الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كثيرا. ثمّ جاء به فباعه واشترى به ناطفا (1) ثمّ جاء به إلى أصحابه فقال: كلوا! كأنّكم تأكلون في دهن.
وعن أبي شعيب قال: سألت إبراهيم بن أدهم أن أصحبه إلى مكّة فقال: على شريطة: على أنّك لا تنظر إلّا لله وبالله.
فشرطت له ذلك على نفسي فخرجت معه.
فبينا نحن في الطّواف إذا أنا بغلام قد افتتن الناس به لحسنه وجماله. فجعل إبراهيم يديم النظر إليه.
فلمّا أطال ذلك قلت: يا أبا إسحاق، أليس شرطت عليّ أن لا انظر إلّا لله وبالله؟
قال: بلى.
قلت: أراك تديم النظر إلى هذا الغلام؟
فقال: إن هذا ابني وولدي، وهؤلاء غلماني وخدمي الذين معه، ولولا شيء لقبّلته، ولكن انطلق، فسلّم عليه منّي وعانقه عنّي.
(قال) فمضيت إليه وسلّمت عليه من والده وعانقته. فجاء إلى والده فسلّم عليه، ثمّ صرفه مع الخدم. فقال: ارجع! انتظر إيش يراد بك. وأنشأ يقول [الوافر]:
هجرت الخلق طرّا في رضاك
…
وأيتمت العيال لكي أراك
ولو قطّعتني في الحبّ إربا
…
لما حنّ الفؤاد إلى سواك
وأهدى إليه رجل سلّة تين عند غروب الشمس، فقسمه على جيرانه وعلى الفقراء. فقال له بعض أصحابه: ألا تدع لنا شيئا؟
قال: ألستم صوّما؟
قالوا: بلى.
قال: سبحان الله! أما لكم حياء؟ أما لكم أمانة؟
أما تخافون من الله العقوبة بسوء ظنّكم بالله، وطول الأمل إلى السّماء؟ ثقوا بالله، وأحسنوا الظنّ بما وعد الله، فإنّ الله يقول: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: 96]
[كرمه وطيب نفسه]:
وقال حوّاري بن حوّاري: كان إبراهيم بن أدهم يتألّف الناس بأخلاقهم ويأكل معهم، وربّما اتّخذ الشواء، والجوزابات، والخبيص، وطعام الطيب. وربّما خلا هو وأصحابه الذين يأنس إليهم. وكان يعمل عمل الرجلين، وكان إذا أكل وحده أكل الطعام الدّون. وكان كريم النفس، إذا اصطنع إليه إنسان معروفا يحرص على إكرامه، وأكثر ممّا يصنع به.
وقال عصام بن روّاد [بن الجرّاح] عن أبيه:
كنت ليلة مع إبراهيم بن أدهم بالثغر، فأتاه رجل بباكورة. فنظر حوله هل يرى شيئا من رحله يكافئه، فلم ير شيئا. فنظر إلى سرجي فقال: خذ ذلك السرج!
فأخذه الرجل ومضى. فداخلني سرور ما دخلني مثله قطّ حين علمت أنّه صيّر مالي وماله واحدا.
وعن إبراهيم بن بشّار [الصوفيّ الخراساني خادم إبراهيم بن أدهم] قال: أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ذات ليلة، وليس معنا شيء نفطر عليه، ولالنا حيلة. فرآني مغتمّا حزينا، فقال: يا إبراهيم بن بشّار، ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة في الدنيا والآخرة، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حجّ ولا عن صدقة ولا عن صلة رحم، ولا عن مواساة، وإنّما يسأل ويحاسب
(1) الناطف: نوع من الحلوى من عروق العسلوج. وهو أيضا الشمع (دوزي). ولعلّ هذا هو المقصود مع الدهن.
عن هذا هؤلاء المساكين، أغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة، أعزّة في الدنيا أذلّة يوم القيامة. لا تغتمّ ولا تحزن، فرزق الله مضمون سيأتيك. نحن والله الملوك الأغنياء، نحن الذين تعجّلوا الراحة في الدنيا والآخرة، لا نبالي على أيّ حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا الله.
ثمّ قام إلى صلاته وقمت إلى صلاتي. فما لبثنا إلّا ساعة وإذا نحن برجل قد جاءنا بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه بين أيدينا وقال: كلوا رحمكم الله!
فسلّم، ثمّ قال: كل يا معنّى!
فدخل سائل فقال: أطعمونا شيئا.
فأخذ ثلاثة أرغفة مع تمر فدفعها إليه، وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين، وقال: المواساة من [13 ب] أخلاق المؤمنين.
وقال عليّ بن بكّار: كان الحصاد أحبّ إلى إبراهيم بن أدهم من اللقاط. وكان سليمان الخوّاص لا يرى بأسا باللقاط ويلقط. وكانت أسنانهما قريبة، وكان إبراهيم أفقه، وكان من العرب من بني عجل كريم الحسب. وكان إذا عمل ارتجز وقال:
اتّخذ الله صاحبا
…
ودع الناس جانبا (1)
وكان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص، ولم يكن يلبس خفّين ولا عمامة، وفي الصيف [يلبس] شقّتين بأربعة دراهم يتّزر بواحدة ويرتدي بالأخرى، ويصوم في السفر والحضر ولا ينام الليل.
وكان يتفكّر، فإذا فرغ من الحصاد أرسل بعض
أصحابه يحاسب صاحب الزرع ويجيء بالدراهم، فلا يمسّها بيده ويقول لأصحابه: اذهبوا، كلوا بها شهواتكم.
فإن لم يكن حصاد أجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع. وكان يطحن بيد واحدة مدّي قمح- أي قفيزين. ويقول: لا ينبغي للرّجل أن يرفع نفسه فوق قدره، ولا أن يضع نفسه دون درجته.
ودعاه الأوزاعيّ إلى طعام فقصّر في الأكل.
فقال له الأوزاعيّ: رأيتك قصّرت في الأكل؟
قال: لأنّك قصّرت في الطعام.
وهيّأ مرّة طعاما ووسّع فيه ودعا الأوزاعيّ، فقال له: أما تخاف أن يكون سرفا؟
فقال إبراهيم: إنما السرف ما ينفقه الرجل في معصية الله. فأمّا ما أنفقه على إخوانه، فهو من الدين.
ومرّ به رجل من الصّنّاع، فقال: أليس هذا فلانا؟
فقيل: نعم.
فقال لرجل: أدركه وقل له: قال [لك] إبراهيم بن أدهم: ما لك لم تسلّم؟
قال: لا والله! إلّا أنّ امرأتي وضعت الليلة وليس عندي شيء، فخرجت شبيه المجنون.
فرجع إلى إبراهيم فقال له. فقال: إنّا لله! كيف غفلنا عن صاحبنا حتّى نزل به هذا الأمر؟ يا فلان، ائت فلانا صاحب البستان فاستسلف منه دينارين، فاشتر له ما يصلحه بدينار وادفع الدينار الآخر إليه.
(قال) فدخلت السوق فأوقرت بعيرا بدينار من كلّ شيء وتوجّهت إليه فدققت الباب. فقالت امرأته: من هذا؟
(1) هذا البيت لعله من المجتثّ.