الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن أناسًا تعلوهم الغرائز .. وتلوي أعناقهم الشهوات .. فيجهدون في الحصول عليها دون أن يوقفهم نداء ناصح .. أو زجر زاجر .. يبذلون الأموال كالخطوات .. حتى يظفروا بسويعات حمراء وخيمة العواقب .. فهل سيوقفهم صوت دف أو مزمار .. لكن محمدًا أوقفته حفلة عرس .. وهدهدته حتى نام .. لأنه مهذب أتعبته هموم العمل والتزام الوظيفة .. تشققت قدماه من صخور الجبال وأدمتها أشواك الصحاري .. فأمسى مكدود البال منهك القوى .. ييحث عن ساعة يتنفس فيها بهجة ومرحًا .. فلاحَ له من حديث رفاقه الشباب ما قد يهب له ذلك .. فلما مر بذلك الزفاف وجد فيه من اللهو البريء ما أزاح ركام الهم عن قلبه ليبقى مشرعًا للسرور والابتهاج .. ولم تكن المرأة بعد ذلك بعيدة عن خياله وأحاسيسه .. وكان -كأي شاب سوي- بحاجة إلى فتاة تملأ بيته وحياته بالحب والعفاف وتمسح عن جبينه همومًا تقذف بها يوميات مكة المتعبة .. لكنه لم يجد فتاة بل وجد:
خديجة
بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي .. امرأة ذات نسب وجمال .. ولها من المال شيء وفير .. سمعت عن محمَّد بن عبد الله فشدها
= وقال الهيثمي (9/ 226): رواه البزار، ورجاله ثقات. ولكن يلاحظ أن أحد رجال هذا السند، هو محمَّد بن عبد الله بن قيس، وهو وإن كان من رجال الشيخين، إلا أن الحافظ قال عنه: مقبول في التقريب (2/ 79) وهذا القول يجعل حديثه مقبولًا إذا توبع أو كان له شاهد يقويه، وللحديث شاهد ذكره الإمام الذهبي في سيرته (41) من طريق مسعر بن كدام عن العباس بن ذريح عن زياد النخعي، حدثنا عمار بن ياسر. وعلة هذا السند جهالة حال زياد النخعي، فقد سكت عنه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل 3/ 536) ولم يعرفه الدارقطني. انظر المغني (2/ 243)
ما سمعت
…
أمانة ورجولة واتزان .. فتمنته زوجًا رغم كبر سنها بالنسبة إليه .. ورغم زواجها من قبل .. وتم لها ما أرادت .. لكن أباها كان عقبة تحاول إعثار هذا الزواج .. لكن حب خديجة وذكاءها كانا أكبر من تخريفات عجوز لا يدري ما يخرج من رأسه .. لقد ملك عليها محمَّد شغاف قلبها .. فأعدت لوالدها حلًا لا ثاني له.
يقول ابن عباس رضي الله عنه:
(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة -وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعامًا وشرابًا، فدعت أباها وزمرًا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة لأبيها: إن محمَّد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه. فزوجها إياه. فخلقته، وألبسته حلة -وكذلك كانوا يفعلون بالآباء- فلما سرى عنه سكره، نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة، فقال:
ما شأني هذا؟ قالت خديجة:
زوجتني محمَّد بن عبد الله. قال:
أُزَوِّج يتيم أبي طالب؟ لا لعمري، فقالت:
أما تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضي) (1) وأذعن للأمر الواقع. أما محمَّد صلى الله عليه وسلم فلم
(1) رواه الإمام أحمد بسند قوى (الفتح الرباني (20/ 197)، من طريق أبي كامل، حدثنا حماد ابن سلمة عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس. وهذا الإسناد قوى، فأبو كامل شيخ أحمد واسمه مظفر بن مدرك الخراساني، ثقة، انظر التهذيب (10/ 183) والتقريب (2/ 255)، وأما عمار فحديثه حسن، انظر التقريب (1/ 48) وأما حماد بن سلمة فمعروف. وهذا هو الخبر القوى الذي استطعت الوصول إليه عن كيفية الزواج، فقد وردت أحاديث كثيرة وضعيفة، تذكر أن خديجة كان عمرها في الأربعن وهو في =