الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإنِ انْتَقَلَ أَحَدُ الْكِتَابِيَّينِ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيهِ، فَهُوَ كَرِدَّتِهِ.
ــ
3227 - مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ أحدُ الكتابِيَّيْنِ إلى دِينٍ لَا يُقَرُّ عليه، فهو كَرِدَّتِهِ)
إذا انْتَقَلَ الكتابِيُّ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكِتابِ (1) مِنَ الكُفْرِ، لم يُقَرَّ عليه. لا نَعْلَمُ في هذا خلافًا؛ لأنَّه إنِ (2) انْتقلَ إلى دِينٍ لا يُقَرُّ أهلُه بالجِزْيَةِ، كعبادةِ الأوْثانِ وغيرِها مما يسْتَحْسِنُه، فالأصْلِيُّ (3) مِنْهم لا يُقَرُّ على دينِه، فالْمُنْتَقِلُ إليه أوْلَى، وإنِ انْتقَلَ إلى المَجوسِيَّةِ، لم يُقَرَّ أيضًا؛ لأنَّه انْتقَل إلى دينٍ أنْقَصَ مِن دينِه، فلمْ يُقَرَّ عليه، كالمسْلمِ إذا ارْتَدَّ. فأمَّا إنِ انْتَقَلَ إلى دينٍ آخرَ مِن دينِ أهلِ الكتابِ، كاليهودِيِّ يَتَنَصَّرُ، ففيه رِوايتان؛ إحدَاهما، لا يُقَرُّ أيضًا؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دينٍ باطلٍ، قد أَقَرَّ بِبُطْلَانِه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُرْتَدِّ. والثانيةُ، يُقَرُّ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ (4) الخلالِ وصاحبِه، وقولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَخرُجُ عن دينِ أهلِ الكتابِ، فأشْبَهَ غيرَ المُنْتَقِلِ.
(1) سقط من: الأصل.
(2)
سقط من: م.
(3)
في الأصل: «فالأصل» .
(4)
في م: «واختاره» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايتَين. فأمَّا المَجوسِيُّ إذا انْتَقَل إلى دينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، لم يُقَرَّ، كأهْلِ ذلك الدِّينِ، وإنِ انْتَقَلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، خُرِّج فيه الرِّوايتان. وسواءٌ فيما ذكَرْنا الرجلُ والمرأةُ؛ لعُمومِ قولِه عليه الصلاة والسلام:«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (1). ولعُمُومِ المعْنَى الذي ذكَرْناه فيهما جميعًا.
فصل: وإنِ انْتَقَلَ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، لم يُقْبَلْ منه إلَّا الإِسلامُ، في إحدى الرِّواياتِ عن أحمدَ. اخْتارَه الحلالُ [وصاحِبُه](2). وهو أحدُ أقوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ غيرَ الإِسلامِ أدْيانٌ (3) باطلةٌ، قد أَقَرَّ ببُطْلانِها، فلم يُقَرَّ عليها، كالمُرْتَدِّ. وعنه رِوَايةٌ ثانيةٌ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ أو الدِّينُ (3) الذي كان عليه؛ لأنَّ دِينَه الأوَّلَ قد أقْرَرْناه عليه مرَّةً، ولم يَنْتَقِلْ
(1) أخرجه البخاري، في: باب لا يعذب بعذاب الله، من كتاب الجهاد، وعلقه في: باب قول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ} . . . .، من كتاب الاعتصام. صحيح البخاري 4/ 75، 9/ 138. وأبو داود، في: باب الحكم في من ارتد، من كتاب الحدود. سنن أبي داود 2/ 440. والترمذي، في: باب ما جاء في المرتد، من أبواب الحدود. عارضة الأحوذي 6/ 243. والنسائي، في: باب الحكم في المرتد، من كتاب التحريم. المجتبى 7/ 96. وابن ماجه، في: باب المرتد عن دينه، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه 2/ 848. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 282، 283، 323، 5/ 231.
(2)
سقط من: م.
(3)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى خَيرٍ منه، فنُقِرُّه عليه إن رجَع إليه (1)، ولأنَّه مُنْتَقِلٌ مِن دينٍ يُقَرُّ أهلُه عليه، [فيُقْبَلُ منه الرُّجوعُ إليه، كالمرْتَدِّ إذا رَجَعَ إلى الإِسلامِ. وعن أحمدَ روايةٌ ثالثةٌ، أنَّه يُقْبَلُ منه أحدُ ثلاثةِ أشياءَ، الإِسلامُ، أو الرجوعُ إلى دينِه الأوَّلِ، أو إلى دينٍ يُقَرُّ أهلُه عليه؛ لعُمومِ](2) قولِه تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (3). وظاهرُ هذه الرِّوايةِ، أنَّ الكتابِيَّ إذا انْتَقَلَ إلى المَجُوسِيَّةِ، أُقِرَّ، وقد ذُكرَ في أعْلَى هذه الصَّفْحةِ أنَّه لا يُقَرُّ، ولعلَّه أرادَ بقولِه: إلى دينٍ يُقَرُّ عليه. إذا كان دينَ أهلِ الكتابِ؛ ليكونَ مُوافِقًا لِما ذَكَرَه (4) أوَّلًا. وإنِ انْتَقَلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، وقُلْنا: لا يُقَرُّ. ففيه رِوايتانِ؛ إحداهما، لا يُقْبَلُ منه (5) إلَّا الإِسلامُ. والأُخْرى، لا يُقْبَلُ منه (5) إلَّا الإِسلامُ أو الدِّينُ (5) الذي كان عليه.
فصل: وإن قُلْنا: لا يُقَرُّ. ففي صِفَةِ إجْبارِه رِوايتَان؛ إحْداهما، أنَّه يُقْتَلُ إن لم يَرْجِعْ، رَجُلًا كان أو امرأةً؛ لعُمُومِ الحديثِ، ولأنَّه ذِمِّيٌّ
(1) في م: «عليه» .
(2)
سقط من: م.
(3)
سورة التوبة 29.
(4)
في م: «ذكرناه» .
(5)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نقَض العَهْدَ، فأشْبَهَ ما لو نَقَضَه بتَرْكِ أداءِ الجزْيَةِ، ويُسْتَتابُ في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه يُسْتَرْجَعُ عن دينٍ باطلٍ، أَشْبَهَ المرْتَدَّ. والثاني، لا يُسْتَتابُ؛ لأنَّه كافرٌ أصليٌّ أُبِيحَ قَتْلُه، فأشْبَهَ الحربِيَّ. فعلى هذا، إن بادَر فأسْلَمَ، أو رجَع إلى ما يُقَرُّ عليه، عُصِم دَمُه، وإلَّا قُتِلَ. والرِّوايةُ الثانيةُ، قال أحمدُ: إذا دَخَلَ اليهودِيُّ في النَّصْرانِيَّةِ، ردَدْتُه إلى اليَهودِيَّةِ، ولم أدَعْه فيما انْتَقَلَ إليه. فقِيلَ له: أَتقْتُلُه؟ قال: لا، ولكنْ يُضْرَبُ ويُحْبَسُ، قال: وإذا كان نصرانيًّا أو يهوديًّا؟ قال: وإن كان يهودِيًّا أو نصرانِيًّا فدَخَل في المجوسِيَّةِ، كان أغْلَظَ؛ لأنَّه (1) لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُه، ولا تُنْكَحُ له امرأةٌ، ولا يُتْركُ (2) حتى يُرَدَّ إليها. فقِيلَ له: تَقْتُلُه إذا لم يَرْجِعْ؟ قال: إنَّه لأهْلُ ذلكَ. وهذا نَصٌّ في أنَّ الكتابِيَّ المُنْتَقِلَ إلى دينٍ آخَرَ مِن دينِ أهلِ الكتابِ لا يُقْتَلُ، بل يُكْرَهُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ.
فصل: فإن تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِميَّةً، فانْتَقَلَتْ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، فهي كالمُرْتَدَّةِ؛ لأنَّ غيرَ أهلِ الكتابِ لا يَحِلُّ نِكاحُ نِسائِهم، فإن كان قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ نِكاحُها [في الحالِ](3)، ولا مَهْرَ لها، وإن كان
(1) في الأصل: «لأن» .
(2)
في م: «نتركه» .
(3)
سقط من: م.
فَصْلٌ: وَإنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ،
ــ
بعْدَه، فهل يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ أو يَنْفَسِخُ في الحالِ؟ على رِوايتَين. وكذلك إذا انْتَقَلَتْ إلى دينٍ [لا تُقَرُّ عليه، لأنَّها انْتَقَلَتْ إلى دينٍ](1) باطلٍ، و (2) إلى دينٍ كانتْ تُقِرُّ بِبُطْلَانِه، فأشْبَهَتِ المُسْلِمَةَ إذا تَهَوَّدَتْ أو تَنَصَّرَتْ. واللهُ أعلمُ.
فصل: قال الشيخُ، رحمه الله:(وإنْ أَسْلَمَ كافِرٌ وتحتَه أَكْثَرُ مِن أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، اخْتارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وفارَقَ سَائِرَهُنَّ) وجملةُ ذلك، أنَّ الكافرَ إذا أسْلَمَ ومعه أكثرُ مِن أَرْبَعِ نِسْوةٍ، فأَسْلَمْنَ في عِدَّتِهِنَّ، أو كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، لم يكنْ له إمْساكُهُنَّ كُلِّهِنَّ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه، ولا يَمْلِكُ إمْساكَ أكثرَ مِن أربعٍ، فإذا أحَبَّ ذلك، اخْتارَ أرْبَعًا مِنهنَّ، وفارَقَ سائِرَهُنَّ، سواءٌ تَزَوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ واحدٍ أو عُقُودٍ، وسواءٌ اخْتَارَ الأوائِلَ أو الأواخِرَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ،
(1) سقط من: م.
(2)
في م: «أو» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعيُّ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إنْ كان تَزَوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ جمِيعِهِنَّ، وإن كان في عُقُودٍ، فنِكاحُ الأوائِلِ صحيحٌ، ونِكاحُ ما زادَ على أرْبَعٍ باطلٌ؛ لأنَّ العَقْدَ إذا تناوَلَ أكثرَ مِن أرْبَعٍ، فتَحْرِيمُه مِن طَريقِ الجَمْعِ، فلا يكونُ مُخَيَّرًا فيه بعدَ الإِسلامِ، كما لو تَزَوَّجَتِ المرأةُ زَوْجَينِ في حالِ الكُفْرِ، ثم أَسْلَمُوا. ولَنا، ما رَوَى قَيسُ بنُ الحارثِ، قال: أسْلَمْتُ وتَحْتِي ثَمانِ نِسْوةٍ، فأتَيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكرتُ له ذلك، فقال:«اخْتَرْ مِنْهُنَّ أرْبَعًا» . روَاه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (1). ورَوَى محمدُ بنُ سُوَيدٍ (2) الثَّقَفِيُّ، أنَّ غَيلانَ بنَ سَلَمَةَ أسْلَمَ وتحتَه عَشْرُ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، فأمَرَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يتَخَيَّرَ منهنَّ أرْبَعًا (3). روَاه التِّرْمِذِيُّ. وروَاه
(1) أخرجه أبو داود، في: باب من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان، من كتاب الطلاق. سنن أبي داود 1/ 519. وابن ماجه، في: باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 628.
والحديث لم نجده في المسند، ولم يعزه إليه في: تلخيص الحبير 3/ 169، وحسنه في الإرواء 6/ 295، 296، ولم يعزه إلى الإمام أحمد.
(2)
في م: «يزيد» .
(3)
تقدم تخريجه في 20/ 328.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مالكٌ في «مُوَطَّئِه» ، عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وروَاه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» ، عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالم، عن أبيه، إلَّا أنَّه غيرُ مَحْفُوظٍ، غَلِطَ فيه مَعْمَرٌ، وخالف فيه أصحابَ الزُّهْرِيِّ، كذلك قال الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وغيرُهما. ولأنَّ كُلَّ عددٍ جازَ له ابْتِداءُ العَقْدِ عليه، جاز له إمْساكُه بنِكاحٍ مُطْلَقٍ في حالِ الشِّرْكِ، كما لو تَزَوَّجَهُنَّ بغيرِ شُهُودٍ. وأمَّا إذا تَزَوَّجَتْ زَوْجَين، فنِكاحُ الثاني باطِلٌ؛ لأنَّها ملَّكَتْهُ مِلْكَ غيرِها. وإن جَمَعَتْ بينَهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها لم تُمَلِّكْه جميعَ بُضعِها، ولأنَّ ذلك ليس بشائِعٍ عندَ أحدٍ مِن أهلِ الأدْيانِ، ولأنَّ المرأةَ ليس لها اخْتِيارُ النِّكاحِ وفَسْخُه، بخِلافِ الرَّجُلِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ، أُجْبِرَ عَلَيهِ،
ــ
فصل: ويجِبُ عليه أن يختارَ أربعًا ويُفارِقَ سائِرَهُنَّ، أو يُفارِقَ الجميعَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ قَيسًا وغَيلانَ بالاختيارِ، وأمْرُه يقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ المُسْلِمَ لا يجُوزُ إقْرارُه على أكثرَ مِن أرْبعٍ، فإن أبَى، أُجْبِرَ (1) بالحَبْسِ والتَّعْزِيرِ إلى أن يَخْتارَ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ عليه، يُمْكِنُه إيفاؤُه، وهو مُمْتَنِعٌ منه، فأُجْبِرَ عليه، كإيفاءِ الدَّينِ. وليس للحاكمِ أن يخْتارَ عنه، كما يُطَلِّقُ على المُولِي (2) إذا امْتَنَعَ مِن الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحقَّ ههُنا لغيرِ مُعَيَّنٍ، وإنَّما تَتَعَيَّنُ الزَّوْجاتُ (3) باخْتِيارِه وشَهْوَتِه، وذلك لا
(1) في الأصل: «جبر» .
(2)
في الأصل: «الولى» .
(3)
في الأصل: «للزوجات» .