الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، بِأَنْ لَا تُجِيبَهُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ، أَوْ تُجِيبَهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً، وَعَظَهَا، فَإِنْ أَصَرَّت، هَجَرَهَا في الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ، وَفِى الْكَلَامِ فِيمَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّت، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
ــ
مأْخوذٌ مِنَ النَّشَزِ، وهو الارْتِفاعُ، فكأنَّها ارْتفعَتْ وتعالت عمَّا وَجَب عليها مِن طاعَتِه.
3373 - مسألة: (فمتى ظَهَرتْ منها أماراتُ النُّشُوزِ، بأن لا تُجِيبَه إلى الاسْتِمْتاعِ، أو تُجِيبَه مُتَبَرِّمَة مُتَكَرّهَةً، وَعَظَها، فإن أصَرَّت، هَجَرها في المَضْجَعِ ما شاء، وفى الْكلام ما دونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّت، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ)
متَى ظَهرت مِنَ المرأةِ أماراتُ النُّشوزِ، مثلَ أن تتَثاقَلَ وتُدافِعَ إذا دَعاها، ولا تصيرَ إليه إلَّا بتكَرُّهٍ وَدَمْدَمَةٍ (1)، فإنَّه يَعِظُها، فيُخَوِّفُها اللَّهَ سبحانه، ويَذْكُرُ ما أوْجبَ اللَّهُ له عليها مِن الحقِّ والطَّاعةِ، وما يَلْحَقُها مِن الإِثْمِ بالمُخالَفَةِ
(1) أي: وغضب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمَعْصِيَةِ، وما يَسْقُطُ بذلك مِن النَّفَقةِ والكُسْوَةِ، وما يُباحُ له مِن هَجْرِها وضَرْبِها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَاللَّاتِي تَخَافُون نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} (1). فإن أظْهَرتِ النُّشوزَ، وهو أن تَعْصِيَه، وتَمْتَنِعَ مِن فِراشِه، أو تَخْرُجَ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه، فله أن يهْجُرَها في المضْجَعِ ما شاءَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ} (1). قال ابنُ عبَّاسٍ: لا تُضاجِعْها في فِراشِكَ (2). فأمَّا الهِجْرانُ في الكلامِ، فلا يجوزُ أكَثَرَ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِم أن يَهْجُرَ أخاه فَوقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (3). وظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه ليس له ضَرْبُها في النُّشُوزِ في أوَّلِ مَرَّةٍ. وقد رُوِى عن أحمدَ: إن عَصَتِ المرأةُ زَوْجَها، فله ضَرْبُها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ. فظاهرُ هذا إباحَةُ ضَرْبِها [أوَّلَ مرَّةٍ] (4)؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَاضْرِبُوهُنَّ} . ولأنَّها صَرَّحَت
(1) سورة النساء 34.
(2)
أخرجه ابن أبى حاتم، عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور 2/ 155.
(3)
أخرجه البخارى، في: باب السلام للمعرفة وغير المعرفة، من كتاب الاستئذان. صحيح البخارى 8/ 65. ومسلم، في: باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعى، من كتاب البر. صحيح مسلم 4/ 1984. وأبو داود، في: باب من يهجر أخاه المسلم، من كتاب الأدب. سنن أبى داود 2/ 577. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية الهجر للمسلم، من أبواب البر والصلة. عارضة الأحوذى 8/ 118.
(4)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالمنْعِ فكان له ضَرْبُها، كما لو أصَرَّتْ، ولأَنَّ عُقوباتِ المعاصى لا تَخْتَلِفُ بالتَّكْرارِ وعدَمِه، كالحُدودِ. ووَجْهُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ المقْصودَ زَجْرُها عن المعْصِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ، وما هذا سَبِيلُه يُبْدأُ فيه بالأسْهَلِ فالأسْهَلِ، كمَنْ هُجِمَ مَنْزِلُه فأرادَ إخْراجَه. وأمَّا قولُه:{وَاللَّاتَي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} . الآية. ففيها إضْمارٌ تَقْديرُه: واللَّاتِى تَخَافُون نُشُوزَهُنَّ فعِظُوهنَّ، فإن نَشَزْنَ فاهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ، فإن أصْرَرْنَ فاضْرِبُوهُنَّ، كما قال سبحانه:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} (1). والذي يَدُلُّ على هذا أنَّه رَتَّبَ هذه العُقوباتِ على خَوْفِ النُّشُوزِ، ولا خِلافَ أنَّه لا يَضْرِبُها لخَوْفِ النُّشُوزِ قبلَ إِظْهارِه. وللشافعىِّ قَوْلانِ كهذَيْنِ. فإذا لم تَرْتَدِعْ بالهجْرِ والوَعْظِ، فله ضَرْبُها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَاضْرِبُوهُنَّ} . وقال النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لكُمْ عَلَيْهِنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَدًا تَكْرَهُونه، فإن فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» . روَاه مسلمٌ (2). ومعنى «غيرَ مُبَرِّحٍ» . أي ليس
(1) سورة المائدة 33.
(2)
تقدم تخريجه من حديث جابر الطويل في 8/ 363. ويضاف إليه فيما يخص هذا اللفظ: وأخرجه الترمذى، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالشَّديدِ. قال الخَّلالُ: سألْتُ أحمدَ بنَ يحيى ثَعْلبًا (1) عن قولِه: «ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ» . قال: غير شديدٍ. وعليه أن يَجْتَنِبَ الوَجْهَ والمواضِعَ المَخُوفَةَ، لأَنَّ المقْصودَ التَّأْديبُ لا الإِتْلافُ. وقد روَى أبو داودَ (2)، عن حَكِيمِ بن مُعاوِيةَ القُشَيْرِىِّ، عن أبِيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما حقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنا عليه؟ قال:«أَنْ تُطْعِمَها إِذَا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ، ولَا تُقَبِّحْ، ولَا تَهْجُرْ إلَّا في الْبَيْتِ» . ورَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَمْعَةَ، عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، قال:«لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَه جَلْدَ العبدِ، ثم يُضاجعُها في آخِرِ اليومِ» (3). ولا يَزِيدُ في ضَرْبِها على عشَرَةِ
= في: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، من أبواب الرضاع. عارضة الأحوذى 5/ 111. وابن ماجه، في: باب حق المرأة على الزوج، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 594. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 73.
(1)
سقط من: م. وهو أحمد بن يحيى بن يزيد الشيبانى أبو العباس ثعلب، العلامة المحدث، إمام النحو، صاحب الفصيح والتصانيف، كان ثقة حجة، دينا صالحا، مشهورًا بالحفظ، مات في جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين. سير أعلام النبلاء 14/ 5 - 7.
(2)
في: باب في حق المرأة على زوجها، من كتاب النكاح. سنن أبى داود 1/ 494. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب حق المرأة على الزوج، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 593. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 447، 5/ 3، 5. وصححه في: الإرواء 7/ 98.
(3)
أخرجه البخارى، في: باب ما يكره من ضرب النساء، وقوله: واضربوهن ضربا غير مبرح، من كتاب النكاح. صحيح البخارى 7/ 42. ومسلم، في: باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، من كتاب الجنة. صحيح مسلم 4/ 2191. والترمذى، في: باب ومن سورة الشمس وضحاها، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 12/ 244. وابن ماجه، في: باب ضرب النساء، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 638. والدارمى، في: باب في النهى عن ضرب النساء، من كتاب النكاح. سنن الدارمى 2/ 147. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 17.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أسْواطٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْلِدُ أحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عليه (1).
(1) أخرجه البخارى، في: باب كم التعزير والأدب، من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة. صحيح البخارى 8/ 215. ومسلم، في: باب قدر أسواط التعزير، من كتاب الحدود. صحيح مسلم 3/ 1332، 1333. كما أخرجه أبو داود، في: باب في التعزير، من كتاب الحدود، سنن أبى داود 2/ 476. والترمذى، في: باب ما جاء في التعزير، من أبواب الحدود. عارضة الأحوذى 6/ 249، 250. وابن ماجه، في: باب التعزير، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه 2/ 867. والدارمى، في: باب التعزير في الذنوب، من كتاب الحدود. سنن الدارمى 2/ 176.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وله تأْدِيبُها على تَرْكِ فَرائضِ اللَّهِ تعالى. [وسَأَل إِسْماعِيلُ ابنُ سَعِيدٍ أحمدَ عمَّا يَجوزُ ضَرْبُ المرْأةِ عليه، قال: على فَرائضِ اللَّهِ](1). وقال في الرَّجُلِ له امرأةٌ لا تُصَلِّى: يضْرِبُها ضَرْبًا رَفِيقًا غيرَ مُبَرِّحٍ. وقال علىٌّ في (2) تفْسيرِ قولِه تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (3). قال: عَلِّمُوهُم أدِّبُوهم (4). ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا عَلَّقَ في بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤْدِّبُ أَهَلَهُ» (5). فإن لم تُصَلِّ، فقد قال أحمدُ: أخْشَى أن لا يَحِلَّ للرَّجُلِ أن يُقِيمَ مع امرأةٍ
(1) سقط من: م.
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
سورة التحريم 6.
(4)
أخرجه ابن جرير في: تفسيره 28/ 165.
(5)
أخرجه ابن عدى في: الكامل 4/ 1642.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تصَلِّى، ولا تَغْتَسِلُ مِن الجَنابَةِ، ولا تتَعَلَّمُ القرآنَ. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يَضْرِبُ امْرأتَه: لا يَنْبَغِى لأحَدٍ أن يَسْألَه ولا أبوها، لِمَ ضَرَبْتَها؟ والأَصْلُ في هذا ما روَى الأشْعَثُ، عن عمرَ، أنَّه قال: يا أشْعَثُ، احْفَظْ عنِّى شيئًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«لا تَسْأَلَنَّ رَجُلًا فيما ضَرَب امْرَأَتَه» . روَاه أبو داودَ (1). لأنَّه قد يَضْرِ بُها لأجلِ الفِراشِ، فإن أخْبَرَ بذلك اسْتَحْيا، وإن أخْبرَ بغيرِه كَذَب.
فصل: وإن خافَتِ المرأةُ نُشوزَ زَوْجِها وإعْراضَه عنها، لرَغْبَتِه عنها، لمرَضٍ بها، أو كِبَرٍ، أو دَمامَةٍ، فلا بأْسَ أن تضَعَ عنه بعضَ حُقُوقِها تَسْتَرْضِيه بذلك؛ لقولِه تعالى:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (2) بَيْنَهُمَا صُلْحًا} (3). ورَوَى البُخارِىُّ (4)، عن عائشةَ:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} . قالت: هى المرأةُ تكونُ عندَ الرَّجُلِ، لا يَسْتَكْثِرُ منها، فيُرِيدُ طَلاقَها، ويتزَوَّجُ عليها، تقولُ له: أمْسِكْنِى ولا تُطَلِّقْنِى، ثم تزَوَّجْ غيرِى، فأنتَ في حِلٍّ مِنَ النفقَةِ علىَّ، والقِسْمَةِ لى. وعن عائشةَ، أنَّ
(1) في: باب في ضرب النساء، من كتاب النكاح. سنن أبى داود 1/ 495.
كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ضرب النساء، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 639. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 20. وضعفه في: الإرواء 7/ 98، 99.
(2)
في م: {يُصْلِحَا} . وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى، وما في الأصل قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى عمرو. انظر: السبعة في القراءات، لابن مجاهد 238. وما في الأصل موافق لرواية البخارى.
(3)
سورة النساء 128.
(4)
في: باب {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} من كتاب النكاح. صحيح البخارى 7/ 42.