الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنهن بنات أبي بكر .. والدهن شريد طريد، قابع فوق أحد الجبال .. مختبئ بدينه ونبيه- صلى الله عليه وسلم .. وهذه هي أحوال الدعاة بين مهاجر بعيد عن الأهل والمال .. وأسير تفتك به أظافر قريش .. ومطارد لا يدري ماذا تطوى له التلال والدروب. أما قريش فـ:
قريش غاضبة
تفجرت كالشظايا .. في كل مكان .. بين الأودية والشعاب .. بين الجبال والدروب .. تقلب الصخور وتفتح الأبواب وتهز أغصان الأشجار .. وتسأل المسافرين وتستجوب الرعاة .. تتمنى لو تسأل الريح وحبات الرمال .. تبحث عنك يا رسول الله تتمنى لو وقعت في قبضتها {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (1) يقول ابن عباس: (تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق -يريدون النبي-صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: بل اقتلوه.
وقال بعضهم: بل أخرجوه.
فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فبات عليٌّ على فراش النبي-صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي-صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًا -يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري.
= عبادًا حدثه عن جدته أسماء بنت أبى بكر. وهذا الإسناد صحيح: ابن إسحاق صرح بالسماع من شيخه يحيى بن عباد، وشيخه يحيى ثقة، انظر التقريب (2/ 350) والتهذيب (11/ 234) ووالده: عباد، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حج، وهو تابعي ثقة. انظر التقريب (1/ 392) والتهذيب (5/ 98).
(1)
سورة الأنفال.
فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه) (1).
وعن غضب قريش يحدثنا حفيد أبي بكر فيقول:
(إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم حين ظنوا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم خارج، وعلموا أن الله قد جعل له بالمدينة مأوى ومنعة، وبلغهم إسلام الأنصار ومن خرج إليهم من المهاجرين، فأجمعوا أمرهم على أن يأخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإما أن يقتلوه، وإما أن يسجنوه، وإما أن يخرجوه، وإما أن يوثقوه، فأخبره الله عز وجل بمكرهم فقال تعالى {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (2).
وبلغه ذلك اليوم الذي أتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أبي بكر أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه، وخرج من تحت الليل هو وأبو بكر قِبَل الغار بثور، وهو الغار الذي ذكره الله عز وجل في القرآن، وعمد علي بن أبي طالب فرقد على فراشه، يواري عنه العيون) (3). وقد وصل المشركون ورسول
(1) رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس: قال ابن كثير: هذا إسناد حسن، وليس كما قال رحمه الله، ففي الإسناد: عثمان الجزري، وحديثه حسن بالشواهد فيحتاج إلى شاهد .. وهذا الشاهد جاء عن الحسن البصري مرسلًا ذكره ابن كثير في سيرته (2/ 239)، أما ذكر الحمامتين اللتين باضتا على فم الغار فلم أعثر له على سند قوي.
(2)
سورة الأنفال: الآية30.
(3)
إسناد مرسل ويشهد له ما سبق، ويرفعه إلى درجة الحسن. انظر دلائل النبوة للبيهقي (2/ 465)، وانظر كذلك مغازي عروة للعلامة الأعظمى (128).
الله- صلى الله عليه وسلم نائم على فراشه وكانوا ينتظرون خروجه .. وللتأكد كانوا يرمونه بالحجارة فلا يتحرك .. ثم أمر- صلى الله عليه وسلم عليًا أن يرقد في فراشه فكانت هذه القصة التي يرويها ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عم علي رضي الله عنهم حيث يقول:
(شرى عليٌّ نفسه، ولبس ثوب النبي- صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسه بردة، وكانت قريش، تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعلوا يرمون عليًا ويرونه النبي-صلى الله عليه وسلم وقد لبس برده، وجعل علي رضي الله عنه يتضور، -فنظروا- فإذا هو علي فقالوا:
إنك للئيم، إنك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور، ولقد استنكرناه منك) (1)(فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم أنه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنه خرج، فركبوا في كل وجه يطلبونه، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم، ويُجعلون لهم الجُعل العظيم (2). وأتوا على ثور الذي فيه الغار، الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، حتى طلعوا فوقه، وسمع النبي-صلى الله عليه وسلم أصواتهم، فأشفق (3) أبو بكر عند ذلك، أقبل على الهم والخوف، فعند ذلك قال له النبي-صلى الله عليه وسلم:
(1) سنده حسن. رواه الحاكم (3/ 4) وأبو داود الطيالسى وأحمدُ (23/ 118) كلهم من طريق أبي عوانه عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس واسم أبي عوانة: الوضاح وهو ثقة ثبت التقريب (2/ 331) وشيخه حسن الحديث فهو صدوق ربما أخطأ وليس هناك من لا يخطىء، التقريب (2/ 402) وهو تابعي صغير، أما عمرو بن ميمون فهو ثقة مخضرم مشهور. التقريب (2/ 80) وقد مر معنا قبل قليل.
(2)
أي جائزة عظيمة مقابل ذلك.
(3)
أي خاف، ومعروف خوف أبي بكر وأنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا وأخيرًا كما مر معنا.