الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفرّط الشّيء وفيه تفريطا: ضيّعه وقدّم العجز فيه، وفرّط في جنب الله، ضيّع ما عنده فلم يعمل، ومنه قوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (الزمر/ 56) وأمره فرط أي متروك، وقوله تعالى:
وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف/ 28) أي متروكا، ترك فيه الطّاعة وغفل عنها.
وقال الطّبريّ في تفسيره: ما فرّطت في جنب الله، معناه فيما تركت من أمر الله، وقال القرطبيّ: قال الحسن: في طاعة الله، وقال الضّحّاك: أي في ذكر الله- عز وجل قال: يعني القرآن والعمل به «1» .
وفي الحديث «ليس في النّوم تفريط، إنّما التّفريط أن لا يصلّى حتّى يدخل وقت الأخرى» وفرّطه تفريطا: مدحه حتّى أفرط في مدحه، مثل قرّظه. وقال الخليل: فرّط الله تعالى عن فلان ما يكره: نحّاه، وأفرط الأمر إذا نسيه، فهو مفرط، أي منسيّ، وبه فسّر مجاهد وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ أي منسيّون «2» .
التفريط والإفراط اصطلاحا:
قال الكفويّ: الإفراط: التّجاوز عن الحدّ ويقابله التّفريط «3» ، ويؤخذ منه أنّ التّفريط: هو التّقصير والوقوف دون الحدّ في الأمور، فإذا كان حدّ الاعتدال في أمر من الأمور هو عشر درجات كان الإفراط تجاوز ذلك إلى إحدى عشرة فما فوقها، وكان التّفريط هو تحصيل تسع فما دونها.
وقيل: التّفريط في الأمر: التّقصير فيه، وتضييعه حتّى يفوت «4» .
التفريط والإفراط مهلكة للفرد والمجتمع:
لقد أمر الإسلام بالتّوسّط في الأمور كلّها، فقال سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة/ 143) والوسطيّة الّتي هي سمة هذه الأمّة يضيّعها أمران: أحدهما: التّقصير الّذي هو التّفريط وما يترتّب عليه من تضييع الحقوق، والتّكاسل عن أداء الواجبات، وينجم عن ذلك تأخّر الأمّة في المجالات الاقتصاديّة من زراعيّة وصناعيّة وتجاريّة وغيرها، وعلى حسب درجة التّفريط يكون اعتماد الأمّة على غيرها، ذلك الاعتماد الّذي يفقدها استقلالها وإرادتها ويجعلها عالة على من يقدّم لها المساعدة.
ثانيهما: الإفراط وهو على العكس من ذلك، يؤدّي إلى الغلوّ والإسراف والتّطرّف في الأمور كلّها، وقد يحسب هؤلاء المفرطون أنّهم يحسنون صنعا، إذ يشدّدون على أنفسهم وعلى غيرهم، ولا يجنون من وراء ذلك إلّا كما يجنيه المنبتّ الّذي يهلك دابّته ولا يصل إلى تحقيق غرضه، وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا عندما قال:«إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق «5» » وقد يحسب هؤلاء المفرطون أنّهم بتسرّعهم وتشدّدهم يقدّمون لأنفسهم ولأمّتهم، وأنّى لهم ذلك وهم
(1) انظر تفسير الطبري (11/ 19) ، تفسير القرطبي (15/ 176) .
(2)
التاج (10/ 361، 362، 363) .
(3)
الكليات للكفوي (155) .
(4)
الصحاح للجوهري (3/ 1148) .
(5)
مسند الإمام أحمد (3/ 199) .
يخالفون صريح ما جاءت به الآيات والأحاديث الّتي تنهى عن التّفريط والإفراط كليهما، وتدعوا إلى التّوسّط والاعتدال؟! وكم من فورة أعقبتها حسرة، وعجلة تبعتها ندامة، والواجب على كلّ مسلم ومسلمة أن ينأى عن التّفريط، وأن يبعد نفسه عن الإفراط حتّى يكون من هؤلاء الّذين قال الله فيهم: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً وليعلم أنّ الفضائل كلّها منوطة بعدم التّفريط والإفراط في الأمور كلّها «1» .
[للاستزادة: انظر صفات: التهاون- الكسل- صغر الهمة- الإهمال- التخلف عن الجهاد- الوهن التخاذل- انتهاك الحرمات- التولي.
وفي ضد ذلك: انظر صفات: التوسط- الاستقامة- علو الهمة- جهاد الأعداء- تعظيم الحرمات- القوة- قوة الإرادة- الشجاعة- العزم والعزيمة- الصبر والمصابرة] .
(1) مثال ذلك أن الشجاعة هي المنزلة الوسط بين الجبن والتهور، والجود وسط بين التقصير والإسراف.