الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَاصْطَلَحَ هَذَا الْوَارِثُ مَعَ الْمُدَّعِي عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْمَيِّتِ بِحَقِّهِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْغُيَّبِ، غَيْرَ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ مِمَّا فِي يَدِهِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ بِالنِّصْفِ.
وَإِذَا اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا وَقَبَضَهُ وَنَقَدَ الثَّمَنَ ثُمَّ طَعَنَ بِعَيْبٍ وَاصْطَلَحَا عَلَى حَكَمٍ فَقَضَى بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ فِي ذَلِكَ الْعَيْبِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ اصْطَلَحُوا جَمِيعًا عَلَى حُكْمِ هَذَا الْمُحَكَّمِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَالْبَائِعُ الْأَوَّلُ، وَرَدَّ هُوَ الْعَبْدَ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي فَأَرَادَ الْبَائِعُ الثَّانِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قِيَاسًا، وَلَهُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِخَصْمٍ لِلْحَالِ إذْ لَا خُصُومَةَ مَعَهُ فِي الْعَيْبِ قَبْلَ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ تَحْكِيمُهُ مَعْنًى فِي الْعَيْبِ قَبْلَ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ فَصَارَ وُجُودُ هَذَا التَّحْكِيمِ وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ. وَلَوْ نَقَضَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ الْحُكُومَةَ بَعْدَ مَا رَدَّ الْعَبْدَ عَلَى الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ صَحَّ النَّقْضُ، وَإِذَا صَحَّ الْعَزْلُ لَا يَمْلِكُ الْحَكَمُ رَدَّ الْعَبْدِ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ خَاصَمَ الْبَائِعُ الثَّانِي الْبَائِعَ الْأَوَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذَا الْعَيْبِ عِنْدَ قَاضٍ مِنْ الْقُضَاةِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرُدَّهُ الْقَاضِي عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرُدُّهُ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ سِلْعَةَ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ فَطَعَنَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا حَكَمًا بِرِضَا الْآمِرِ فَرَدَّهَا الْحَكَمُ عَلَى الْبَائِعِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَيْبِ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ بِنُكُولِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ، فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِنُكُولِ الْوَكِيلِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِإِقْرَارِهِ بِالْعَيْبِ وَذَلِكَ عَيْبٌ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْمُوَكَّلِ وَإِنْ كَانَتْ الْحُكُومَةُ بِغَيْرِ رِضَا الْآمِرِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ اشْتَرَى عَبْدًا لِرَجُلٍ بِأَمْرِهِ فَطَعَنَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ بِهِ وَحَكَّمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا بِرِضَا الْآمِرِ وَرَدَّهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِنُكُولٍ؛ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى الْآمِرِ وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَلَوْ كَانَ التَّحْكِيمُ بِغَيْرِ رِضَا الْآمِرِ وَرُدَّ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَكَانَ الرَّدُّ جَائِزًا عَلَى الْآمِرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فِي الْيَتِيمَةِ وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ وَصِيِّ الصَّغِيرِ وَعَنْ غَرِيمِ أَبِي الصَّغِيرِ إذَا حَكَّمَا رَجُلًا فَأَقَامَ الْغَرِيمُ عَلَى وَصِيِّ الصَّغِيرِ بَيِّنَةً عِنْدَهُ هَلْ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى وَصِيِّ الصَّغِيرِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ أَمْ يَكُونُ لِلْقَاضِي خَاصَّةً؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَيْءٍ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الصَّغِيرِ. وَسُئِلَ عَنْهَا أَبُو حَامِدٍ فَقَالَ: لَا. وَسُئِلَ عَنْهَا حِمْيَرُ الْوَبَرِيُّ، فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ نَظَرٌ لِلصَّبِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ وَيَنْفُذَ حُكْمُهُ فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ صُلْحِ الْوَصِيِّ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ وَالْوِرَاثَةِ وَفِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ]
(الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ وَالْوِرَاثَةِ وَفِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ) قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَهُ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ بِالْكُوفَةِ وَبِقَبْضِهِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى
الْوَكَالَةِ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ وَلَمْ يُحْضِرْ الْوَكِيلُ أَحَدًا لِلْمُوَكِّلِ قِبَلَهُ حَقٌّ وَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ الْوَكَالَةَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِهِ حَتَّى يُحْضِرَ خَصْمًا قَالَ: وَإِنْ أَحْضَرَ رَجُلًا فَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ مُقِرٌّ أَوْ جَاحِدٌ لَهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِ الْوَكِيلِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَيُنْفِذُ لَهُ الْوَكَالَةَ، قَالَ: فَإِنْ أَحْضَرَ غَرِيمًا آخَرَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِالْوَكَالَةِ عَلَى كُلِّ خَصْمٍ يَحْضُرُ، وَيَدَّعِي قِبَلَهُ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ وَكَالَةً بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي مِنْ شُهُودِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ حَضَرَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قِبَلَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ حَضَرَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ ثُمَّ جَاءَ بِخَصْمٍ آخَرَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ مَرَّةً أُخْرَى بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُوَكِّلَ حَضَرَ لِيُوَكِّلَ عِنْدَ الْقَاضِي هَذَا الْوَكِيلَ فَقَالَ: وَكَّلْت هَذَا الْوَكِيلَ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لِي بِالْكُوفَةِ وَبِالْخُصُومَةِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ لِلْمُوَكِّلِ قِبَلَهُ حَقٌّ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ الْمُوَكَّلَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ قَبِلَ الْقَاضِي وَكَالَتَهُ وَأَنْفَذَهَا لِلْوَكِيلِ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْوَكِيلُ أَحَدًا يَدَّعِي عَلَيْهِ لِلْمُوَكِّلِ وَقَدْ غَابَ الْمُوَكِّلُ كَانَ الْوَكِيلُ خَصْمًا لَهُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُ الْمُوَكَّلَ لَا يَقْبَلُ الْوَكَالَةَ، كَذَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَاضِي لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِاسْمِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَأَنَّ هَذَا الْمَالَ لِي وَأَنَّ فُلَانًا الَّذِي بِاسْمِهِ الْمَالُ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لِي وَأَنَّ اسْمَهُ عَارِيَّةٌ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ قَدْ وَكَّلَنِي بِقَبْضِ ذَلِكَ مِنْهُ وَبِالْخُصُومَةِ فِيهِ؛ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى فَإِنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُدَّعِي وَهَذَا لَمَّا عُرِفَ أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ فَإِقْرَارُهُ مِنْهُ بِذَلِكَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي مَالِهِ فَيَنْفُذُ، فَقَدْ شَرَطَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي بِاسْمِهِ الْمَالُ وَكَّلَنِي بِقَبْضِ الْمَالِ وَجُعِلَ هَذَا جَوَابَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ إذَا أَقَرَّ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي عَلَيْهِ بِاسْمِ فُلَانٍ مِلْكُ هَذَا الْمُدَّعِي أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، ثُمَّ إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُدَّعِي لَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، حَتَّى إذَا جَاءَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ جَحَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّعْوَى كُلَّهَا فَقَالَ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي: حَلِّفْهُ لِي؛ فَالْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: أَلَك بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَيْت مِنْ إقْرَارِ الرَّجُلِ بِالْمَالِ لَك وَمِنْ تَوْكِيلِهِ إيَّاكَ بِقَبْضِ ذَلِكَ الْمَالِ؟ ثُمَّ شُرِطَ فِي الْكِتَابِ أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِالْمَالِ وَعَلَى تَوْكِيلِهِ إيَّاهُ بِالْقَبْضِ.
وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَالِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ حَقِّ الْخُصُومَةِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ فَيَطْلُبُ الْقَاضِي مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَبَعْدَ هَذَا فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْوَكَالَةِ ثَبَتَ كَوْنُهُ
خَصْمًا فَيَطْلُبُ الْقَاضِي مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ عَلَى نَحْوِ مَا ادَّعَى فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ وَيَتَعَدَّى هَذَا الْقَضَاءُ إلَى الْغَائِبِ، حَتَّى لَوْ جَاءَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْمَالِ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِاَللَّهِ مَا لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَلَا بِاسْمِهِ عَلَيْك هَذَا الْمَالُ الَّذِي سَمَّاهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، هَذَا إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ فَقَالَ لِلْقَاضِي: إنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي بِاسْمِهِ الْمَالُ قَدْ وَكَّلَنِي بِقَبْضِ هَذَا الْمَالِ فَاسْتَحْلِفْهُ لِي عَلَى ذَلِكَ؛ فَالْقَاضِي يَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ، وَكَّلَ هَذَا بِقَبْضِ الْمَالِ عَلَى مَا ادَّعَى هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
وَأَضَافَ هَذَا الْجَوَابَ إلَى أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: هَذَا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ إلَّا أَنَّ الْخَصَّافَ خَصَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمَا، وَإِلَى هَذَا مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَوْلُهُمَا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَإِلَى هَذَا مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ إذَا حَلَّفَهُ، أَمَّا عَلَى الِاتِّفَاقِ أَوْ عَلَى الِاخْتِلَافِ إنْ حَلَفَ انْتَهَى الْأَمْرُ وَإِنْ نَكَلَ صَارَ مُقِرًّا بِالْوَكَالَةِ فَيَقْضِي الْقَاضِي بِالْوَكَالَةِ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْمَالِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْمَالِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى أَمْرَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَالَ صَارَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي فِي حَقِّ اسْتِحْلَافِهِ عَلَى الْمَالِ وَأَخْذِ الْمَالِ، وَلَا يَصِيرُ خَصْمًا لَهُ فِي إثْبَاتِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالْمَالِ، فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ مِنْ الِابْتِدَاءِ صَرِيحًا إلَّا أَنَّهُ أَنْكَرَ الْمَالَ صَارَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي فِي حَقِّ الِاسْتِحْلَافِ وَأَخْذِ الْمَالِ لَا فِي حَقِّ إثْبَاتِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَجُلٍ ادَّعَى أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ وَكَّلَهُ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَ هَذَا وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْوَكَالَةِ وَأَنْكَرَ الْمَالَ فَقَالَ الْمُدَّعِي: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ يَكُونُ خَصْمًا فِي حَقِّ اسْتِحْلَافِهِ وَفِي حَقِّ أَخْذِ الْمَالِ مِنْهُ إنْ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَجَحَدَ الْوَكَالَةَ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ مِنْ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْوَكَالَةِ فَإِنْ أَقَامَ ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ بِالْبَيِّنَةِ وَصَارَ خَصْمًا مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْوَكَالَةِ حَلَّفَهُ وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي قُلْنَا فَإِنْ حَلَفَ فَقَدْ انْتَهَى الْأَمْرُ وَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ، وَلَكِنْ فِي حَقِّ أَخْذِ الْمَالِ مِنْهُ لَا فِي حَقِّ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى الْقَاضِي وَأَحْضَرَ مَعَهُ رَجُلًا آخَرَ فَادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى هَذَا وَالْخُصُومَةِ فِيهِ وَبِقَبْضِ الْعَيْنِ الَّتِي لَهُ فِي يَدِ هَذَا وَدِيعَةً
وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى الْمُدَّعِي وَلَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْعَيْنِ إلَيْهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَقَالَ: إنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ وَفِي كُلِّ حَقٍّ لَهُ وَبِقَبْضِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ جُمْلَةً؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالدَّيْنِ جُمْلَةً يَقْضِي بِالْوَكَالَةِ وَيُعِيدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الدَّيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكُلِّ جُمْلَةً يَقْضِي بِالْكُلِّ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّيْنِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكُلِّ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْوَكَالَةِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْضِي بِالْمَالِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَالِ، وَيُرَاعِي الْقَاضِي التَّرْتِيبَ فِي الْقَضَاءِ لَا فِي الْبَيِّنَةِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: آخُذُ بِالْقِيَاسِ لِظُهُورِ وَجْهِ الْقِيَاسِ، وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْوَصِيُّ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الدَّيْنِ وَالْمُوصَى بِهِ جُمْلَةً، وَالْوَارِثُ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسَبِ وَمَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَالدَّيْنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُشْتَرَطُ إثْبَاتُ الْخُصُومَةِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَقِّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
إذَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْخُصُومَةِ وَجَحَدَ الْمَدْيُونُ الْوَكَالَةَ وَالْمَالَ قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الْوَكِيلِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْمَالِ جَمِيعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْمَالِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الزِّيَادَاتِ: رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ فِي كُلِّ حَقٍّ لَهُ عَلَى النَّاسِ فَأَحْضَرَ الْوَكِيلُ رَجُلًا يَدَّعِي قِبَلَهُ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ وَهُوَ جَاحِدٌ لِلْوَكَالَةِ مُقِرٌّ بِالْحَقِّ أَوْ جَاحِدٌ لِلْحَقِّ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالْوَكَالَةِ، فَقَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ غَابَ الرَّجُلُ ثُمَّ عُدِّلَتْ الشُّهُودُ؛ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِالْوَكَالَةِ مَا لَمْ يَحْضُرْ فَإِنْ أَحْضَرَ رَجُلًا آخَرَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ وَهُوَ جَاحِدُ الْوَكَالَةِ فَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ خَصْمًا عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ فِي حَقِّ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِكَوْنِ الْوَكَالَةِ وَاحِدَةً وَانْتَصَبَ الَّذِي أَحْضَرَ خَصْمًا عَنْ النَّاسِ كَافَّةً وَصَارَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْكُلِّ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَى الْكُلِّ وَغَابَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَلَيْسَ أَنَّهُ يَقْضِي بِهَا عَلَى الْحَاضِرِ؟ كَذَا هَهُنَا وَاعْتَبَرَهُ فِي الْكِتَابِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَى الْوَكِيلِ فَغَابَ الْوَكِيلُ وَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ، أَوْ قَامَتْ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَغَابَ الْمُوَكِّلُ وَحَضَرَ الْوَكِيلُ، أَوْ قَامَتْ عَلَى الْمُوَرِّثِ حَالَ حَيَاتِهِ فَمَاتَ وَحَضَرَ الْوَارِثُ، أَوْ قَامَتْ عَلَى وَارِثٍ فَغَابَ هَذَا الْوَارِثُ وَحَضَرَ وَارِثٌ آخَرُ - فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ يَقْضِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الَّذِي حَضَرَ ثَانِيًا.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَقَالَ؛ إنَّ أَبِي فُلَانًا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا غَيْرِي وَلَهُ عَلَى هَذَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ فَاعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَ دَيْنًا أَوْ يَدَّعِيَ عَيْنًا فِي يَدِهِ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ غَصَبَهَا هَذَا مِنْ أَبِيهِ
أَوْ أَوْدَعَهَا إيَّاهُ أَبُوهُ أَوْ لَا يَتَعَرَّضُ بِشَيْءٍ فَيَذْكُرُ أَنَّهَا لِأَبِيهِ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي صَحَّ إقْرَارُهُ وَأَمَرَهُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ إلَيْهِ، هَذَا إذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَأَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا عَلَى الْمَوْتِ وَالنَّسَبِ حَتَّى يَصِيرَ خَصْمًا ثُمَّ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى مَا ادَّعَى ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ قَالَ الْخَصَّافُ: وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْقَائِلُ.
بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: الْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الرَّازِيّ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يَحْلِفُ قَوْلُ الْكُلِّ أَيْضًا قَالَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا يُسْتَحْلَفُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يُسْتَحْلَفُ ثُمَّ إذَا اسْتَحْلَفَ اسْتَحْلَفَ عَلَى حَاصِلِ الدَّعْوَى بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْك هَذَا الْمَالُ الَّذِي يَدَّعِي مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِي وَأَنَّهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى النَّسَبِ وَالْمَوْتِ دُونَ الْمَالِ اسْتَحْلَفَ عَلَى الْمَالِ بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ دُونَ الْمَوْتِ وَالنَّسَبِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسَبِ دُونَ الْمَوْتِ وَالْمَالِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، أَيْضًا إذَا أَقَرَّ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي كُلِّهَا وَأُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ إلَى الْمُدَّعِي لَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْأَبِ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ الْأَبُ حَيًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقِّهِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَتَّبِعُ الِابْنَ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْوِرَاثَةِ وَالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الْمَالَ يَحْلِفُ عَلَى الْمَالِ وَهَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آخِرًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْعِلْمِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَقَالَ: إنَّ أَبَا هَذَا قَدْ مَاتَ وَلِي عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ مَاتَ أَبُوهُ؟ وَلَا يَأْمُرُهُ بِجَوَابِ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَوَّلًا فَبَعْدَ ذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ أَقَرَّ الِابْنُ فَقَالَ: نَعَمْ مَاتَ أَبِي، أَوْ أَنْكَرَ مَوْتَ الْأَبِ فَإِنْ أَقَرَّ وَقَالَ: نَعَمْ مَاتَ أَبِي؛ سَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ دَعْوَى الرَّجُلِ عَلَى أَبِيهِ فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهِ يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ نَصِيبِهِ، وَلَوْ أَنْكَرَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقُضِيَ بِالدَّيْنِ وَيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ لَا مِنْ نَصِيبِ هَذَا الْوَارِثِ خَاصَّةً.
ثُمَّ إنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالدَّيْنِ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ مَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعِيَ عَلَى الْقَبْضِ وَالْإِبْرَاءِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْوَارِثُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى الْحَيِّ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ
قَادِرٌ عَلَى الدَّعْوَى فَلَا يُسْتَحْلَفُ بِدُونِ دَعْوَاهُ لَهُ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
وَذَكَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي مِنْ أَجْنَاسِ النَّاطِفِيِّ فِي الْجِنْسِ الرَّابِعِ أَنَّ مَنْ ادَّعَى دَيْنًا فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَالْقَاضِي لَا يُحَلِّفُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يُحَلِّفُ فَمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي قَوْلُهُمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ الِاسْتِحْلَافَ يَسْتَحْلِفُهُ مَا قَبَضْته وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَلَا ارْتَهَنْت بِهِ مِنْهُ رَهْنًا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا احْتَلْت بِهِ عَلَى أَحَدٍ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا نَعْلَمُ رَسُولًا أَوْ وَكِيلًا لَك قَبَضَ هَذَا الْمَالَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ.
وَإِنْ ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ وَلَا وَصَلَ إلَيْك بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَانَ أَحْوَطَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ هَذَا الْوَارِثِ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْعِلْمِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى أَبِيك هَذَا الْمَالَ الَّذِي ادَّعَى وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ.
فَإِنْ حَلَفَ انْتَهَى الْأَمْرُ وَإِنْ نَكَلَ يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ نَصِيبِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَارِثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ عَلَى الْأَبِ أَوْ أَنْكَرَ فَلَمَّا حَلَفَ نَكَلَ حَتَّى صَارَ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَصِلْ إلَيَّ شَيْءٌ مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَذَّبَهُ وَقَالَ: لَا بَلْ وَصَلَ إلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرُ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ يُحَلِّفُهُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا وَصَلَ إلَيْك مِنْ مَالِ أَبِيك هَذَا الْأَلْفُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ حَلَفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
هَذَا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى الدَّيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ حَلَّفَهُ عَلَى الْوُصُولِ فَلَوْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مِنْ الِابْتِدَاءِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَ هَذَا الْوَارِثَ عَلَى الدَّيْنِ قَالَ لَهُ الْوَارِثُ: لَيْسَ لَك عَلَيَّ يَمِينٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيَّ مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ شَيْءٌ وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي وَقَالَ: لَا بَلْ وَصَلَ إلَيْك مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ كَذَا وَكَذَا أَوْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ مَعَ هَذَا أَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى الدَّيْنِ فَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْوَارِثِ وَيُحَلِّفُهُ عَلَى الدَّيْنِ.
وَفِي الْكُبْرَى وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي مِثْلِ هَذَا: لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْوَارِثُ قَبْلَ ظُهُورِ الْمَالِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِهِ يُفْتِي فَإِنْ أَنْكَرَ الِابْنُ الدَّيْنَ وَوُصُولَ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ إلَى يَدِهِ وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْوُصُولِ جَمِيعًا لَمْ يَذْكُرْ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْفَصْلَ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً بِاَللَّهِ مَا وَصَلَ إلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيك وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَى أَبِيك دَيْنًا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى؛ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْيَمِينِ عَلَى الْبَتَاتِ وَبَيْنَ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ مَرَّتَيْنِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إنْ أَقَرَّ بِمَوْتِ الْأَبِ.
وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ مَوْتَ الْأَبِ وَوُصُولَ التَّرِكَةِ إلَيْهِ وَأَرَادَ الْغَرِيمُ اسْتِحْلَافَهُ فَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَعْضِ نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَجَابَ فِيهَا أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْوُصُولِ وَالْمَوْتِ يَمِينًا وَاحِدَةً لَكِنْ عَلَى الْمَوْتِ عَلَى الْعِلْمِ وَعَلَى الْوُصُولِ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ أَبَاك مَاتَ وَلَا وَصَلَ إلَيْك شَيْءٌ مِنْ مِيرَاثِهِ؛ وَبِهِ أَخَذَ
أُولَئِكَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَامَّةُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلَى الْمَوْتِ عَلَى الْعِلْمِ وَمَرَّةً عَلَى الْوُصُولِ عَلَى الْبَتَاتِ، فَإِنْ نَكَلَ حَتَّى ثَبَتَ الْمَوْتُ وَثَبَتَ وُصُولُ الْمِيرَاثِ إلَيْهِ يَحْلِفُ عَلَى الدَّيْنِ عَلَى عِلْمِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَالْمَوْتِ وَأَنَّ هَذَا الْأَلْفَ تَرِكَةٌ إلَّا أَنَّهُ أَحْضَرَ جَمَاعَةً، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ إخْوَتِي فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ بَدَأَ وَقَالَ: هَذَا الْأَلْفُ تَرِكَةٌ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ إخْوَتِي وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْإِخْوَةِ ثُمَّ بِالتَّرِكَةِ وَالدَّيْنِ فَقَدْ أَقَرَّ لَهُمْ بِالشَّرِكَةِ مَعَهُ فِي التَّرِكَةِ فَصَارَتْ التَّرِكَةُ مَقْسُومَةً بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ فِي حَقِّهِ وَيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ نَصِيبِهِ خَاصَّةً، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ فَادَّعَى وَارِثُهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ وَصَارَ مِيرَاثًا لَهُ وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الدَّيْنَ فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَنْ يُحَلِّفَهُ حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ لِأَبِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى. وَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَ الِابْنُ بَيِّنَةً عَلَى الدَّيْنِ لَا يَحْلِفُ الِابْنُ عَلَى قَبْضِ الْأَبِ عِنْدَنَا وَإِنْ أَقَرَّ الْمَدْيُونُ بِالدَّيْنِ وَادَّعَى أَنَّ الْأَبَ قَبَضَ مِنْهُ الدَّيْنَ أَوْ عَرَّضَ الْمَدْيُونُ فَقَالَ: قَدْ يَكُونُ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ ثُمَّ لَا يَبْقَى بِاعْتِبَارِ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ يَقْبِضُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَنَا لَا أُحِبُّ أَنْ أُقِرَّ بِشَيْءٍ مَخَافَةَ أَنْ يَلْزَمَنِي وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ يَحْلِفُ الِابْنُ حِينَئِذٍ عَلَى الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ قَدْ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ.
قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: رَجُلٌ مَاتَ فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُ الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَنَّ قَاضِيَ بَلْدَةِ كَذَا قَضَى بِكَوْنِهِ وَارِثَ الْمَيِّتِ، وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ شَهِدَا أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا أَشْهَدَنَا عَلَى قَضَائِهِ أَنَّ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ الشُّهُودُ: لَا نَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ قَضَى فَإِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يَجْعَلُهُ وَارِثًا وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنْ نَسَبِهِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَهَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِتَنْفِيذِ الْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي سَبَبًا نَفَّذَ الْقَاضِي الثَّانِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ الْقَاضِي عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ بِأَيِّ سَبَبٍ يُسْتَحْلَفُ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ وَارِثٌ آخَرُ يَعْرِفُ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّ أَيَّهُمَا أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ فَإِنْ أَخْبَرَ الْمُدَّعِي بِسَبَبٍ يَكُونُ بِهِ وَارِثًا عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَمْضَى قَضَاءَ الْأَوَّلِ بِالْمِيرَاثِ وَدَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يُقْضَى بِالسَّبَبِ الَّذِي ادَّعَى فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَيَّنَ سَبَبًا لَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ، بِذَلِكَ السَّبَبِ جَعَلَ الْقَاضِي الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَيَّنَ سَبَبًا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ بِذَلِكَ بِأَنْ بَيَّنَ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ جَعَلَ الْقَاضِي الثَّانِي لِلْأَبِ سُدُسَ الْمِيرَاثِ وَإِنْ ذَكَرَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ، وَأَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ يُعْطَى الثَّانِي خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، وَإِنْ ذَكَرَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ وَادَّعَى الثَّانِي أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَقَضَى الْقَاضِي الثَّانِي بِأُبُوَّتِهِ جَعَلَ الْمِيرَاثَ لَهُ؛ لِأَنَّ أُبُوَّةَ الثَّانِي ثَبَتَتْ بِالْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ، وَأُبُوَّةُ الْأَوَّلِ لَمْ تَثْبُتْ إلَّا بِإِقْرَارِهِ.
لَوْ جَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَبُو هَذَا الْمَيِّتِ وَقَضَى بِأُبُوَّتِهِ وَجَعَلَ الْمِيرَاثَ لَهُ وَأَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ فَالْقَاضِي لَا يَقْبَلُ
بَيِّنَتَهُ وَلَا يَدْخُلُ مَعَ الْأَوَّلِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ حِينَ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِلثَّانِي قَالَ الْأَوَّلُ: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَك أَنِّي أَبُو الْمَيِّتِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَضَى بِأُبُوَّتِهِ جَعَلَ الْقَاضِي الثَّانِي الْمِيرَاثَ لِلْأَوَّلِ.
وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ بِأُبُوَّةِ الثَّانِي حَتَّى أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أُبُوَّتِهِ قَضَى الْقَاضِي بِالْمِيرَاثِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَى وَالْحُجَّةِ وَالْجَوَابُ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ كَالْجَوَابِ فِي الْأُبُوَّةِ بِأَنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَوْلَى الْمَيِّتِ أَعْتَقَهُ وَأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ إنَّمَا قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِذَلِكَ وَادَّعَى الثَّانِي أَنَّهُ مَوْلَى الْمَيِّتِ أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُعْتَقًا مِنْ الِاثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِلِاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ فَصَارَ الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَإِنْ سَبَقَ الْحُكْمُ لِأَحَدِهِمَا بِالْمِيرَاثِ بِسَبَبِ الْوَلَاءِ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ اجْتَمَعَا قَضَى بَيْنَهُمَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ زَعَمَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِذَلِكَ، وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِمِثْلِهِ اشْتَرَكَا فِي الْمِيرَاثِ وَإِنْ سَبَقَ الْحُكْمُ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ زَعَمَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَأَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا بِنْتُ الْمَيِّتِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَإِنْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ. وَلَوْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَبُوهُ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ لَا شَيْءَ لِلثَّانِي وَلَوْ كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ امْرَأَةً زَعَمَتْ أَنَّهَا زَوْجَةُ الْمَيِّتِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ أَخَذَ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى الرُّبْعِ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَخَذَ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى الثُّمُنِ وَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ إذَا قَضَى بِوِرَاثَةِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الْوِرَاثَةِ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي الثَّانِي عَلَى نَسَبِهِ عَنْ الْمَيِّتِ يَسْأَلُ الْقَاضِي الثَّانِي الْأَوَّلَ عَنْ نَسَبِهِ إنْ ذَكَرَ نَسَبًا لَا يَرِثُ مَعَ الثَّانِي فَالْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلثَّانِي.
وَإِنْ ذَكَرَ نَسَبًا لَا يَرِثُ الثَّانِي مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي، وَإِنْ ذَكَرَ نَسَبًا يَرِثُ الثَّانِي مَعَهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ الْأَوَّلُ مَعْتُوهًا أَوْ صَغِيرًا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَأَقَامَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا بَيِّنَةً أَنَّهُ وَارِثُهُ وَبَيَّنَ نَسَبَهُ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي مِمَّنْ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ نَحْوِ الْأَخِ وَالْعَمِّ جَعَلَهُ الْقَاضِي سَاقِطًا بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ لِلْأَوَّلِ أَفْضَلَ الْأَشْيَاءِ وَيَقْضِي لِلثَّانِي بِأَقَلَّ مَا يَكُونُ بَيَانُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ ذَكَرًا يَجْعَلُ ابْنَ الْمَيِّتِ حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّانِي أَبًا يُعْطِي لَهُ السُّدُسَ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ. وَلَوْ كَانَ الثَّانِي زَوْجَةَ الْمَيِّتِ يُعْطِي لَهَا الثُّمُنَ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى بِأَنَّهَا وَارِثَةُ هَذَا الْمَيِّتِ، وَجَعَلَ كُلَّ الْمِيرَاثِ لَهَا نَفَّذَ الْقَاضِي الثَّانِي ذَلِكَ كَمَا يُنَفِّذُ لِلرَّجُلِ فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَبُوهُ، أَوْ أَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا زَوْجَتُهُ سَأَلَ الْقَاضِي الثَّانِي الْمَرْأَةَ الْأُولَى عَنْ سَبَبِ الْقَضَاءِ لَهَا فَإِنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ الْمَيِّتِ عَامَلَ مَعَهَا بِزَعْمِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الْأُولَى صَغِيرَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ كَانَتْ مَعْتُوهَةً جَعَلَ الْقَاضِي لَهَا أَكْثَرَ مَا يَكُونُ لَهَا، وَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ أَقَلَّ مَا يَكُونُ لَهُمْ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأُولَى حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ إلَّا فِي الْقَدْرِ الْمُتَيَقَّنِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى وَرَثَةِ رَجُلٍ دَيْنًا
عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ: إنَّ أَبَا هَذَا قَدْ مَاتَ وَلِي عَلَيْهِ كَذَا وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ طَائِعًا وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوفِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَخَلَّفَ مِنْ التَّرِكَةِ فِي يَدِ هَؤُلَاءِ مَا يَفِي بِالدَّيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ وَزِيَادَةً وَلَمْ يُبَيِّنْ أَعْيَانَ التَّرِكَةِ فَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ بَيَانُ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْوَارِثَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ إذَا ثَبَتَ وُصُولُ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ وَعِنْدَ إنْكَارِهِمْ وُصُولَ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ لَا يُمْكِنُ الْمُدَّعِي إثْبَاتُهُ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ فِي أَيْدِيهِمْ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ.
رَجُلٌ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَقَالَ فِي دَعْوَاهُ: هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِأَبِي فُلَانٍ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَلِأُخْتِي فُلَانَةَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُنَا وَتَرَكَ مَعَ هَذِهِ الدَّارِ ثِيَابًا أَوْ دَوَابَّ فَقَسَمْنَا الْمِيرَاثَ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الدَّارُ فِي نَصِيبِي بِالْقِسْمَةِ وَالْيَوْمَ جَمِيعُ هَذِهِ الدَّارِ مِلْكِي بِهَذَا السَّبَبِ وَفِي يَدِ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَدَعْوَاهُ صَحِيحَةٌ وَلَكِنْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولَ: أَخَذَتْ أُخْتِي نَصِيبَهَا مِنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ مُطَالَبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ كُلِّ الدَّارِ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ فِي دَعْوَاهُ: فَمَاتَ أَبِي وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَأُخْتِي، ثُمَّ أَقَرَّتْ أُخْتِي بِجَمِيعِهَا لِي وَصَدَّقْتهَا فِي ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَى الْمِلْكِ فِي الثُّلُثِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَعَلَيْهِ فَتْوَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَمَنْ لَهُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا أَرَادَ إثْبَاتَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْأَدَاءِ فِي الْحَالِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا أَرَادَتْ إثْبَاتَ بَقِيَّةِ مَهْرِهَا عَلَى الزَّوْجِ فَلَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِهِ فِي الْحَالِ.
سُئِلَ الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيُّ عَمَّنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ عَيْنًا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مِلْكَ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَلِفُلَانٍ وَفُلَانٍ سَمَّى عَدَدَ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَّةَ نَفْسِهِ قَالَ: تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِذَا أَقَامَ عَلَى دَعْوَاهُ الْبَيِّنَةَ فَالْقَاضِي يَسْمَعُ، وَلَكِنْ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ بِالتَّسْلِيمِ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ حِصَّتَهُ، وَلَوْ كَانَ بَيَّنَ حِصَّتَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الْوَرَثَةِ بِأَنْ قَالَ: مَاتَ أَبِي وَتَرَكَ هَذِهِ الْعَيْنَ مِيرَاثًا لِي وَلِجَمَاعَةٍ سِوَايَ وَحِصَّتِي مِنْهُ كَذَا وَطَالَبَهُ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ قَالَ: لَا تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ عَدَدِ الْوَرَثَةِ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ كَانَ نَصِيبُهُ أَنْقَصَ.
رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا وَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَيْهِ، وَأَنَّ فِي يَدَيْك أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ وَطَالَبَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ دَعْوَاهُ لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
مَاتَ نَصْرَانِيٌّ فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً فَقَالَتْ: أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ وَلِي الْمِيرَاثُ، وَقَالَتْ وَرَثَتُهُ: أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَا مِيرَاثَ لَك فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ وَلَهُ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ أَيْضًا، كَذَا فِي الْكَافِي وَلَا يُحَكَّمُ الْحَالُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَيْهِ، أَمَّا الْوَرَثَةُ فَهُمْ الدَّافِعُونَ وَيَشْهَدُ لَهُمْ ظَاهِرُ الْحُدُوثِ أَيْضًا.
وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ
لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُودِعِ بِالْقَبْضِ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقِيَامِ حَقِّ الْمُودِعِ إذْ هُوَ حَيٌّ؛ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَلَا كَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ الْمَدْيُونِ إذَا أَقَرَّ بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُودَعُ لِآخَرَ: هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ أَيْضًا، وَقَالَ الْأَوَّلُ: لَيْسَ لِلْمَيِّتِ ابْنٌ غَيْرِي؛ قَضَى بِالْمَالِ لِلْأَوَّلِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ، وَمَعَ هَذَا سَلَّمَ ثُمَّ أَرَادَ الِاسْتِرْدَادَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِرْدَادَ. وَكَانَ وَالِدِي يَحْكِي عَنْ أُسْتَاذِهِ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى ضَاعَتْ فِي يَدِهِ هَلْ يَضْمَنُ؟ قِيلَ: لَا يَضْمَنُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ، وَإِذَا قُسِمَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ؛ قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ الْوَرَثَةِ كَفِيلًا وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ ظُلْمٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَا: لَا يَأْخُذُ الْكَفِيلَ أَيْ لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إلَيْهِمْ حَتَّى يَأْخُذَ الْكَفِيلَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ يُدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ وَارِثًا مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ فَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: وَإِذَا حَضَرَ الرَّجُلُ وَادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَعْرِفُوهُمْ لَكِنْ قَالُوا: تَرَكَهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا لَمْ يَشْهَدُوا لَا يَصِيرُ نَصِيبُ هَذَا الْوَاحِدِ مَعْلُومًا وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ الْمَعْلُومِ مُتَعَذِّرٌ (وَهَهُنَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ) الْأَوَّلُ هَذَا، وَالثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ ابْنُهُ وَوَارِثُهُ لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ، وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ مَالِكِ هَذِهِ الدَّارِ وَلَمْ يَشْهَدُوا لَهُ عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَقُولُوا فِي شَهَادَتِهِمْ: لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَتَلَوَّمُ زَمَانًا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى فَإِنْ حَضَرَ وَارِثٌ غَيْرُهُ قَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ دَفَعَ الدَّارَ إلَيْهِ وَهَلْ يَأْخُذُ كَفِيلًا بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: يَأْخُذُ ثُمَّ إنَّمَا يَدْفَعُ إلَى الْوَارِثِ الَّذِي حَضَرَ جَمِيعَ الْمَالِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ إذَا كَانَ هَذَا الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ وَلَا يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ هَلْ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ أَوْ أَوْفَرُ النَّصِيبَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَوْفَرُ