الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلف الغنم (يرعاها على قراريط لأهل مكة)(1) مهنة شاقة تمارس بأجر بخس .. لكن أول شرط لممارستها (الأمانة) .. مهنة البسطاء وقادة الأرض والعظماء .. وهل هناك أعظم على وجه الأرض من نبي .. ومع ذلك (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم)(2) ربما لأن صورة القطيع من الماشية تشبه سير سواد الشعوب في العالم وهم يبحثون عن لقمة العيش .. ومهمة الراعي تتطلب البحث عن أوفر المراعي عشبًا وكلأً وإن لم يكن في هذه المراعي مستراحًا للراعى ورفاهية له .. كما تتطلب تلك المهنة حماية القطيع من أعدائه ومفترسيه .. إن الرعي بقدر ما يولد من القسوة والخشونة في حياة الراعي .. يهب له قلبًا حنونًا عطوفًا على رعيته .. والأنبياء قادة تتوفر فيهم هذه الصفات .. فربما كان لهذه المهنة تأثيرها في ذلك .. ربما.
وبعيدًا عن مهنة الرعي القاسية .. حيث العواطف والغرائز والأحلام .. ماذا عن:
الشباب والنساء
كان الأمين يخالط الشباب ويعيش بينهم .. ويسمع بمغامراتهم في ارتياد كهوف البغاء .. والقصف في الخمارات .. لكنه كان يرتفع عما يسيء إلى اسمه ورجولته .. ولو كان ذلك مما لا تحرمه أعراف قريش .. والأمر عنده لا يتعدى دائرة حديث النفس والأماني لا أكثر .. إنه يتحدث عن تلك الأمور التي خطرت عندما كان يمسك بعصاه يهش بها على غنمه:
(ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء، إلا
(1) حديث صحيح. رواه البخاري بلفظ: (نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).
(2)
حديث صحيح. البخاري.
ليلتين، كلتاهما عصمني الله تعالى منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة -ونحن في رعاية غنم أهلنا- فقلت لصاحبي:
أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر فيها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى. فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير. فقلت:
ما هذا؟ فقيل:
تزوج فلان فلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال:
ما فعلت؟ فقلت:
ما فعلت شيئًا. ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى:
أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة. ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فسألت، فقيل:
فلان نكح فلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال:
ما فعلت؟ قلت:
لا شيء. ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت، ولا عدت بعدها لشيء حتى أكرمني الله بنبوته) (1).
(1) حديثٌ حسنٌ. رواه البيهقي (1/ 315) وابن حبان (زوائده 515) أبو نعيم (186)، من طريق ابن إسحاق، حدثي محمَّد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده علي، وقد قال ابن حجر رحمه الله في هذا الإسناد: إسناده حسن متصل ورجاله ثقات. =