الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وأبو ذر كذلك .. ولما سأل علي ضيفه سؤالًا عاديًا .. كان الجواب غير عادي .. لقد سأله علي رضي الله عنه فقال: (ألا تحدثني ما الذي أقدمك. قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلت. ففعل، فأخبره)(1).
إن على الكلمات رقيبًا .. وما لم تثق بمحدثك فإن الكلمات مجازفة بالحياة .. والصمت أسلم .. وبعد أن أسلم أبو ذر .. لم يعطه صلى الله عليه وسلم شيئًا غير الشهادتين .. لم يخبره عمن أسلم حتى أنه كان يقول: (كنت ربع الإِسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع) ومن المعروف أن هناك الكثير ممّن أسلم قبله .. ولم يعده النبي صلى الله عليه وسلم بنصر في الدنيا .. بل إنه لم يتدخل إطلاقًا عندما ضربه كفار قريش وكاد أن يموت بين أيديهم .. لقد أشار عليه صلى الله عليه وسلم بالكتمان وأمره بالرجوع إلى أهله .. لكن حماس أبي ذر طغى فنال من قريش ما نال.
أبو بكر الصديق يناله العذاب أيضًا .. يؤذونه ويشتمونه ويتعرضون له في الطرقات حتى أصبحت مكة أضيق من موضع قدميه .. عندها قرر الهجرة إلى أرض يجد فيها شمسًا وهواء وعبادة .. بعيدًا عن أرجاس الطغاة وسياطهم ..
أبو بكر يهاجر
تقول عائشة بنت الصديق أبي بكر رضي الله عنهم: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين .. ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار .. بكرة وعشية .. فلما ابتلي المسلمون .. خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد .. لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال:
(1) جزء من حديث صحيح. رواه البخاري وهو الحديث السابق مع اختلاف بسيط في الألفاظ.
(أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر:
أخرجى قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يُخرج، ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا جار لك، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش. فقال لهم: إن أبا بكر لا يُخرج مثله ولا يخرج، أتُخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة:
مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها ، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاءًا، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا:
إنا كنا قد أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك،