الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأساطير المختلفة تنحدر منها البدع .. ينحدر منها العفن فتشوه ذلك النبع وتلك العقيدة التي تركها صلى الله عليه وسلم صافية مثل البيضاء.
إن تلك الغيوم الأسطورية لم تستطع أن تحجب شمس الحقيقة .. فلقد بقيت الأحداث الحقيقية كما هي دون تحريف .. دون مساس .. وكان منها:
طلوع نجم أحمد
هناك رآه بعض المنتظرين بشوق .. هناك في يثرب حيث يرقد عبد الله تحت أطباق الثرى .. وقف رجل يتأمل السماء .. يتأمل النجوم .. كان يهوديًا .. وربما كان فلكيًا .. صرخ الرجل بقومه قائلًا:
(يا معشر اليهود:
فاجتمعوا إليه. قالوا: ويلك مالك؟ قال:
طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة) (1).
كادت تلك الصرخة اليهودية أن تتلاشى بين النجوم .. كادت أن تختفي في سراديب اليهود المظلمة .. لولا وجود طفل في السابعة أو الثامنة من عمره ساقه الله إليه وساقته أقدامه إلى موقع الحدث لينقله لنا بعد أن
(1) حديثٌ حسنٌ، رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير 1/ 213) سماعًا من صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: حدثني من شئت من رجال قومي ممّن لا أهتم عن حسان بن ثابت قال: (إني لغلام يفعه ابن سبع سنين أو ثمان أعقل ما رأيت وسمعت إذا بيهودي في يثرب يصرخ ذات غدات
…
) وهذا الإسناد قابل للتحسين، فصالح ويحيى ثقتان، وابن إسحاق لم يدلس، والتابعرن لم يتهموا وربما كانوا صحابة وللحديث شواهد تقويه منها ما رواه ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة لكن ابن إسحاق عنعن ومنها ما بعده وغيره أيضًا.
كبر وشاخ .. ذلك الغلام هو مبدع الإِسلام وشاعره العظيم حسان بن ثابت .. إذًا فاليهود كان لديهم علم بمخرج نبي .. وكانوا يعرفون تاريخ مولده مقرونًا بحدث فلكي يظهر في السماء.
ولم يكن هذا اليهودي هو الوحيد الذي رأى هذا النجم .. ففي مكة رجل حيران .. يقال له: زيد بن عمرو بن نفيل .. كان يحدق في الأصنام يتأملها وهي منصوبة فوق بيت الله .. فلا تزيده الأيام إلا اقتناعًا بتفاهتها وتخلف عقول أتباعها وعابديها .. إنها في نظره لا تعدو كونها حجارة صماء بكماء خرساء لا تقدم ولا تؤخر .. ضاقت بها مكة وضاق زيد بها .. فبحث له عن فسحة بين الفيافي والبطاح .. يتنفس فيها الحرية والتوحيد .. يبحث عن الحقيقة .. يفتش عنها أديرة العباد وصوامع الرهبان .. يسأل ويسأل ولا يكف عن السؤال
…
حتى قذف به الطريق بين يدي حبر من أهل الشام .. فأمره بالعودة إلى مكة وقال: (قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع وصدقه واتبعه)(1).
وهذا زيد بن ثابت يحدثنا فيقول:
(كان أحبار يهود بني قريظة والنضير يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي، وأنه لا نبي بعده، واسمه أحمد،
(1) إسناده حسن، رواه محمَّد بن حبان وأبو نعيم (سيرة ابن كثير 1/ 212)، قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد عن محمَّد عن عمرو عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد، عن زيد بن عمرو قال: قال لي حبر من أحبار الشام:
…
وهذا الإسناد صحيح، وهب بن بقية ثقة. انظر التهذيب (11/ 159) وخالد هو ابن عبد الله الطحان وهو ثقة. انظر التهذيب أيضًا (3/ 100) ومحمَّد بن عمرو حسن الحديث، ويحيى تابعي ثقة وللحديث شاهد عن البيهقي في الدلائل (1/ 91) بسند جيد.