الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولحرماتهم- إذا انتهكت- أعظم ممّا يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، سيّما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة الله فان، وكشف الكربات وقضاء الحاجات، وأنّهم الباب بين الله وبين عباده، فإنّك ترى الواحد منهم يفرح ويسرّ ويحنّ قلبه، أمّا إذا ذكر الله وحده وجرّدت توحيده لحقته وحشة وضيق حرج ورماك بنقص الإلهيّة الّتي له، وربّما عاداك «1» .
وقال الشّيخ ابن باز- مدّ الله في عمره-: إنّ دعاء غير الله من الأموات والأشجار والأصنام وغيرها شرك بالله عز وجل ينافي العبادة الّتي خلق الله الثّقلين من أجلها، وأرسل الرّسل وأنزل الكتب لبيانها والدّعوة إليها وهذا هو معنى «لا إله إلّا الله» أي لا معبود بحقّ إلّا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله، وتثبتها لله، وهذا هو أصل الدّين الأوّل، أمّا الأصل الثّاني فهو أنّه لا يعبد إلّا بشريعة نبيّه ورسوله محمّد صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى شهادة أنّ لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم، أو دعا الأصنام أو الأشجار أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات أو استغاث بهم فقد اتّخذهم أربابا من دون الله، وجعلهم أندادا لله، وهذا يناقض أصل الإيمان وينافي معنى الشّهادتين، كما أنّ من ابتدع في الدّين شيئا لم يأذن به الله لم يحقّق معنى شهادة أنّ محمّدا رسول الله. وكلّ عمل مبتدع لم يأذن به الله يكون يوم القيامة هباء منثورا لأنّه لم يوافق شرعه المطهّر «2» .
2- الزيارة البدعية للمقابر:
قال الإمام ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعيّة، وزيارة بدعيّة.
فأمّا الزّيارة الشّرعيّة فمقصودها الدّعاء للميّت، كما أنّ الصّلاة عليه دعاء له، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دفن الرّجل من أمّته يقوم على قبره ويقول:«سلوا الله له التّثبيت فإنّه الآن يسأل» «3» . وكان صلى الله عليه وسلم يزور قبور أهل البقيع والشّهداء بأحد، ويعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم:«السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله تعالى بكم لا حقون، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم» «4» .
أمّا الزّيارة البدعيّة فهي الّتي يقصد بها أن يطلب من الميّت الحوائج، أو يطلب منه الدّعاء (له) والشّفاعة، أو يقصد الدّعاء عند قبره لظنّ القاصد أنّ ذلك أجوب للدّعاء. فالزّيارة على هذه الوجوه كلّها
(1) مدارج السالكين 1/ 370- 371 (بتصرف واختصار) .
(2)
إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدّق الكهنة والعرّافين للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ص 14.
(3)
رواه أبو داود ج 3 ص 215 حديث رقم (3221) عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه ونصّه عنده «استغفروا لأخيكم وسلوا له التّثبيت فإنه الآن يسأل» .
(4)
رواه مسلم عن بريدة، وبعضه عن عائشة، انظر صحيح مسلم 2/ 671، حديث رقم (974- 975) .
مبتدعة لم يشرعها النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصّحابة لا عند قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهي من جنس الشّرك وأسباب الشّرك. ولو قصد الصّلاة عند قبور الأنبياء والصّالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدّعاء عندهم- مثل أن يتّخذ قبورهم مساجد- لكان ذلك محرّما منهيّا عنه، ولكان صاحبه متعرّضا لغضب الله ولعنته، كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:«اشتدّ غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «1» ، وقال:«قاتل الله اليهود والنّصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما صنعوا. وقال: «إنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون القبور مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد فإنّي أنهاكم عن ذلك» .
فإذا كان هذا محرّما وهو سبب لسخط الرّبّ ولعنته فكيف بمن يقصد دعاء الميّت والدّعاء عنده، وبه، واعتقد أنّ ذلك من أسباب إجابة الدّعوات ونيل الطّلبات وقضاء الحاجات!؟
وهذا كان أوّل أسباب الشّرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في النّاس، قال ابن عبّاس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلّهم على الإسلام ثمّ ظهر الشّرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم «2» .
ويقول ابن القيّم عن هذا المظهر من مظاهر الشّرك (أي طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتّوجّه إليهم) : وهذا أصل شرك العالم، فإنّ الميّت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا، فضلا عمّن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها. والميّت محتاج إلى من يدعو له، ويترّحّم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين «أن نترحّم عليهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة» فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، واستقضاء الحوائج، والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد «3» .
وقال الشّيخ ابن باز: إنّ هذا النّوع من دعاء الأموات كقول القائل: بحقّ الله رجال الله أعينونا بعون الله، وكونوا عوننا بالله، وكقولهم: يا أقطاب، يا أوتاد، يا أسياد، يا ذوي الأمداد فينا واشفعوا لله، هذا عبدكم واقف، وعلى بابكم عاكف.
إنّ هذا ونحوه من الشّرك الأكبر وهو من جنس عمل المشركين الأوّلين مع آلهتهم كالعزّى واللّات وغيرهما، ويلحق ذلك ويتبعه الاستغاثة والاستعانة بمن يعتقد فيهم الولاية من الأحياء فيما لا يقدر عليه إلّا الله عز وجل كشفاء المرضى وهداية القلوب، ودخول الجنّة والنّجاة من النّار وأشباه ذلك، لأنّ ذلك عبادة لغير الله وطلب لأمور لا يقدر عليها سواه من الأموات والغائبين، وذلك أقبح من شرك الأوّلين، لأنّ الأوّلين إنّما يشركون في حال الرّخاء، وأمّا في حال الشّدائد فيخلصون لله العبادة لأنّهم يعلمون أنّه سبحانه هو القادر على تخليصهم من الشّدّة دون غيره، فإن قال قائل من هؤلاء المشركين المتأخّرين: إنّا
(1) رواه مالك في الموطأ 1/ 172 عن عطاء بن يسار، وانظر هامش 23 ص 26 من كتاب قاعدة جليلة.
(2)
قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 26، 27.
(3)
مدارج السالكين 1/ 375.