الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التيار الإسلامي في الخليج العربي – دراسة تاريخية
المؤلف/ المشرف:
هاشم عبدالرزاق صالح
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الانتشار العربي – بيروت ̈الأولى
سنة الطبع:
2010م
تصنيف رئيس:
تاريخ
تصنيف فرعي:
خليج عربي
الخاتمة:
إن العودة بالإسلام إلى نقائه الأصيل، وتجديد الدعوة الإسلامية، ومحاربة الجهل والتخلف والجمود الفكري، كانت من أبرز الأهداف التي سعى المصلحون الإسلاميون والحركات الإسلامية الحديثة للوصول إليها. ولاسيما بعد أن أصبح العالم الإسلامي مستهدفاً من الغرب الأوروبي، لإضعاف الإسلام في نفوس المسلمين، وتشكيكهم بعقيدتهم ثم إحكام السيطرة على اقتصاده، واستخدامه سوقاً لمنتجاته من خلال الهجوم الصريح على أقطاره، الذي ابتدأ بالاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، إلى السيطرة البريطانية – الفرنسية الكاملة على الوطن العربي، خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، إلى إلغاء الخلافة عام 1924. وفي المقابل فإن عجز الأنظمة السياسية العربية الإسلامية عن إنجاز التنمية المطلوبة أو صيانة الاستقلال الوطني، أو تحقيق العدالة الاجتماعية فضلاً عن قيام تلك الأنظمة بتوظيف الدين الإسلامي لشرعنة ومباركات حالات الاستبداد والتخلف والتبعية والتجزئة بما يشوه المضامين الأصيلة للإسلام. هذه العوامل وغيرها كانت الدافع والضاغط لظهور إرهاصات الفكر الحركي الإسلامي، والتي شكلت تياراً إسلامياً نشطاً على امتداد الساحة العربية والإسلامية، ومنها منطقة الخليج العربي.
يمثل الإسلام حجر الزاوية في بناء المجتمع والهيكل السياسي لأقطار الخليج العربي، التي تتميز عموماً بتعلقها بالقيم الدينية والحضارية الإسلامية الأصيلة. والإسلام في الوقت نفسه يمثل الإطار النظري الإيديولوجي للتنظيمات الإسلامية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي في بدايات القرن العشرين.
فقد شهد المجتمع الخليجي مظاهر النمو في الوعي الإسلامي، نتيجة تفاعل عوامل عديدة محلية وعربية، منها الزيارات التي قام بها مفكرون ومصلحون إسلاميون إلى منطقة الخليج العربي، والرحلات التي كان يقوم بها أبناء الخليج إلى بعض مراكز النهضة الفكرية العربية، سواء بقصد التجارة أو لطلب العلم، ثم دور الصحافة العربية والإسلامية على وجه الخصوص، وأثرها في إيقاظ الشعور الديني في نفوس أبناء الخليج العربي. كما أسهمت المدارس والجمعيات التي ظهرت في المنطقة في تعزيز الوعي الإسلامي والإصلاح الاجتماعي. فأثمرت تلك العوامل في إنضاج الوعي الفكري عموماً، والإسلامي بشكل خاص، وتشجيع المصلحين على المطالبة بالإصلاح، وتجديد الفكر الإسلامي والتمسك بأصول الإسلام. وقد تكتل هؤلاء المصلحون في تنظيمات إسلامية محلية، شكلت النواة والقاعدة للحركات والأحزاب الإسلامية التي شهدتها منطقة الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثانية.
ويمكن القول أن التيار الإسلامي في الخليج العربي، الذي برز بشكل واضح في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يكن طارئاً على المجتمع الخليجي. بل كانت له امتدادات وجذور عميقة داخل ذلك المجتمع تكونت من خلال المتغيرات الفكرية والاجتماعية التي برزت على الساحة الخليجية منذ مطلع القرن العشرين. وعلى الرغم من تلك الخصوصية، فقد تأثر التيار الإسلامي الخليجي بشكل كبير بتنظيمات إسلامية رئيسة، وفدت إلى المنطقة من دول إسلامية أخرى، في سنوات الأربعينات وما تلاها، منها تنظيم الإخوان المسلمين الذي تأسس في مصر، وحزب التحرير الإسلامي في الأردن، وجماعة التبليغ في شبه القارة الهندية، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق، والتي ساهمت، إلى جانب التنظيمات الإسلامية المحلية (السنية والشيعية) في تكوين التيار الإسلامي الخليجي، وبلورة نشاطه ومواقعه من تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية، داخل منطقة الخليج العربي وخارجها.
يمكن أن نميز مرحلتين في تاريخ التيار الإسلامي في الخليج العربي، موضوع البحث، امتدت الأولى من بعد الحرب العالمية الثانية، إلى حرب حزيران 1967 مع الكيان الصهيوني. إذ شهدت الساحة الخليجية في هذه المدة تطورات ومتغيرات سياسية واجتماعية وفكرية، تزامنت مع ازدياد العائدات النفطية في المنطقة، وبروز التيار القومي وانتشاره بعد ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 في مصر. في هذه المدة تدثرت التنظيمات الإسلامية في الخليج العربي بدثار النشاط الاجتماعي الديني. واقتصر نشاطها على التوجيه والإرشاد الاجتماعي بأسلوب ديني، بعيداً عن السياسة. أما المدة الزمنية الثانية فجاءت على أثر هزيمة المشروع القومي العربي في حرب حزيران 1967. وما أعقب تلك الهزيمة من فراغ سياسي وفكري كبير كان مقدراً أن تملأه التيارات السياسية الإسلامية باندفاع منقطع النظير. فشهد عقد السبعينات انتشاراً واسعاً لمظاهر الانبعاث الإسلامي والاحتجاج الديني المسيس، في العالم الإسلامي عموماً، ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص. تزامن ذلك مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والغزو الروسي لأفغانستان في العام نفسه. وكانت بعض مظاهر ذلك الانبعاث، أقدام مجموعة سلفية متشددة على اقتحام الحرم المكي والسيطرة عليه كخطوة أولى للسيطرة على الحكم في المملكة العربية السعودية وظهور تنظيمات إسلامية أصولية متأثرة بالثورة الإيرانية. أعلنت عن أهدافها في إقامة مجتمع إسلامي ودولة إسلامية، متخذة من الثورة الإيرانية أنموذجاً لها. بلغت ذروة نشاطها خلال انتفاضة المنطقة الشرقية في المملكة، في تشرين الثاني 1979. فقد شجع انتصار الثورة الإسلامية في إيران تلك التنظيمات التي وجدت في ما حصل في إيران أنموذجاً يمكن تحقيقه بوساطة الثورة التي تستند إلى الإسلام. فشهدت بعض أقطار الخليج العربي، مثل الكويت والبحرين، محاولات لاغتيال مسؤولين في الدولة، وعمليات تخريبية، ومواجهات مع القوى الأمنية، في إطار محاولات، كتب لها الفشل، لإقامة الدولة الإسلامية.
واستناداً إلى ذلك، اتهمت التنظيمات الإسلامية (الشيعية) المتأثرة كثيراً بإيران، بضعف ولائها الوطني. لكن يمكن القول أنه على الرغم من محاولات التنظيمات الدينية الإيرانية إقامة امتدادات لها في منطقة الخليج العربي، أو على الأقل التأثير في توجهات شيعة المنطقة، إلا أن التيار الإسلامي الشيعي حاول الحفاظ على الهوية الوطنية الخليجية في معظم مواقفه.
وإبان (السبعينيات والثمانينيات)، تبلور التيار الإسلامي السياسي في الخليج العربي. وبرزت على الساحة الخليجية تنظيمات إسلامية مسلحة بنظرة شمولية للأحداث، وعمل سياسي – اجتماعي منظم من خلال السيطرة على المؤسسات النقابية، وجمعيات النفع العام، كانت حكراً على القوميين والليبراليين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي حاولت استيعاب بعض التنظيمات الإسلامية، لإبقائها قوة مواجهة التيار الديمقراطي والليبرالي الذي يسود التوتر علاقته بالإسلاميين، والذي وصل أقصى مداه فيما سمي بـ (معركة الاختلاط) في الكويت مطلع السبعينات. مع ذلك ظلت العلاقة بين التيار الإسلامي والأنظمة السياسية في الخليج العربي بين مد وجزر في أغلب الأحيان.
تفاعل التيار الإسلامي في الخليج العربي، مع الكثير من القضايا الداخلية والخارجية، التي عبر من خلالها عن موقفه ونظرته من تطورات الأحداث، وتأكيده على التمسك بالإسلام وتعاليمه في معالجة تلك القضايا، مثل موقفه من إصلاح المجتمع ومسألة الشورى والديمقراطية، وبعض قضايا المرأة. كما احتلت بعض قضايا العالم الإسلامي حيزاً بارزاً من اهتمامات التيار الإسلامي ورموزه في الخليج العربي، كالقضية الفلسطينية، والغزو الروسي لأفغانستان عام 1979، والحرب العراقية – الإيرانية 1980 - 1988. وأخيراً حرب الخليج الثانية 1990 - 1991.
شكلت حرب الخليج الثانية، الناتجة عن ضم العراق للكويت في 2 آب 1990، محطة أساسية أمام جميع القوى السياسية في منطقة الخليج العربي، بما فيها التيار الإسلامي. فمع انتهاء الحرب ضد الشيوعيين في أفغانستان، التي عدت أحد ميادين الانتعاش الديني للتيار الإسلامي السلفي في الخليج، برزت حالة من الفراغ الجهادي، أعقبها أحداث حرب الخليج الثانية، وانقسام التيار الإسلامي في الخليج العربي، وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية، إلى تيار فقهي رسمي تمثله المؤسسة الدينية الرسمية وتيار إصلاحي دعوي طالب بالعودة إلى جذور المذهب السلفي، في مقابل ما عده انحرافاً في مسيرة المؤسسة الدينية الرسمية عن الخط الذي رسمه الإمام محمد بن عبد الوهاب. ولاسيما بعد الموافقة الرسمية التي منحتها المؤسسة الدينية للقرار الحكومي بالاستعانة بقوات أجنبية في مواجهة النظام العراقي آنذاك. وقد خرج هذا التيار ممن عرفوا بمشايخ الصحوة، أو الصحويين، وهو يتسم بقدر كبير من الحركة والتأثير الاجتماعي. ويمتلك الجرأة في طرح أفكاره ومواقفه من الواقع السياسي والاجتماعي والديني. تمثل ذلك في انتشار ظاهرة أشرطة الكاسيت والمناظرات والمحاضرات التي تنتقد سياسة الدولة الداخلية والخارجية. ثم في تقديمه ما سمي بـ (مذكرة النصيحة) للملك فهد بن عبد العزيز، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي عدها البعض مشروعاً لإصلاح الدولة السعودية على أسس دينية. وهذا ما حاولت الدراسة الكشف عنه وتوضيح أبعاده، اعتماداً على الوقائع التاريخية التي تبين دور التيار الإسلامي، بتنظيماته ورموزه كافة، في منطقة الخليج العربي، وتأثيره في المجتمع، بوصفه من أكبر التيارات الفكرية وأقواها في الساحة الخليجية.