الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في ظلال القرآن في الميزان
المؤلف/ المشرف:
صلاح بن عبدالفتاح الخالدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المنار ̈الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
تفسير
تصنيف فرعي:
نقد كتاب أو فكر
الخاتمة: نقف الآن في خاتمة هذا الكتاب لنسجل أهم المزايا التي توفرت للظلال، وأكسبته منزلة فريدة بين كتب التفسير، وجعلت له أثرا ملحوظا في الفكر الإسلامي المعاصر. ونقدم لهذه المزايا بقول الأستاذ محمد قطب – الذي هو خير من يعرف الظلال ويدرك مزاياه – في وصف ظلال القرآن: الكتاب الذي عاشه صاحبه بروحه وفكره وشعوره وكيانه كله .. وعاشه لحظة لحظة، وفكرة فكرة، ولفظة لفظة .. وأودعه خلاصة تجربته الحية في عالم الإيمان .. " وفي ما يلي نسجل أهم مزايا الظلال:
1 -
انطلاقا من كلام الأستاذ محمد قطب السابق نقرر المزية الأولى للظلال، وهي أن سيد قطب عاشه بروحه وشعوره وكيانه كله، عاشه حياة عملية قبل أن يسجله في صورة كلمات وجمل وتعبيرات. عاش الأفكار والمعاني في الحياة قبل أن ينقلها للناس ولا يدرك هذه المزية من كان خالي البال من مكابدة الجاهلية والحركة بإسلامه في وجهها.
2 -
إن سيد قطب كتب الظلال من "الميدان" لا من خلف المكاتب أو وراء الجدران. إن الذين يقولون كثيرون والذين أقبلوا على القرآن يفسرونه في العصر الحديث كثيرون ولكن فرق بعيد بين قول وقول وبين مفسر ومفسر، وبين تفسير وتفسير، والقارئ هو الحكم الصادق على القول والتفسير!! .. إن الذي يقرأ كلاما مسطورا في كتاب ولا يحس تجاهه بتجاوب وانفعال يدرك أن قائله غالبا لم يكن يعيش ما يقول ولم يكن يتحرك بما يقول. سيد لم يكن من ذلك الصنف لم يقعد قعدة باردة يعالج بعض الموضوعات والقضايا النظرية معالجة نظرية باردة أيضا، لقد حمل سيد سلاحه القرآن ونزل به إلى الميدان، ميدان مواجهة الجاهلية نظريا وعمليا وسجل خلاصة هذه المواجهة في الظلال ..
3 -
من خلال معرفتنا بالأغراض الأساسية للقرآن العملية الحركية الحية وإذا عدنا إلى الظلال لننظر فيه، فإننا نجده يضع ويحقق الأغراض الأساسية للقرآن ويعرض مهمة القرآن العملية الحية. 4 - يضع الظلال بين يدي المسلم العالم المعاصر دليلا عمليا مكتوبا إلى التربية والتوجيه فيقيم نفسه الإسلامية وفق ذلك الدليل ويخرج من الظلال شخصية إسلامية متكاملة ومتوازنة ولهذا يعتبر الظلال ممثلا للمدرسة التربوية الوجدانية في التفسير.
5 -
تجاوز سيد في الظلال عصر الخلال المذهبي والكلامي بين المسلمين ولم يشغل القارئ بالخلافات والمماحكات والمجادلات بين تلك الفرق، ولم يتعبه بالردود التي وجهها أهل الفرق فيما بينهم، لأن سيد يعلم علم اليقين أن العقيدة الإسلامية " السلفية" لا يمكن أن تصاغ ضد مطاعن أهل الأهواء والضلال وإنما تصاغ العقيدة وتؤخذ من المعين الصافي الذي نهل منه الصحابة الكرام ولذلك عرض على القارئ هذه العقيدة الصافية من كتاب الله.
6 -
من خلال تركيز سيد على معاني الدعوة والحركة يصح أن نعتبر سيد مؤسسا لمدرسة جديدة في التفسير لم يتعرض لها المفسرون السابقون، وهي مدرسة " التفسير الحركي" ويصح أن نعتبر الظلال ممثلا لهذه المدرسة الحركية في التفسير، ولقد تابع سيد كثير من الكتاب اللاحقين، الذين أقبلوا على الظلال واستفادوا منه في معالجتهم الحركية الواقعية.
7 -
سيد ينتقل بالفكر الإسلامي المعاصر نقلة بعيدة من خلال الظلال نقلة استحق بها أن يعتبر هو الرائد لهذا الفكر، حيث قاده من مرحلة " الدفاع" على استحياء عن الإسلام وقيمه ومناهجه إلى مرحلة" الهجوم" المباشر الواثق المتزن للفكر الجاهلي وموضوعاته ورجاله ودوله
…
8 -
نجد سيد حريصا في الظلال على أن لا يكرر ما قاله المفسرون السابقون من مباحث نحوية أو بيانية، أو تاريخية أو قصصية، أو جدلية أو كلامية أو فقهية أو خلافية .. أو غير ذلك لأنه لا يريد أن يأتي الظلال نسخة مكررة للتفاسير السباقة .. وإنما كان حريصا على التركيز على بعض المعاني والمباحث والقضايا والموضوعات التي لم تتعرض لها التفاسير السابقة. كأنه يريد أن يضيف إلى ما قاله السابقون، وأن يقول ما لم يقولوه. ولهذا اعتبرنا الظلال نقلة جديدة بعيدة في التفسير.
9 -
الظلال ليس تفسيرا بالمعنى التقليدي لكلمة التفسير! وإنا هو لون جديد فريد في التفسير، ونقلة بعيدة رائدة للتفسير. وهذا اللون لا غنى عنه لأي مسلم يريد أن يعرف معاني كلام الله، وتطبيق الرعيل الأول لكتاب الله وتحركهم به.
10 -
في الظلال تطبيق للآيات على الواقع المعاصر، وبيان لدلالتها العلمية الواقعية، و"تحرير" للنصوص القرآنية من قيود الزمان والمكان، وتطبيقها على كل زمان ومكان، لتظهر صلاحيتها لكل زمان ومكان، إن القارئ لبعض التفاسير السابقة لا يكاد يجد فيها هذا المعنى لأنها لم تكتب لعصره الذي يعيش فيه، ولم تعالج موضوعات يعيشها في عصره، أما القارئ للظلال فإنه يعرف من خلاله واقعه الذي يعيش فيه، وما له وما عليه.
11 -
كان سيد يعيد النظر في كلامه في الظلال، ويتناوله بالتنقيح والتصحيح والتعديل، ويتراجع عن خطأ وقع فيه فيما سبق، ويضيف إلى الظلال مكاسبه الجديدة، وآراءه وأفكاره ونظراته الجديدة، الناتجة عن حركته العملية بالقرآن.
12 -
يصح أن نعتبر الظلال من بعض الجوانب تطبيقا لنظرية سيد عن "التصوير الفني في القرآن" والتي عرض خصائصها وآفاقها في كتاب " التصور الفني" وأبان في الظلال عن بعض ما في الآيات من تصوير فني معجز، وجمال قرآني رائع.
13 -
نجح سيد – انطلاقا من المنهجية العلمية – في تجاوز الإسرائيليات والأساطير، ومن المحاكمات والنقاشات في تبيين " مبهمات القرآن" التي لا سبيل إلى بيانها. ولا فائدة من ذلك البيان. والتي أشغل بها مفسرون سابقون أنفسهم وقرائيهم، وسودوا صفحات عديدة في تفاسيرهم بالخلافات حول تلك المبهمات!
14 -
الظلال يقرب بين المسلمين المعاصرين وبين القرآن، ويضيق " الهوة الواسعة" التي أحدثها هؤلاء بينهم وبين القرآن، بتركهم لأحكامه وتحريفهم لمهمته. أما الظلال فإنه يضع أيديهم على كنوز القرآن، ويبصرهم بمهمته. ويعرض عليهم حقائقه وإيحاءاته ودلالاته. ومع ذلك يعتبر سيد ظلاله وسيلة إلى تلك الغاية النبيلة وهي التقريب بين المسلمين وبين القرآن وليس غاية بحد ذاته، فإذا ما تحققت الغاية التي رجاها سيد فليترك المسلمون الوسيلة ويتمسكوا بالغاية!!.
15 -
في الظلال عرض لملامح وسمات المجتمع الإسلامي المنشود الذي يسعى الدعاة إلى تحقيقه، وعرض لمبادئ ومناهج الشريعة الإسلامية التي تعيش في ذلك المجتمع، وإزالة بعض الشبهات والمآخذ التي أثارها بعض الأعداء ضد تلك المبادئ والمناهج والتي علقت بفكر وتصور بعض المسلمين المعاصرين.
16 -
تكفل سيد في الظلال ببيان الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم وعرض التناسق الفني في أسلوبه وصياغته والتناسب الموضوعي في دروسه ومقاطعه. إن القرآن كما يبدو من خلال الظلال " كل" متناسق متناسب. ابتداء من جمل الآية، إلى آيات المقطع، إلى مقاطع الدرس، إلى دروس السورة، إلى سور القرآن.
17 -
وقف سيد وقفات مطولة – في الطبعة المنقحة- يعرف بالسورة ويقدم لها ويبين شخصيتها المتكاملة الخاصة وموضوعها الأساسي وموضوعاتها الفرعية ويبين الخطوط الأساسية والخيوط الدقيقة التي شدت إليها موضوعات السورة وارتبطت بها معانيها، وتعريف سيد بالسورة قبل تفسيرها التفصيلي يكاد يكفي القارئ المتعجل عن القراءة في تفسير السورة تفصيليا ويكفيه ليدرك الوحدة الموضوعية للسورة، ويتعرف على شخصيتها وملامحها، وموضوعاتها وتقريراتها.
18 -
في الظلال بيان للضوابط الأصلية لتعليل الأوامر والأحكام والتشريعات، وبيان حكمها والمصلحة فيها وما يكاد يخلو حكم من وقفة تبين حكمته، وما يكاد يخلو تشريع أو توجيه أو أمر من وقفة تبين أهميته والخير والمصلحة فيه فيخرج قارئ الظلال بيقين واطمئنان حول أحكام الله، يزيد إيمانه ويوثق التزامه.
19 -
الظلال يجمع يبن الوحي الإلهي وبين العقل المؤمن، ويبين العلاقة بينهما، فهو لا يلغي العقل أو يعطله، وهو لا يؤله هذا العقل، أو يجعله الأصل .. النص القرآني هو الأصل لأنه كلام الله، والعقل البشري تابع للنص متدبر له، وظيفته في إدراكه وتطبيقه، ثم في النظر والتفكر في الكون المشهود والتفاعل معه، والتعامل مع سننه ونواميسه، والانتفاع بخيراته وكنوزه.
20 -
سيد يركز في الظلال على العقيدة ويجعلها الأساس لكل الأفكار والأعمال والتصرفات. ولذلك يجد قارئ الظلال فيه هذا المعنى بارزا، فيدرك أهمية العقيدة ودورها في حياته وآثارها على أعماله، وكونها هي الموجهة لسلوكه وتصرفاته. فيعرف كيف يتعامل معها ويخضع حياته لها. إن الظلال يبين دور القلب في حمل العقيدة والعيش بها ولها، وبذلك يصل قرائه بين المعلومات العقدية النظرية في الفكر والعقل وبين القلب، ويرفع شعار" المعرفة المنشأة للعمل" والعقيدة الموجهة للحياة.
21 -
يبين لنا سيد في الظلال طريقة القرآن في عرض العقيدة عرضا حيا مؤثرا في الحياة البشرية، ويقارن بين هذه الطريقة وبين طريقة المتكلمين من رجال الفرق الإسلامية، التي عرضها من خلال القالب الفلسفي الإغريقي، أو الدافع أمام شبهات الأعداء، ويدعو القارئ إلى أخذ العقيدة من القرآن، وإلى إدراك منهج القرآن في عرضها وإقرارها، والتفاعل معه.
22 -
حرص سيد في الظلال على ربط الأحكام والتوجيهات الإسلامية بالعقيدة، وبيان انبثاقها وصلتها بها، وكون العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه تلك الأحكام، والباعث الذي يحرك المسلم للالتزام بها، وأن هذا العامل إذا ضعف أو خمد، فلا وجود للأعمال ولا أثر للالتزام.
23 -
بيان الوظيفة العملية للشعائر الإسلامية والحديث في الظلال عن الآثار الاجتماعية للتشريعات الإسلامية، والالتفات إلى مهمتها الإيجابية العملية ودعوة القارئ إلى ملاحظة هذه المعاني العملية للعبادات، وعدم تحويلها إلى عادات رتيبة جامدة.
24 -
نجح سيد في الظلال في " حل" بعض القضايا التي أشغلت مفسرين وباحثين حلها بتحقيق سريع موجز، بدون التفصيل في الأدلة والخلاف وذلك مثل: المشركون آدم خليفة الله في أرضه، وكون إبليس من الجن، وقضية القضاء والقدر، والضوابط لتعليل الأحكام، والضوابط للتفسير العلمي .. وغير ذلك.
25 -
تحقق للظلال موارد أساسية في مختلف الموضوعات الإسلامية من تفسير وحديث وسيرة وتاريخ .. ولذلك كانت الأفكار المعروضة في الظلال موثقة بتلك المصادر والموارد. ولا ننسى أن تلك الموارد كانت ثانوية والرجوع إليها للتصحيح أو التصويب أو الاستشهاد.
26 -
في الظلال وقفات يستدرك بها سيد على بعض المفسرين السابقين، وهو في استدراكه متصف بالأدب واللطف والرقة والرفق، ويظهر هذا على عباراته التي لا تلمس فيها كلمة جارحة أو نبرة حادة. كما أن الظلال متضمن الكثير من التصويبات في الفكر الإسلامي المعاصر، حيث يبين سيد الحق والصواب في بعض القضايا المطروحة مثل " مقارنة الأديان" و " الجهاد" و "الموقف من أهل الكتاب"
27 -
دخل سيد عالم القرآن الرحيب دون مقررات سابقة، وألقى على عتبته كل ثقافته السابقة، واستقى من معين القرآن الصافي مباشرة، واستمد منه أفكاره وتصوراته، ودعى القارئ إلى التعامل مع القرآن على هذا الأساس.
28 -
كان سيد في الظلال يسلم بالنص القرآني تسليما تاما، ويثق فيه ثقة مطلقة. فما يقرره النص فهو الحق والصدق، وما يوحي به فهو الخير والصواب، وهو الأصل الذي يجب أن يخضع له العقل ومقرراته، والواقع ومظاهره المخالفة.
29 -
كان سيد في الظلال يجمع الآيات المتفرقة حول الموضوع الواحد، وينظر فيها مجتمعة، ويستخلص دلالتها كلها، فإذا ما بدت بعض النصوص متعارضة في ظاهرها فهو تعارض موهوم للنظرة العجلى، لذلك يثقف ليجمع بين تلك النصوص، ويزيل عنها ذلك التعارض.
30 -
كان سيد يحرص على أن يبقى في جو النص القرآني في الظلال، وألا يخرج عنه إلى المطولات في اللغة أو الفقه أو الخلاف أو غير ذلك. وكان حريصا أيضا على أن يبقي القارئ في جو النص القرآني. وأن يوقفه أمام إيحاءاته ودلالاته مباشرة ليتلقاها ويتفاعل معها، ولذلك لا يشغله عن ذلك أمر إلهام أية تحقيقات أو توجيهات أو خلافات. وبذلك كان يتفاعل مع القرآن ويتعرض لأنواره، ويدعو القارئ للتفاعل معه، وإدراك تلك الأسرار القرآنية والتعرض لأنواره.
31 -
يعرف سيد القارئ للظلال على كيفية التعامل مع القرآن، والمفتاح الحركي لفتح كنوزه ومعارفه من خلال الحركة به، ويدله على كيفية إدراك إيحاءات النص القرآني ولطائفه، واستخراج دلالاته وأحكامه. وذلك عندما يسجل له بعض تلك الإيحاءات واللطائف والظلال، ويقدم له بعض الأدلة والأحكام.
32 -
كان سيد يعيش جوا إسلاميا قبل الشروع في التفسير ويقف بين يدي الله، يتزود الذي يعينه على فهم كلام الله، ولم يكتب في الظلال إلا بعد الصلاة وهو على وضوء، ويقف طويلا أمام السورة أو الدرس ويستحضر معانيه، ثم يشرع في الكتابة.
33 -
كان سيد متبعا للطريقة المثلى في التفسير، التي قررها علماء التفسير: فكان يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالحديث النبوي، ثم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة أصحابه، وأقوال الصحابة، يورد الروايات المأثورة عن السلف الصالح.
34 -
الطرقة التي اتبعها سيد في الظلال في الجدال والنقاش والاستدلال هي طريقة علمية منهجية، مرتبطة بالقواعد والضوابط الإسلامية، في ذلك استدلاله من النصوص وحدها بدون الخضوع لمقررات أو رواسب سابقة. وجداله مع المخالفين بالقرآن وبأدب وعفة لسان.
35 -
نظرا لخطورة المسائل التي طرحها والموضوعات التي بينها والقضايا التي عالجها، ولما لها من حساسية خاصة باعتبارها مشكلات وقضايا معاصرة، فقد كان حريصا على إيراد الأدلة لما يقول في الظلال وتقريرها من مختلف الجوانب، وتكرار الحديث عن تلك القضايا والمسائل كلما وجد الفرصة مناسبة والارتباط قائما.
36 -
بعض الوقفات في الظلال طالت وتشعبت، من خلال عرض سيد للأدلة على القضية التي يتناولها، واستقصائه لأبعادها ومجالاتها .. مما جعل هذه الوقفات تصلح أن تعتبر تفسيرا موضوعيا" للقرآن وتصنف ضمن التفسير الموضوعي وذلك مثل حقيقة عالم الملائكة، ومظاهر النقاء والخلخلة في المجتمع الإسلامي، والجهاد وغير ذلك.
37 -
استخدم سيد في الظلال ثقافته الشاملة المتعددة الجوانب، والمختلفة الموضوعات كوسيلة للتفسير، واستفاد منها في إبراز بعض الحقائق وإجراء بعض التحليلات كما فعل مع تحليلاته الصائبة لنفسيات بعض النماذج الإنسانية في القرآن، وبيان البواعث لها على تصرفاتها.
38 -
تمتع سيد بروحانية صافية، وشفافية رائعة، وهو يكتب الظلال، ويستطيع القارئ أن يلمس ذلك بسهولة، ويصح أن يعتبر الظلال معرضا لتسبيح الله وعبادته وشكره والإنابة إليه.
39 -
يعتبر سيد مجددا في الظلال في الكثير من الموضوعات، ومجتهدا في بعض القضايا والمسائل وبخاصة قضايا الدعوة والحركة، وتركيزه على مسائل التربية والعمل، ووقوفه المطول أمام معاني العقيدة وأثرها، وحديثه المفصل المكرر عن الحاكمية، والجاهلية، والعبادة والعبودية، والألوهية والربوبية، وتأكيده المتكرر على الربط بين الألوهية والحاكمية وعرضه الإسلام بشموله وتناسقه وتكامله وانسجامه ودعوته إلى أخذه كله أو تركه وحديثه عن المعرفة المنشأة للعمل وعن المنهج الإسلامي في معالجة وبحث المشكلات والقضايا الواقعية، ودعوته إلى فقه الحركة وتأجيل البحث في فقه الأوراق وغير ذلك.
40 -
ظهر لنا أن سيد كان له منهج خاص في التفسير، وهو المنهج الحركي في التفسير والذي يعتبر به مؤسسا لمدرسة خاصة في التفسير هي مدرسة التفسير الحركي، وقد تناول سيد القضايا والمسائل من الزاوية التي تهم الدعاة العاملين وهي الزاوية الدعوية الحركية. لقد استخدم سيد مفتاحا سحريا عجيبا في تفسير القرآن، وهو " المفتاح الحركي" الذي يبدو أن الله سبحانه وتعالى قد ادخره له، فتناوله سيد وفتح به كنوز القرآن الحركية المذخورة فيه، وعرضها على الناس، واستقبلها الدعاة بترحيب وتفاعل وإعجاب وقد وضع سيد هذا المفتاح الحركي بين يدي القارئ الذي يرغب في الوقوف على مزيد من كنوز القرآن، ودله على طريقة استخدامه بدقة ومنهجية.
هذه – فيما يبدو لنا – أهم المزايا التي توفرت للظلال ولصاحبه، وهناك غيرها مما لم نذكره، وبهذا يظهر لنا أن سيد كان موفقا من الله سبحانه في تأليف الظلال، وكان موفقا في السير فيه وكتابته ويظهر لنا أن الظلال كتاب في التفسير لا يغني عنه سواه من التفاسير القديمة والحديثة على السواء وأنه يمثل نقلة جديدة في التفسير، ويعتبر لونا فريدا أساسيا لا غنى عنه في التفسير وأنه يعتبر تأسيسا لمدرسة جديدة هي مدرسة التفسير الحركي، وقد علم الله صدق نية سيد فكتب لظلاله الانتشار في الأقطار، ويكفي سيد منزلة أنه عاش ظلاله وكتبه من الميدان، ثم مات في سبيل الله بعد أن غذى ظلاله بدمائه، فدبت فيه الحياة.
وأختم هذه المزايا بقول سيد قطب مبينا سر " قوة الكلمة" التي تجعل لها التأثير في الحياة وهو كلام ينطبق على الظلال تماما، مما يعتبر مزية فريدة من مزاياه. " إن السر العجيب ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات، إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء المدلولات. إنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية، والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس. .. إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها وتجمعها وتدفعها إنها الكلمات التي تقطر دماء، لأنها تقتات قلب إنسان حي، كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان .. إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا، ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم. أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق ويقدموا دماءهم فدى لكلمة الحق. إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء.
ويتحدث في موطن آخر من " دراسات إسلامية" عن أثر استشهاد الإمام حسن البنا في قوة دعوته وهو قول ينطبق على الظلال بعد استشهاد صاحبه: " وما كانت ألف خطبة وخطبة، ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان، كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق .. إن كلماتنا تبقى عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتب لها الحياة .. "
لقد كان كلام سيد في الظلال نورا مستمدا من أنوار القرآن، وكانت دماؤه من دماء شهيد، فجاء الظلال، كما يقول الدكتور عدنان زرزور – نورا على نور. وفي هذا المعنى سمعت أستاذنا الدكتور أحمد فرحات يقول عن الظلال: وغيره من كتب سيد " إن كل ما كتبه سيد قطب سيبقى خالدا على التاريخ، لأنه كتبه مرتين: مرة بمداد العالم، ومرة بدم الشهيد!! .. "
وإذا كان لنا من رأي نبديه أو توصية نسجلها، فهو أن يعتمد الظلال في مناهج الدراسات القرآنية في التفسير وعلوم القرآن في الجامعات الإسلامية. وفي كليات الشريعة، وفي أقسام الثقافة الإسلامية وأن يكون مرجعا أساسياً لمادة التفسير، ليقبل عليه الطلاب ويتعرفوا على المفتاح الحركي للقرآن. وإذا كان لنا أن نحذر من أمر في هذا المجال فهو التحذير من بعض الكتيبات التي تقذفها دور النشر، فتبدو كأنها كتب خاصة ألفها سيد كما في كتب " تفسير آيات الربا" و " تفسير سورة الشورى" التي نشرتها دور النشر وأعادت نشرها دار الشروق – المعتمدة من قبل ورثة الشهيد لنشر كتبه – وكما في كتيبات " إلى المتثاقلين عن الجهاد" و " رسالة الصلاة" و " إسلام أو لا إسلام". هذا ونشير إلى وجوب إعداد الفهارس الشاملة للظلال، التي تسهل للباحث والدارس ما يريده من الظلال بسرعة وسهولة ويسر، وإن الفهارس التي ظهرت حتى الآن – فهرس الأستاذ محمد علي قطب وفهرس الأستاذ محمد يوسف عباس وفهرس شباب جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت – ليست شاملة متكاملة. وسيكون الكتاب القادم – السابع في هذه السلسلة – خاصا بالفهارس الشاملة للظلال، وأرجو الله أن يعينني على إعداده، وأن يوفقني إلى الصواب فيه وتقديمه للدارسين والباحثين. وأخيراً – وقبل أن أضع القلم – أتوجه بالشكر والحمد إلى الله سبحانه، والثناء عليه حيث وفق وأعان على إتمام هذا الكتاب، وأساله أن يتقبله مني قبولا حسناً، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة وأعوذ بالله من فتنة القول والعمل.
والحمد لله أولا وأخيرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.