الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي قَبْضِ الْمَحَاضِرِ مِنْ دِيوَانِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ]
ِ. وَمَنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ يَسْأَلُ، أَيْ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ هَذَا وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ أَيْ يَطْلُبَ مِنْ الْقَاضِي الْمُنْعَزِلِ دِيوَانَهُ وَيَنْظُرَ فِي حَالِ الْمَحْبُوسِينَ وَيَبْعَثَ إلَى السِّجْنِ مَنْ يُحْصِيهِمْ وَيَأْتِيهِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَبْعَثُ رَجُلَيْنِ مِنْ ثِقَاتِهِ وَوَاحِدٌ يَكْفِي وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ فَيَقْبِضَانِ مِنْ الْمَعْزُولِ دِيوَانَهُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَدِيوَانُ الْقَاضِي خَرِيطَتُهُ الَّتِي فِيهَا الصُّكُوكُ وَالْمَحَاضِرُ وَنُصَبُ الْأَوْصِيَاءِ وَالْقِوَامُ فِي الْأَوْقَافِ وَتَقْدِيرُ النَّفَقَاتِ وَمَا يُشَاكِلُهُ.
كَذَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ إذَا قُبِضَ دِيوَانُ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ فَنُسَخُ السِّجِلَّاتِ تُجْمَعُ فِي خَرِيطَةٍ وَالصُّكُوكُ تُجْمَعُ فِي خَرِيطَةٍ وَالْمَحَاضِرُ فِي خَرِيطَةٍ، وَكَذَلِكَ نُصُبُ الْأَوْصِيَاءِ وَنُسْخَةُ قِيَمِ الْأَوْقَاتِ فَيَجْمَعَانِ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فِي خَرِيطَةٍ وَيَسْأَلَانِ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ شَيْئًا فَشَيْئًا لِيَنْكَشِفَ لَهُمَا مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمَا وَمَتَى قُبِضَ ذَلِكَ يَجْمَعَانِ عَلَى ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَيَأْخُذَانِ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يَبْعَثُ أَمِينَيْنِ لِيُسَلِّمَا الدِّيوَانَ إلَى أَمِينَيْ الْمُقَلَّدِ وَسَأَلَ أَمِينَا الْمُقَلَّدِ مِنْ أَمِينَيْ الْمَعْزُولِ شَيْئًا فَشَيْئًا لِيَنْكَشِفَ لَهُمَا مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمَا، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَإِذَا قَبَضَا دِيوَانَهُ يَقْبِضَانِ الْوَدَائِعَ وَأَمْوَالَ الْيَتَامَى أَيْضًا، وَيَكُونُ عِنْدَ الْمُقَلَّدِ وَيَأْخُذَانِ أَسْمَاءَ الْمَحْبُوسِينَ أَيْضًا فَالْقَاضِي إذَا حَبَسَ رَجُلًا بِحَقٍّ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَالسَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَبَسَهُ وَتَارِيخَ الْحَبْسِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ فِي تَذْكِرَتِهِ تَارِيخَ الْحَبْسِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ لَا مِنْ وَقْتِ عَمَلِهِ وَيَسْأَلَانِ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ عَنْ الْمَحْبُوسِينَ وَأَسْبَابِ الْحَبْسِ، وَيَسْأَلُ الْمَحْبُوسِينَ عَنْ أَسْبَابِ الْحَبْسِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خُصُومِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَحْبُوسِينَ جَمَاعَةٌ لَمْ يَحْضُرْ لَهُمْ خَصْمٌ.
وَقَالُوا: حُبِسْنَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ لَا يُطْلِقُهُمْ وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا بِالنِّدَاءِ إنَّا وَجَدْنَا فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا مَحْبُوسِينَ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِنَا فَإِنْ حَضَرَ رَجُلٌ فَصَلَ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهِهَا وَإِلَّا أَطْلَقَهُمْ بِكَفِيلٍ وَتَقْدِيرُ مُدَّةِ النِّدَاءِ وَالْمُدَّةِ الَّتِي يَسَعُ فِيهَا الطَّلَاقُ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي قِيلَ: مَا ذُكِرَ هَهُنَا مِنْ أَخْذِ الْكَفِيلِ قَوْلَهُمْ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَأْخُذُ، قَالَ: الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: يَأْخُذُ الْكَفِيلَ هَهُنَا عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ الصَّحِيحُ أَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ هَهُنَا بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّ الْحَبْسَ (أَنْوَاعٌ) أَحَدُهَا الْحَبْسُ بِالدَّيْنِ وَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ: (الْأَوَّلُ) إذَا قَالَ الْمَحْبُوسُ: حُبِسْتُ بِدَيْنِ فُلَانٍ أَقْرَرْتُ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ، فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَحْبُوسِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَإِنْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ أَعَادَهُ إلَى الْحَبْسِ إذَا طَلَبَ خَصْمُهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ الْمَحْبُوسُ الدَّيْنَ وَقَالَ: إنَّ هَذَا يَدَّعِي عَلَيَّ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ حَبَسَنِي ظُلْمًا، وَخَصْمُهُ يَقُولُ: لِي عَلَيْهِ كَذَا
وَقَدْ حَبَسَهُ بِحَقٍّ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ خَصْمَهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَى، فَإِذَا أَقَامَ وَعَرَفَهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ أَدَامَ حَبْسَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَاحْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ أَخَذَ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُطْلِقُهُ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: أَنَا مَحْبُوسٌ بِدَيْنِ فُلَانٍ فَمُرْهُ يَأْخُذُ مِنِّي كَفِيلًا وَيُطْلِقُنِي؛ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ بِإِحْضَارِ خَصْمِهِ فَإِذَا حَضَرَ وَصَدَّقَ الْمَحْبُوسَ فِي إقْرَارِهِ وَالْقَاضِي يَعْرِفُ الْمُقَرَّ لَهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ وَلَكِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ بِذَلِكَ، وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا الْقَاضِي يَأْمُرُ الْمَحْبُوسَ بِأَدَاءِ الْمَالِ إلَيْهِ وَلَا يُطْلِقُهُ لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا بِالنِّدَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَا فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ آخَرُ أَطْلَقَهُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَصَّافُ أَخْذَ الْكَفِيلِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَذَكَرَهُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا ذَكَرُوا أَخْذَ الْكَفِيلِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِئْ الْمَحْبُوسُ بِالْمَالِ لَكِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: أَنَا أَخْتَارُ الرِّفْقَ وَأُمْهِلُهُ وَأُطْلِقُهُ فَالْقَاضِي لَا يُطْلِقُهُ وَيُحْتَاطُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا، ثُمَّ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ وَإِنْ قَالَ: لَا كَفِيلَ لِي أَوْ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيَّ إعْطَاءُ الْكَفِيلِ إذْ لَيْسَ لِي خَصْمٌ يَطْلُبُ مِنِّي الْكَفِيلَ فَالْقَاضِي يَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ وَلَا يُعَجِّلُ بِإِطْلَاقِهِ حَتَّى يُنَادِيَ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) الْحَبْسُ بِسَبَبِ الْعُقُوبَاتِ الْخَالِصَةِ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ إذَا قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: إنَّمَا حُبِسْتُ لِأَنِّي أَقْرَرْتُ بِالْقِصَاصِ لِفُلَانٍ وَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَصَدَّقَهُ خَصْمُهُ فِيمَا أَقَرَّ وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ فِي الطَّرَفِ. فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ السِّجْنِ وَيُمَكِّنُ خَصْمَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَتَأَنَّى وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ السِّجْنِ أَيْضًا وَيُمَكِّنُ خَصْمَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلَكِنْ لَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ آخَرَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ فَيُوَاضِعُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ فَيُقِرُّ لَهُ بِطَرَفِهِ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ السِّجْنِ فَيُبْطِلُ حَقَّ الْآخَرِ فِي النَّفْسِ.
(الثَّالِثُ) الْحَبْسُ بِسَبَبِ الْعُقُوبَاتِ الْخَالِصَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، نَحْوُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ إذَا قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: إنَّمَا حُبِسْتُ؛ لِأَنِّي أَقْرَرْت بِالزِّنَا عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ فَحَبَسَنِي لِيُقِيمَ عَلَيَّ الْحَدَّ، فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِتِلْكَ الْأَقَارِيرِ فَإِنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ تَقَادَمَ الْعَهْدُ أَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ فَيَرْجُمُهُ إنْ مُحْصَنًا وَيَجْلِدُهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وَلَكِنْ لَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَجِيءَ خَصْمٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ صَحَّ رُجُوعُهُ، كَمَا لَوْ رَجَعَ عِنْدَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ وَلَكِنْ لَا يُعَجِّلُ الْقَاضِي فِي إطْلَاقِهِ لِتَوَهُّمِ الْحِيلَةِ وَإِنْ قَالَ: إنَّمَا حُبِسْت؛ لِأَنَّهُ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيَّ بِالزِّنَا فَحَبَسَنِي الْقَاضِي الْمَعْزُولُ لِيُقِيمَ عَلَيَّ الْحَدَّ فَقَوْلُ الْبَيِّنَةِ الْقَائِمَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ هَذَا الْقَاضِي فَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي بِزِنَاهُ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَيْضًا إذَا كَانَ الْعَهْدُ قَدْ تَقَادَمَ وَلَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ لِتَوَهُّمِ الْحِيلَةِ بَلْ يَتَأَنَّى وَيُطْلِقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَفِيلٍ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ:
إنَّمَا حُبِسْتُ لِأَنِّي أَقْرَرْتُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَهُ أَوْ لِأَنَّهُ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيَّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَحَبَسَنِي لِيُقِيمَ عَلَيَّ الْحَدَّ فَهَذَا الْقَاضِي لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ قَالَ: إنَّمَا حُبِسْتُ لِأَنِّي قَدْ أَقْرَرْتُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ فُلَانٍ أَوْ لِأَنَّهُ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيَّ بِالسَّرِقَةِ مِنْ فُلَانٍ فَهَذَا الْقَاضِي يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ لَا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ وَلَا بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَلَكِنْ لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ تَقَادَمَ الْعَهْدُ أَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ وَلَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ثَانِيًا لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ فَحَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ السَّرِقَةِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى السَّوَاءِ.
(وَالرَّابِعُ) الْحَبْسُ بِسَبَبِ عُقُوبَةٍ هِيَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ إذَا قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: إنَّمَا حُبِسْتُ؛ لِأَنِّي قَدْ قَذَفْتُ هَذَا الرَّجُلَ بِالزِّنَا وَصَدَّقَهُ هَذَا الرَّجُلُ فِي إقْرَارِهِ اسْتَوْفَى مِنْهُ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا يُعَجِّلُ الْقَاضِي فِي إطْلَاقِهِ وَلَوْ رَجَعَ عَمَّا أَقَرَّ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ بِخِلَافِ الرُّجُوعِ عَنْ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى إذَا قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ عَلَى يَدِي فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ دَفَعْته إلَيْهِ وَهُوَ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَالَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ قَالَ: دَفَعَ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَالِ لَكِنَّهُ لَا أَدْرِي أَنَّهُ لِمَنْ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَأَيْضًا وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ كَذَّبَ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ فِي جَمِيعِ مَا قَالَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ قَالَ: دَفَعَ إلَيَّ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ لِفُلَانٍ آخَرَ غَيْرَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) إذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْمِلْكِ بِأَنْ قَالَ: الْمَالُ الَّذِي فِي يَدَيَّ لِفُلَانٍ غَيْرُ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ دَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي الْمَعْزُولِ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ صَاحِبُ الْيَدِ فَإِنْ دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ ضَمِنَ لِلثَّانِي وَإِنْ دَفَعَ بِقَضَاءٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَضْمَنُ وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: فِي يَدِ فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَصَابَهُ فُلَانٌ الْيَتِيمُ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ، وَصَدَّقَهُ ذُو الْيَدِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْ بَاقِي الْوَرَثَةِ ذَلِكَ الْمَالَ فَهُوَ لِلْيَتِيمِ.
وَإِنْ قَالَ بَاقِي الْوَرَثَةُ: لَمْ يَسْتَوْفِ مِنَّا أَحَدٌ حَقَّهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَالْيَتِيمُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْمُقَلَّدِ أَنْ يَنْظُرَ لِلْيَتِيمِ وَيُحَلِّفَ بَاقِيَ الْوَرَثَةِ بِاَللَّهِ مَا اسْتَوْفَيْتُمْ حُقُوقَكُمْ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدَكُمْ فُلَانٌ، وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ الْيَتِيمِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَصَابَهُ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ وَادَّعَى بَاقِي الْوَرَثَةُ أَنَّهُ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِمْ فَالْمَالُ لِلْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ هُنَا مَا أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِوَالِدِ الْيَتِيمِ لِيَصِيرَ مُقِرًّا بِكَوْنِهِ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، بَلْ أَقَرَّ لِلْيَتِيمِ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةٍ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لِلْيَتِيمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ فَبَعْدَ ذَلِكَ بَاقِي الْوَرَثَةِ يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ حَقًّا فِي هَذَا الْمَالِ وَلَا يَصَدَّقُونَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَإِنْ كَانَ مَالًا بِصَكٍّ عَلَى رَجُلٍ
قَدْ كَانَ الْقَاضِي بَيَّنَ فِي الصَّكِّ سَبَبَهُ وَأَشْهَدَ فِي الصَّكِّ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْيَتِيمِ وَأَصَابَهُ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ فُلَانٌ وَأَنَّ سَائِرَ الْوَرَثَةِ اسْتَوْفَوْا حُقُوقَهُمْ فَنَقُولُ: مُجَرَّدُ الصَّكِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ عَلَى اسْتِيفَاءِ بَاقِي الْوَرَثَةِ حُقُوقَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ شَهَادَةُ شُهُودٍ يَشْهَدُونَ عَلَى إشْهَادِ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ كَانَ هَذَا الْمَالُ لِلْيَتِيمِ وَإِلَّا فَهُوَ كَسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَإِذَا قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: ثَبَتَ عِنْدِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ أَنَّ فُلَانًا وَقَفَ ضَيْعَةَ كَذَا عَلَى كَذَا وَحَكَمْت بِذَلِكَ وَوَضَعْتهَا عَلَى يَدَيْ فُلَانٍ وَأَمَرْته بِصَرْفِ غَلَّاتِهَا إلَى السَّبِيلِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْوَقْفِ وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْيَدِ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَرَّتْ وَرَثَةُ الْوَاقِفِ بِذَلِكَ أَنْفَذَ الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ هَذَا الْوَقْفَ.
وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ قَدْ جَحَدُوا ذَلِكَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ كَانَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمْ وَلَكِنْ تُسْتَحْلَفُ الْوَرَثَةُ عَلَى عِلْمِهِمْ فَإِنْ حَلَفُوا فَالْأَمْرُ مَاضٍ وَإِنْ نَكَلُوا قَضَى عَلَيْهِمْ بِالْوَقْفِيَّةِ بِإِقْرَارِهِمْ، وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالْوَقْفِيَّةِ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْوَاقِفِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: إنَّهُ وَقَفَ عَلَى الْأَرْبَابِ أَوْ قَالَ عَلَى الْمَسْجِدِ أَوْ بَيَّنَ وَجْهًا آخَرَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَلَمْ يَقُلْ: وَقَفَهَا عَلَى فُلَانٍ فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يُنَفِّذُهُ وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ التَّفْصِيلِ وَهَذَا هُوَ السَّبِيلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَقَعُ الِاسْتِفْسَارُ ضَارًّا فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَتْرُكُهُ وَيَكْتَفِي بِالْإِجْمَالِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُحَاسِبَ الْأُمَنَاءَ مَا جَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَغَلَّاتِهِمْ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى، حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ أَدَّى الْأَمَانَةَ فِيمَا فُوِّضَ إلَيْهِ أَوْ خَانَ فَإِنْ أَدَّى الْأَمَانَةَ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ خَانَ اسْتَبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يُحَاسِبُ الْقُوَّامُ عَلَى الْأَوْقَافِ وَيَقْبَلُ قَوْلَهُمْ فِي مِقْدَارِ مَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغَلَّاتِ وَالْأَمْوَالِ الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ.
قَالَ وَالْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ وَفِيمَا يُخْبِرُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى الضَّيْعَةِ وَمَا صَرَفَ مِنْهَا فِي مُؤْنَاتِ الْأَرَاضِيِ إنْ كَانَ وَصِيًّا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُحْتَمَلِ وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُحْتَمَلُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
وَفَرْقٌ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَبَيْنَ الْقَيِّمِ فَالْوَصِيُّ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ وَالتَّصَرُّفُ وَالْقَيِّمُ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ دُونَ التَّصَرُّفِ وَإِذَا عَرَفْتُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَبَيْنَ الْقَيِّمِ فَإِذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ الْإِنْفَاقَ فَقَدْ ادَّعَى مَا دَخَلَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُحْتَمَلِ.
وَإِذَا ادَّعَى الْقَيِّمُ ذَلِكَ فَقَدْ ادَّعَى مَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا سَوَّوْا بَيْنَ الْوَصِيِّ وَبَيْنَ الْقَيِّمِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ لِلضَّيْعَةِ مِنْهُ بُدٌّ قَالُوا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَقَاسُوا عَلَى قَيِّمِ الْمَسْجِدِ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ إذَا اشْتَرَى لِلْمَسْجِدِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ نَحْوَ الْحَصِيرِ وَالْحَشِيشِ وَالدُّهْنِ أَوْ صَرَفَ شَيْئًا مِنْ غَلَّاتِ الْمَسْجِدِ إلَى أَجْرِ الْخَادِمِ لَا يَضْمَنُ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَتَعَطَّلُ الْمَسْجِدُ كَذَا هَهُنَا وَمَشَايِخُ زَمَانِنَا قَالُوا: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ فِي زَمَانِنَا فَالْقَيِّمُ فِي زَمَانِنَا مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ