الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من معركة ضاع فيها الشرف وسالت فيها الدماء .. وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أكثر الناس تبسمًا .. وأكثر الناس تطيبًا .. وأزكى الناس رائحة .. كأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل إن الله جميل يحب الجمال.
وهناك من يعامل اليهود والنصارى وغيرهم وكأنهم علماء متبحرون في دينهم .. كأنهم يتعمدون الكفر .. وكأن المسلم غير ملزم بدعوتهم قبل بغضهم واضطرارهم إلى أضيق الدروب. ويغفل هؤلاء -وهم في غمرة حماسهم- ويتناسون:
ما حدث لركانة
مشرك قوي البنية .. لم يتمكن أحد من طرحه على الأرض .. ويبدو أنه قد تميز عن أهل عصره بتلك البنية البدنية الجبارة .. هذا الرجل يرى في جسده كل ثروته وشهرته .. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يرى في تلك العضلات المنحوتة بالنشاط أبوابًا إلى عقل ركانة وروحه .. فلا بأس من طرقها لعل الله أن يهديه للإسلام .. فيقرر صلى الله عليه وسلم ممارسة لهو مباح مع هذا المشرك .. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن ما قام به صلى الله عليه وسلم ليس من اللهو .. فماذا فعل صلى الله عليه وسلم مع ابن ركانة؟ لقد (جاء يزيد بن ركانة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثلثمائة من الغنم فقال: يا محمَّد، هل لك أن تصارعني؟ قال صلى الله عليه وسلم: وما تجعل لي إن صرعتك؟ قال: مائة من الغنم، فصارعه، فصرعه، ثم قال: هل لك في العود؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وما تجعل لي؟ قال: مائة أخرى، فصارعه، فصرعه، وذكر الثالثة، فقال: يا محمَّد، ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقام عنه ورد عليه غنمه)(1).
(1) رواه الخطيب وصححه الألباني في إرواء الغليل (1501).
هل هناك من يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمارس شيئًا غير اللهو المباح .. هل كان صلى الله عليه وسلم بتلك المصارعة يتدارس معه علمًا .. أدبًا في صلاة .. ؟ بالطبع لا .. لكن من المؤكد الذي لا شك فيه أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدفًا من تلك المصارعة أسمى من غنماته وعضلاته .. كان صلى الله عليه وسلم يسعى لإسلامه .. يفتش داخل هذا الجسد القاسي عن توحيد مكبل ليحرره .. كان صلى الله عليه وسلم يقدم درسًا لأمته يكشف فيه مدى حاجة هؤلاء المشركين إلى التوحيد والإيمان .. وأن هؤلاء المشركين مهما بلغت قسوتهم وطفح طغيانهم مساكين .. غرقى بحاجة إلى من ينتشلهم من قلب الظلمة .. من أجل ذلك قدم صلى الله عليه وسلم درسًا يبيح فيه الخوض في أبعاد الحلال وأعماقه من أجل إنقاذ إنسان كركانة .. لكن ماذا يقول المرء وهناك من يتناسى-باسم الإِسلام- فعله صلى الله عليه وسلم ولهوه مع ركانة وهو ليس بمسلم .. ماذا يقول المرء .. وهناك من يرى أن اللين لا يجوز إلا مع الملتزمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن اللين الشدة والغلظة وعدم السلام أشياء مطلوبة مع من لا يظنهم كذلك.
ويصنف الناس وينسى أثناء تصنيفه ما هو أهم .. ينسى أخوة الإِسلام ويحاول التملص من واجبات تلك الأخوة .. إنها ميول مغلفة بطابع ديني .. وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرر شهوته من خلال الدين .. لقد كان صلى الله عليه وسلم يرسم يطبق شرعًا في التعامل والقيادة .. لقد كان سمحًا مبتسمًا .. لا ينتقم لنفسه أبدًا .. ولا يرصد الأخطاء على من ظلموه ليتشفى .. بل كان يتسامح .. كان يصل هؤلاء المشركين ويعرف حق القرابة والرحم رغم افتراقه عنهم في العقيدة .. لأنه مكلف بتسليمهم رسائل ربهم فردًا فردًا .. ومكلف بالصبر والانتظار حتى ولو تحولت الأرض كلها إلى كفر بالله .. هذا هو الفرق بين هؤلاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم .. هؤلاء يبذلون القليل وينتظرون الكثير ويغضبون إن لم يظفروا بنتائج .. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكدح ويعمل ويبذل ويصبر ولا