشكال متعددة منذ النكبة الأولى عام 1948 وما تبعها ولغاية عام 2006 والمشهد مازال يتكرر هنا وهناك لكن بحقائق مرة، وأوجه أنكى، وأكثر مأساوية من سابقاتها.
إن قلة قليلة من الفلسطينيين الذين تركوا ديارهم مضطرين ومكرهين أثر نكبة عام 1948 وصلوا إلى العراق، على أمل أن تكون محطة ثم يعودوا إلى قراهم ومساكنهم بعد أسبوعين أو ثلاثة!!! ، هذه القلة تتكون من 886 عائلة بنحو (3000 - 50000 شخص) خرج غالبيتهم وبنسبة (80%) من قرى مثلث الكرمل الصغير جنوب حيفا (إجزم 33%، وجبع 29%، وعين غزال 18%) و15% من القرى الأخرى المحيطة بحيفا (كفر لام والمزار وعتليت وصرفند وأم الزينات وطنطورة وعين حوض والطيرة) و4% من يافا و1% من نفس حيفا.
تلك العوائل كانت تعيش بأمن وسلام على أرضها لكن سرعان ما تعرضوا للشتات وكان مآلهم ونصيبهم أن يقطنوا بلاد الرافدين والرضى بالواقع الجديد إذ تعايشوا مع العراقيين وتآلفوا معهم واندمجوا في مجتمعهم واكتسبوا الكثير من صفاتهم وتقاليدهم وعاشوا أفراحهم وأتراحهم لأكثر من خمسين عاما، لا سيما وأن أكثر من 80% من فلسطينيي العراق اليوم هم من مواليد العراق، لكن بعد احتلال العراق عام 2003، وحدوث تغيير جذري في طبيعة وتركيبة وديموغرافية العرق، وكذلك التغيير في سياسة وتعامل وعلاقة شرائح واسعة من المجتمع العراقي، وكل هذا انعكس سلبا على الوجود الفلسطيني وبدأت مرحلة جديدة ومريرة من الشتات والانتقال لكن لوجهة غير محددة ومكان غير معلوم ومصير مجهول على خلاف هجرة الآباء والأجداد الأولى.
بدأت هذه الرحلة والحقبة المظلمة بطرد وتهجير أكثر من 400 عائلة فلسطينية من مناطق مختلفة من بغداد وبمبررات طائفية وأحقاد وضغائن عنصرية قديمة وبعضها لأغراض مادية محضة واستغلال الوضع الأمني المنفلت، لتسكن تلك العوائل في مخيم أقيم لهم على ساحة لكرة القدم في نادي حيفا الرياضي في مجمع البلديات، وخرج عدد أكبر منه نتيجة التدهور الخطير وانعدام الأمان نحو الحدود العراقية الأردنية على أمل الدخول إلى الأردن، تقول منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها المنشور عن الفلسطينيين في العراق في شهر سبتمبر/ أيلول 2006 (لقد أدت الهجمات التي استهدفت اللاجئين الفلسطينيين العراقيين عام 2003 إلى تشريد الآلاف منهم داخلياً، إضافة إلى فرار المئات إلى الأردن. وقد أغلق الأردن حدوده في البداية، ثم سمح بدخول عدة مئات منهم إلى مخيم الرويشد المعزول القاحل الذي يقع على مسافة 85 كم داخل الحدود الأردنية. أما بقية الفلسطينيين العراقيين فظلوا أكثر من سنتين في مخيم الكرامة الذي لا يقل قسوة، والواقع داخل المنطقة العازلة على الحدود العراقية الأردنية، إلى أن قامت السلطات الأردنية بإغلاقه عام 2005 ونقلهم إلى مخيم الرويشد. وخلال السنوات الثلاث الماضية، كان عدة مئات من الفلسطينيين بمثابة سجناء في مخيم الرويشد. وقد فضل قرابة 250 منهم العودة إلى الوضع الخطير الذي كانوا يعيشونه في العراق على البقاء في المخيم دون بارقة أمل بإيجاد حل لمحنتهم).
في عام 2004 لم تكن هناك عمليات تهجير واسعة بحق الفلسطينيين إلا أعداد متفرقة من العوائل بحسب المناطق التي يتعرضون فيها لضغوطات فردية أو شعور بعدم الأمان. ومع ظهور ملامح الحكومة الطائفية الجديدة عام 2005 لم يبق الأمر على ما هو عليه إنما ازدادت حدة المضايقات والتعرض للفلسطينيين على الهوية وشملت حالات اعتقال واختطاف وتعذيب وقتل وتحريض إعلامي واسع مع اضطراب في الوضع الأمني وسيطرة الميليشيات على كثير من المناطق وبدعم حكومي لها مع تضييق في موارد كسب الرزق والقوت اليومي كل ذلك أدى لعمليات نزوح وانتقال وهجرة داخلية في الغالب لأكثر من 200 عائلة من مناطق متفرقة من بغداد.
قد يقول قائل إن ما يعانيه الفلسطيني هو نتاج وضع عام ومستجد طرئ على الكل داخل العراق، بما فيهم العراقيين فهم يعانون كذلك، بمعنى أن الفلسطيني هو ضمن حالة شاملة فلماذا هذا التخصيص والتظلم والاستثناء؟ فهذا تساؤل وارد ومطروح لكن لابد من إزالة الإشكال وبيان الحال والوقوف على حقيقة الأمر والصورة المخفية على الجميع وذلك في عدة نقاط:
1 -
إن الكلام والحديث بهذه الطريقة عن مدى مظلومية الفلسطينيين وما يتعرضون له من جرائم ومجازر متكررة لا يلغي الظلم الواقع على شريحة معينة وواسعة من العراقيين.
2 -
إن الفلسطينيين في العراق أقلية ولا يتجاوز عددهم الآن بعد المجازر والتهجير المتكرر 18000 شخص.
3 -
إن الفلسطينيين في العراق من أكثر الأقليات عرضة للانتهاكات.
4 -
إن وجود الفلسطينيين في العراق اضطراري وليس بمحض إرادتهم لكن الظروف ومجريات الأحداث فرضت عليهم ذلك.
5 -
إن الفلسطينيين في العراق لاجئون ولهم حقوق تكفلها لهم القوانين الدولية، لذلك يجب التعاطي مع قضيتهم من ذلك المنطلق.
6 -
الفلسطينيون في العراق ليس لهم وضع قانوني واضح، فلا يعرفون أنفسهم أهم لاجئون، أم مقيمون، أو وافدون، أم هجرون؟!! إذ انتزعت منهم صفة الإقامة الدائمة، وأصبحوا يعاملوا معاملة الأجنبي غير المقيم، بدلا من معاملتهم كلاجئين معترف بهم.
7 -
العراقي إذا تعرض إلى ظلم أو تضييق أو اضطهاد فبإمكانه مغادرة البلاد وله بدائل كثيرة، أما الفلسطيني فلا يتمكن من المغادرة إلا إلى الصحراء ولا يسمح له دخول أي دولة إلا حالات فردية نادرة!!!.
8 -
العراقي إذا فقد الأمن والأمان في منطقة فله بدائل عدة في الانتقال إلى محافظة أخرى، أو مدينة، أو قرية، أو منطقة أكثر أمنا وأمانا، أما الفلسطيني فلا يمكنه ذلك لصعوبة تنقله وتحركه داخل البلاد.
9 -
العراقي إذا تعرض لمعاناة فبإمكانه اللجوء إلى عشيرته أو أقربائه للتخفيف عنه أو إيجاد حلول له بحسب التركيبة العشائرية لعموم العراقيين، أما الفلسطيني فلا.
10 -
العراقي بإمكانه في الغالب الاستعانة أو الانتماء أو طلب الاستجارة من أي جهة أو فئة أو تنظيم أو حزب بحسب التقسيمات الجديدة، أما الفلسطيني فلا.
هذه الأمور والقضايا بمجملها مجتمعة أو متفرقة تضاف إلى طبيعة المعاناة والاستهداف المستمر لفلسطيني العراق، تجعله يمر بمحنة ومأساة تفوق كل ما يتعرض له أهلنا وأحبتنا في العراق الجريح.
إن النكبة الجديدة التي يتعرض لها الفلسطينيون في العراق ليس على يد اليهود الغاصبين إنما على أيدي أناس يدعون الإسلام، ويتقربون إلى الله بسفك دم الفلسطينيين، وبطرق وحشية، وبربرية، وهمجية لم يشهد لها التاريخ مثيل، فبعد أحداث سامراء وما تبعها من ردود أفعال وعنف طائفي مقيت، مرة على الفلسطينيين أوقات ولحظات من المحن والضائقة التي لا يعلمها إلا الله، وما زالت مستمرة وبتزايد وتصعيد كبير، فنحن نمر هذه الأيام بفترات عصيبة جدا فاقت سجون التفتيش، وأفاعيل هولاكو، والحقبة النازية، فبحدود 200 فلسطيني بينهم أطفال ونساء غادروا منازلهم بتاريخ 18/ 3/2006 بفعل تصاعد وتيرة العنف الطائفي، والاستهداف على الهوية، متجهين نحو الحدود الأردنية، ومنعوا من الالتحاق بالعوائل المتبقية ضمن مخيم الرويشد المقام منذ عام 2003 وأعيدوا بالقوة إلى داخل الحدود العراقية، حيث أقيم لهم مخيم طريبيل ومكثوا فيه لغاية 9/ 5/2006 مع التحاق آخرين بهم حتى نقل 304 فلسطيني بعد السماح لهم إلى مخيم الهول في محافظة الحكسة السورية لتبدأ رحلة جديدة من الشتات والتهجير.
واستمرت حالات النزوح المتكررة نحو الحدود السورية على أمل الالتحاق بمخيم الهول مع أنه شبه سجن، إلا أنهم منعوا من ذلك، وتم إنشاء مخيم جديد على الحدود العراقية والسورية قريب من بوابة الحد السوري، سمي بمخيم التنف وفيه 343 فلسطيني بينهم نساء وأطفال وكبار بالسن ومعاقين ومرضى، ولا زال إلى الآن مع ما يعانون من ظروف معاشية وبيئية وجوية قاسية جدا، وقد شهد شهر كانون الأول من عام 2006 نزوح آخر صوب الحدود السورية والعجيب بأنهم منعوا حتى من الالتحاق بمخيم التنف وأقيم لهم مخيم قبل بوابة الحدود العراقية سمي بمخيم الوليد فيه أكثر من 120 فلسطيني بينهم أطفال ونساء وأيضاً مرت عليهم ظروف قاسية جدا جدا، فعمليات النزوح مستمرة بسبب تصاعد عمليات الاستهداف المختلفة، وكأننا ندفع ضريبة فلسطينيتنا بهذه الانتهاكات في زمن الديمقراطية المزعومة، وحقوق الإنسان، والحرية، والشعارات البراقة، وعصر التكنولوجيا، والله المستعان.
هنالك حالات واسعة من عمليات التهجير والنزوح الداخلية من بعض التجمعات الفلسطينية الصغيرة والضعيفة، إلى تجمعات في ظنهم بإنها أقل خطرا وأكثر أمنا؛ لكثرة عددهم النسبي كمجمع البلديات الذي لم يعد آمنا، وتم التركيز عليه في الآونة الأخيرة بقصفه، وتضييق الخناق على ساكنيه، حتى أدى ذلك لمغادرة وخروج أعداد كبيرة منه إما إلى الصحراء، أو إلى المجهول، كل ذلك بسبب تزايد أعمال العنف والاستهداف بحقهم، أو تهديدهم واستفزازهم من قبل الميليشيات الطائفية، التي أصبحت تصول وتجول في معظم مناطق بغداد.
ومن أشكال الهجرة والشتات الغريبة لفلسطينيي العراق بسبب الضائقة والمحنة العظيمة وصول أكثر من 100 فلسطيني خلال عام 2006 إلى الهند بدفعات مختلفة للحصول على شيء من الأمان المفقود ولو في شبه القارة الهندية الفقيرة المعدمة، طالبين اللجوء من الأمم المتحدة لأن وجودهم وحياتهم في العراق أصبحت مستحيلة.
ومن مظاهر الشتات والتشرذم سفر العشرات إلى دول أوروبا بطرق ملتوية وصعوبات مضنية، فرارا من القتل الذي يلاحقهم وطلبا للجوء الإنساني، الذي لم يجدوه عند معظم الدول العربية للأسف الشديد، وكأن الأمر لا يعنيهم، كما وقد غادر المئات من الفلسطينيين متوجهين إلى بعض الدول العربية القليلة جدا، بعد الصعوبات والتعقيدات في الحصول على موافقات فردية وخاصة للسماح لهم بالدخول، والعجيب أن معظم الدول العربية تغلق أبوابها في وجه الفلسطينيين المتواجدين في العراق وتمنعهم، من الدخول أو الفرار أو العمل والاستثمار مخالفين كل الشعارات والدعاوى التي يطلقونها هنا وهناك بوقوفهم وتضامنهم مع القضية الفلسطينية والفلسطينيين؟!!!