الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هو حجّة لله، قاهرة
…
هو بيننا أعجوبة الدّهر
هو آية في الخلق ظاهرة
…
أنوارها أربت على الفجر
ثمّ نزغ الشّيطان بينهما وغلبت على ابن الزملكانيّ أهويته فمال عليه مع من مال.
وقال قاضي القضاة تقيّ الدين أبو الفتح محمد ابن دقيق العيد لمّا اجتمع به عند حضوره إلى القاهرة في سنة سبعمائة: رأيت رجلا كلّ العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد.
وحضر عنده العلّامة أثير الدين أبو حيّان [شيخ النحاة] فقال عنه: ما رأت عيناي مثله- ومدحه في المجلس بقوله [البسيط]:
لمّا أتينا تقيّ الدين لاح لنا
…
داع إلى الله فرد، ما له وزر
على محيّاه من سيما الألى صحبوا
…
خير البريّة نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبرا
…
بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيميّة في نصر شرعتنا
…
مقام سيّد تيم إذ عصت مضر
فأظهر الحقّ إذ آثاره اندرست
…
وأخمد الشرّ إذ طارت له الشرر
[100 أ] كنّا نحدّث عن حبر يجيء، فها
…
أنت الإمام الذي قد كان ينتظر
ثمّ دار بينهما كلام جرى فيه ذكر سيبويه.
فتسرّع ابن تيميّة فيه بمقول نافره عليه أبو حيّان وقاطعه بسببه، ثمّ عاد أكثر الناس له ذمّا، واتّخذه ذنبا لا يغفر.
وكان قاضي القضاة نجم الدين أبو العبّاس ابن صصرى لا يسمح لمناظريه في بلوغ مرادهم من ضرره ويقول: ما لي وله؟
وحكى أبو حفص محمد بن علي بن موسى الزار البغداديّ قال: حدّثني الشيخ المقرئ تقيّ الدين عبد الله بن أحمد بن سعيد قال: مرضت بدمشق مرضة شديدة فجاءني ابن تيميّة فجلس عند رأسي وأنا مثقل بالحمّى والمرض. فدعا لي وقال: قم، جاءت العافية! - فما كان إلا [أن] قام وفارقني، وإذا بالعافية قد جاءت وشفيت لوقتي.
[مدح ابن فضل الله العمريّ له]:
وقال فيه الإمام الأوحد القاضي الرئيس كاتب الأسرار شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمريّ:
هو البحر من أيّ النواحي جئته، والبدر من أيّ الضواحي أتيته. جرت آباؤه لشأو ما قنع به، ولا وقف طليحا مريحا من تعبه، طلبا لا يرضى بغاية، ولا تقضى له نهاية. رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتّخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن نسي السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه [البسيط]:
وثقّف الله امرءا بات يكلؤه
…
[يمضي](1) حساماه فيه السيف والقلم
بهمّة في الثريّا أثر أخمصها
…
وعزمة ليس من عاداتها السأم
على أنّه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونسأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فأحيى معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الرطيب ما غرس. وأصبح في فضله آية إلّا أنّه آية الحرس. عرضت له الكدى فدحرجها،
(1) الزيادة من مسالك الأبصار المخطوط، 5/ 294 والكلمة وردت في الهامش.
وعارضته البحار فضحضحها، ثمّ كان أمّة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كلّ عظيم، وأخمد من أهل الفناء كلّ قديم، ولم يكن منهم إلّا من يجفل عنه إجفال الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم [الكامل]:
ما كان بعض الناس إلّا مثلما
…
بعض الحصى الياقوتة الحمراء
جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دجنّة، وصدور أسنّة، وتثار جنود رعيل، وتجار أسود غيل، إلّا أنّ صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طمّ على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك التلاع، وأطلّت قسورته على تلك السباع. ثمّ عبّئت له الكتائب فحطّم صفوفها، وخطم أنوفها.
وابتلع غديره المطمئنّ جداولها، واقتلع طوده المرجحنّ جنادلها، وأخمدت أنفاسهم ريحه، وأكمدت شراراتهم مصابيحه [الوافر]:
تقدّم راكبا فيهم إماما
…
ولولاه لما ركبوا وراء
فجمع أشتات المذاهب وشتّات المذاهب (1)، ونقل عن أئمّة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها، ومثّل صورهم الذاهبة وأحضرها. فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره، لأدنى عصره إليه مقرّبا، أو مالك، لأجرى وراءه أشهبه ولو كبا، أو الشافعيّ، لقال: ليست هذا كان للأمّ ولدا، أو: ليتني كنت له أبا! والشيبانيّ ابن حنبل، لما لام عذاره إذا غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا، بل داود الظاهريّ وسنان الباطنيّ (2)،
لظنّا تحقيقه من منتحله، وابن حزم والشهرستانيّ، لحشر كلّ منهما ذكره أمّة في نحله، والحاكم النيسابوريّ والحافظ السلفيّ، لأضافه هذا إلى استدراكه، وهذا إلى رحله. ترد [100 ب] الفتاوى ولا يردّها، وتفد عليه فيجيب عليها بأجوبة كأنّه كان قاعدا لها يعدّها [الكامل]:
أبدا على طرف اللسان جوابه
…
فكأنما هي دفعة من صيّب
يغدو مساجله بغرّة صافح
…
ويروح معترفا بذلّة مذنب
ولقد تظافرت عليه عصب الأعداء فألجموا إذ هدر فحله، وأفحموا إذ زمزم ليجني الشهد نحله.
ورفع إلى السلطان غير ما مرّة، ورمي بالكبائر، وتربّصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه وكثر فارتاب، ونمّ فما زاد على أنّه اغتاب.
وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثمّ إلى الإسكندريّة، وتارة إلى محبس القلعة بدمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزبانى (3) المنون، وهو على علم يسطّر صحفه، ويدّخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلّا أن يصنّفه، ويقرّط به ولو سمع امرئ واحد ويشنّفه، حتّى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع ثنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرزايا.
وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، [وطبع على قلبه] منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار (4)
- فهو داود بن علي الأصبهاني (ت 270) صاحب الطائفة الظاهرية- الأعلام 3/ 8.
(1)
قراءة ظنّيّة.
(2)
سنان بن سلمان، مقدّم الإسماعيليّة وصاحب الدعوة الباطنيّة (ت 588) الأعلام 3/ 206، أمّا داود الظاهري-
(3)
زبانى العقرب: أطراف ذنبها.
(4)
فقار المنابر: لعلّه يعني فقرات الخطبة المنبريّة.
المنابر، وحلّ ساحة تربه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات، لا بل حيي، وعرف قدره لأنّ مثله ما رئي.
وكان يوم دفنه يوما مشهودا ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكّرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعا على الرءوس، متبوعا بالنفوس، تحدوه العبرات وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم: لا فقدت من غائب! ولأقلامه النافقة: لا أبعد كنّ الله من شجرات! .
وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلّة في الجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله ويمنعه من الفتوى، أو بأشياء من نوع هذه البلوى، لا بعد إقامة بيّنة ولا تقدّم دعوة ولا ظهور حجّة بالدليل، ولا وضوح محجّة للتأميل. وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يطفأ ضرم عدوى [الطويل]:
وكلّ امرئ حاز المكارم محسود
[الكامل]:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
…
حسدا وبغضا إنّه لدميم
كلّ هذا لتبريزه في الفضل حيث قصّرت النظراء، وتجلّيه كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجّة التتار، واقتحامه، وسيوفهم تتدفّق، لجّة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورا في ضرمها، والسيوف فرقا في قرمها، خوفا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، فطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمّن على دعائه وهو مقبل إليه. ثمّ كان على هذه المواجهة القبيحة والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كلّ من طلع معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر، هذا مع ما له من جهاد في الله لم تفزعه فيه ظلل الوشيج، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج، مواقف حروب باشرها، وطوائف ضروب عاشرها، وبوارق صفاح كاشرها، ومضايق رماح حاشرها، وأصناف خصوم [101 أ] لدّ اقتحم معها الغمرات، وواكلها مختلف الثمرات، وقطع جدالها قويّ لسانه، وجلادها شبا سنانه، قام بها وصابرها، وبلي بأصاغرها، وقاسى أكابرها، وأهل بدع قام في دفاعها، وجاهد في حطّ يفاعها، ومخالفة ملل بيّن لها خطأ التأويل، وسقم التعليل، وأسكت طنين الذباب في خياشيم رءوسهم بالأضاليل، حتى ناموا في مراقد الخضوع، وقاموا، وأرجلهم تتساقط للوقوع، بأدلّة أقطع من السيوف، وأجمع من السجوف، وأجلى من فلق الصباح، وأجلب من فلق الرماح [الطويل]:
إذا وثبت في وجه خطب تمزّقت
…
على كتفيه الدرع وانتثر السرد
إلّا أنّ سابق المقدور أوقعه في خلل المسائل، وخطل خطإ لا يأمن فيه مع الإكثار قائل، وأظنّه- والله يغفر له- عجّلت له في الدنيا المقاصّة، وأخذ نصيبه من بلواها عامّة وله خاصّة، وذلك لحطّه على بعض سلف العلماء، وحلّه لقواعد كثيرة من نواميس القدماء، وقلّة توقيره للكبراء، وكثرة تكفيره للفقراء، وتزييفه لغالب الآراء، وتقريبه