الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما ردّ امرءا سأله، وأدعوه وهو أكرم مدعوّ وأرحم، وأعلم مسئول وأحكم، كرم المعاد والإسعاد، للإعداد، ما دام العمل مملوكا، وأمد العمر مسلوكا. وله الحمد والطّول، والعلوّ والحول، ووصل الله السعادة، وسهّل مرام الإرادة، لإمام العصر، وواحد الدهر، ومالك الأمر، ومعهد الحكمة، وراسم العدل للأمّة، سلالة أحمد رسول الله، وواصل حمد الأمّة لما أولاه، وأكرم الله واسطة محلّه الطاهر وعلم علمه الماهر، وحسامه الحاسم للأدواء، وهمامه الرادع للأهواء، مالك السؤدد والسداد، ومعمل الآراء لحدّ المراد.
اسمه محمّد، ومدحه مؤكّد، وسماحه مأمول، ومحلّ كرمه مأهول، ورداء عدله مسدول، وصوارم سطاه (1) مسلولة، ودماء أعدائه مطلولة، ملك حلاحل، لا ماكر ولا ماحل، كرم وساد، وروّع الآساد، ومهّد الدهر وهدّأ روعه، وطرد السوء وأدام روعه، وسمع أمر الكرم وأطاعه، وكره اللؤم وأراد وداعه [السريع]:
لله ما أودعه سرّه
…
وما لأولاه وما للمآل
الملك الأروع والعالم ال
…
أورع الكاره ردّ السّؤال
عطاؤه للحمد ساع كما
…
محلّه موعد حطّ الرحال (2)
واسع صدر العلم، لا علمه
…
واه ولا طود علاه ممال
أكرمه الله وأعطاه ما
…
رام، وردّاه رداء الكمال
محامد رام الملا حصرها
…
وأسوأ الحال ادّعاء المحال
دعهم وإعمالهم الجهد ما اسطاعوا
…
ودعواهم وحصر الرمال
لو حصر المادح آلاءه
…
صحّ لهم سحر الكلام الحلال
لم لا أمدحه وأحمد الدهر له، وسماء مكارمه هاطلة، ومراحمه واصلة، وأحكامه عادلة، وسرور مؤمّله كامل، ووارد حزمه لمراده واصل، ومهور المدح عطاؤه، ولمع أسرّة الدهر آلاؤه، مدّ الله أمد دوامه، وهداه لطاعة إمامه، ومهّد مسعاه لإسعاده، وسدّد مرماه لمراده، وعصمه ولا وصمه، وسلّمه ولا أسلمه [السريع]:
ولا عداه الحمد والمدح ما
…
مدّ مداه أمد الدهر
مسدّد الآراء حلو العطا
…
مالك طول العمر والأمر
ما كرّ عصر للدوام وما
…
حام حمام طار للوكر
هذه خمسمائة كلمة أنشأتها ليس فيها نقطة، بسعادة من علّمني النطق جوده، وأنارت لي وجوه المسالك سعوده. والله يبقيه، ويعين على حسن القول فيه، برحمته.
وقال فيه السّلفيّ (3): هو من أذكى الناس، والمتصرّفين في البلاغة وجودة المعاني، وله رسائل حسنة وشعر فائق.
ومات سنة ستّ وثلاثين (4) وخمسمائة.
640 - أبو العبّاس الحرّار الأندلسي [- 616]
(5)
أحمد بن أبي بكر، الشيخ أبو العبّاس،
(1) لم نجد السطا والسطا، في مصادر سطا.
(2)
في المخطط: حلّ.
(3)
في معجم السفر 45 (112).
(4)
في المخطوط: وثمانين: والإصلاح من ابن ميسّر 85، والاتّعاظ 3/ 176.
(5)
الكواكب السيّارة 151، جامع كرامات الأولياء 1/ 299.
الحرّار، التجيبي، الأندلسيّ، قيل له الحرّار لأنّه كان ينسج الحرير السقلاطون (1).
ذكره العارف محيى الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن العربي الحاتميّ، فقال: أحمد! وما أدراك ما أحمد! جمع الفضائل، واجتنب الرذائل، عرف [144 ب] الحقّ فلزمه، وكشف له عن السرّ فكتمه، فهو ممّن ينادى من وراء حجاب، قويّ المشاهدة، كثير المساعدة، وطيء الأكناف، حسن المعاشرة، سمح الخليقة، موافق فيما يرضي الله، نزيه الجانب، مخالف فيما لا يرضي الله. لزم الاسم فسما، وعمّ ذكره كلّ أرض وسماء، تراه كأنّه ذاهل، سريع الحركة كأنّه مطلوب بثأر، يخضع تحت سلطان وارد الأسرار، كثير المكاشفة.
كنّا إذا أخذنا في مسألة غيّب عنّا ثمّ يرجع فيخبرنا بوجه من وجوه ما نحن فيه (2). لزم خدمة أخيه لم يخدم غيره، وكلّ ما هو فيه من بركة أخيه.
لقي شيخنا أبا العباس جعفر الغريبيّ، وأبا عبد الله بن جنيد، وجماعة من أصحابنا. أراد صحبتنا إلى مكّة لولا مرض أخيه.
حلّت بمصر المسغبة والوباء الذي هلك فيه أهلها. فمشى يوما فرأى الأطفال الرّضّع يموتون جوعا، فقال: يا ربّ، ما هذا؟ - فغيّب. فنودي:
يا عبدي، هل ضيّعتك قطّ؟
قال: لا.
قال: فلا تعترض! هؤلاء الأطفال الذين رأيتهم أولاد الزنا، هؤلاء هم قوم عطّلوا حدودي، فأقمت عليهم حدودي. هذه حدودي في كلّ من عطّل حدودي، فلا يكن في نفسك من ذلك! - ثم سرّي عنه. فبقي راضيا بتلك الحالة للخلق. وعنده من هذه المخاطبات كثير.
وأمّا الإيثار وتوسيعاتهما على الخلق، وتضييقهما على أنفسهما، فلا أجد فوقهما في ذلك. جمع الله بيني وبينهما في عافية، ولا فرق بيني وبينهما بعد ذلك.
وقد ذكره أيضا صفيّ الدين أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي المنصور (3) فقال: منشؤه بإشبيلية. وكان ينسج الحرير السقلاطون، فسمّيالحرّار. وصحب بها رجالا، منهم أبو عبد الله ابن العاص. كان فقيها محدّثا، فحدّثه وتلقّن منه من العلوم الشرعيّة والأحاديث النبويّة ما أغناه عن الاشتغال بالعلم على العلماء. وكان كثير الاجتهاد في بلده، إلى أن سمع بأخبار الشيخ أبي أحمد جعفر [الأندلسيّ] أخصّ أصحاب الشيخ أبي مدين (4)، فهاجر له من إشبيلية- وكان في شرق الأندلس. وخرج جماعة من المريدين معه. فلمّا وصلوا بلد الشيخ قالت رفقته: ترون أن نزور ابن المرأة؟ [وكان ابن المرأة رجلا ادّعى النبوّة](5).
فقال لهم أبو العبّاس: أنا ما هجرت إلّا للشيخ أبي أحمد!
فوافقه الجماعة ودخلوا على أبي أحمد. قال أبو العبّاس: فرأينا خلقا عظيما حوله ونقباء، كلّ نقيب تحت يده من المريدين جمع كبير. فأحضرنا بعض الخدّام بين يدي الشيخ، وأجلسنا صفّا فنظر إلينا ثمّ قال: إذا جاء الصغير للمعلّم، ولوحه ممحوّ، كتب له المعلّم. وإذا جاء ولوحه مملوء، [ف] أين يكتب له المعلّم؟ فالذي جاء به يرجع به.- ثمّ نظر نظرة أخرى وقال: من شرب من مياه مختلفة تغيّر
(1) السقلاطون: قماش من حرير مطرّز بالذهب (دوزي).
(2)
توفّي ابن عربي سنة 638.
(3)
ابن أبي منصور: انظر ص 359 أعلاه، هـ 1 وص 416 الآتية هـ 1.
(4)
أبو مدين التلمساني (ت 594). انظر: عنوان الدراية 5 - ودائرة المعارف الإسلاميّة.
(5)
الزيادة من الكواكب السيّارة 151.
مزاجه. ومن اقتصر على ماء واحد، سلم مزاجه من التغيّر- أشار بذلك إلى الجماعة في كونهم قصدوا رؤية غيره (1). وكان الله منّ عليّ بخلوي من ذلك- ثم أشار إلى الخدّام فأقامونا وأمروا أصحابي بالانصراف، وأفردوني وذهبوا بي إلى مكان فيه جماعة [ف] أجلسوني معهم. فممّا رأيت، دار فيها أربعمائة شابّ كلّهم مكاشفون.
قالوا: يا عربيّ، من يوم خرجتم من إشبيلية، اطّلعنا عليكم وعرفنا كلّ واحد منكم بأيّ وصف جاء.
فلمّا كان ثاني يوم، قصد جماعة من أعيان أصحاب الشيخ أن يتخصّصوا في موضع يجتمعون فيه، فأخذوني معهم، وقرأ قارئ عشر قرآن، وشرعوا في سماع نش [ي] د وذكر الله، وإذا ب [خادمين] دخلا فأخذا واحدا واحدا من الجماعة وخرجا به، إلى أن أخذاني وأخرجاني للباب فإذا متولّي المدينة، وزبانيته قدّامه، كلّ من يخرجو [ن] هـ من الجماعة يتسلّمه الزبانية ويحملو [ن] هـ إلى السجن.
فبقيت واقفا قدّام الوالي لا يبصرني ولا زبانيته [145 أ]. وإذا بالحائط قد انشقّ ودخل منه (2) رجل عليه ثياب خضر [ف] أخذ بيدي وأخرجني من الشقّ وقال: انج أنت!
فمضيت لجامع البلد، والبلد قد ارتجّ بأخذ الفقراء. فلمّا سمع الشيخ بعث وحلّهم، وإذا بخادم الشيخ وأحد بني عمّه جاءا إلى الجامع وقالا: أجب الشيخ! - فمشيت معهما حتّى أدخلاني على الشيخ. فإذا الجماعة الذين كانوا معي حاضرين فجلست بين يديه. فقال للجماعة:
ما منكم إلّا من يمشي على الماء، ويطير في الهواء. لم لا عملتم كما عمل هذا؟ دخلوا عليه من الباب، خرج هو من غيره.
ثمّ أذن في الانصراف. فلمّا كان ثالث يوم، بعث إليّ فحضرت إليه فوجدت عنده جماعة وهو يتكلّم. فعند ما جلست أخذت وشهدت الشيخ قائما على رأسي، ومعه قدوم وهو يهدم فيّ وأنا أشهد أبعاضي كيف تتفرّق على الأرض كما يهدم الهادم. وكنّا في فلاة وهو يهدم إلى أن وصل إلى كعبي وطالع إلى أن عقد دماغي. فقمت فرفعت رأسي. فأطرق الشيخ برأسه وأشار بيده إلى الخادم، فأقامني وقال لي: قال لك الشيخ: قد استغنيت، سافر لبلدك!
فسافرت. وحين خرجت من بين يدي الشيخ انكشف لي العالم العلوي كشفا لا ينحجب عنّي منه شيء. وكنت أمشي على الأرض كالرغوة التي تجري فوق وجه الماء. ولمّا عدت لإشبيلية كان أصحابي ومعارفي يختلفون فيّ:
منهم من يقول: هو أحمد، ومنهم من يقول: ما هو هو!
وكنت أجيء إلى المسجد [ف] أخلع نفسي مع مداسي، وأكبّر خلف الإمام أشهد لمن أصلّي وخلف من أصلّي.
فقيل له: ما معنى: خلف من تصلّي؟
فقال: يقام لي إمام علويّ روحانيّ تأتمّ به روحانيّتي كما تأتمّ جثمانيّتي بالإمام الجثمانيّ.
(قال): دخل عليّ الخضر بمصر، فسلّم عليّ وقال لي: كن فردانيا!
فقلت له: من في الوجود فردانيّ!
قال: اثنان، أحدهما بوادي إبراهيم- يعني
(1) في المخطوط: إلى الجماعة في شغل تواطئهم بما يدعوه وكونهم .. والاختصار بحسب ما جاء في الكواكب السيّارة 152.
(2)
في المخطوط: قد انشقّت .. ودخل منا ..
الحجاز- والآخر بجزائر البحر، [فكان الشيخ ثالثهم](1).
ودخل عليّ مرّة وقت السحر، فسلّم وقال: قد طلعت الشمس.
قلنا: أيّ شمس؟
قال: شمس الحقيقة.
فلمّا أراد الانصراف قلت: أوصني! - فنظر إلى رجليه ثمّ شمّر ثوبه، [و] أشار أن: اخدم وتواضع! - وكانت هذه صفة أبي العبّاس: يخدم كلّ شيء بجهده. فلمّا انقطع الشيوخ الذين كان يعرفهم خدم الفقراء.
وقال: لي نسبة من أربعة أنبياء: من العزير، ومن موسى، ومن إبراهيم، ومن محمد صلى الله عليه وسلم. فنسبتي من العزير: متّ ثمّ أحييت. ونسبتي من موسى: سماع الكلم أسمعته وشهدته- يعني أنّه رأى الكلام.
ونسبتي من إبراهيم: شهود حقائق الكواكب التي تجلّت عليه، وشهود ما شاهده بعد أفولها وتوجّه إليه (2).
وأمّا نسبتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرؤية لله تبارك وتعالى: أشهدني نفسه وقال: انظر هل تجد محلّا للزوجة والولد؟
قلت: لا وعزّتك يا ربّ!
قال: فأيّ شيء شهدته بعد هذا الشهود، إنّما هو عيد.
وكان سماعي الكلام وأنا ماش في سيوفيّي (3) القاهرة بعد أن أقمت في الخلوة سنتين، وأنا أمشي
بين الناس. ولو كان لي حكم أو قدرة، بنيت فيه مسجدا!
وقال: كنت في بدايتي رأيت كأنّي فوق سطح جبل، وإذا بموسى وعيسى عليهما السلام.
فأخذني موسى إليه وأدخل إصبعيه السبّابتين من يديه في أذنيّ. حتّى خرقهما والتقت إصبعاه في رأسي. فقال عيسى: لم فعلت هذا به؟
قال: لأجل صاحبه- يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الفعلة تمهيدا لسماع الكلام.
وقال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّة، فوجدته يكتب مناشير للأولياء بالولاية. وكتب لأخي محمّد منهم منشورا. فقلت: يا رسول الله، أما تكتب لي كما تكتب لأخي؟
فقال: أتريد أن تكون قهّارا؟ - وهذه لغة أندلسية تعني: طرقيّا (4).
[145 ب] وقال: ما من شيء أخبر عنه الكتاب والسنّة من الغيب إلّا شهدته.
وقال: شهدت في العالم الروحانيّ الأوّل العلويّ جميع ما ظهر في هذا الوجود الحسّيّ على صور نورانيّة روحانيّة، ظهرت هذه الحسّيّة في الوجود على مثالها.
فقيل: أيّ شيء من ذلك تبيّنه لي؟
قال: شهدت كلّ رسول وهو يخاطب قومه على صورة ما ظهروا في هذا الوجود.
قال ابن أبي المنصور: وكنّا نفهم من حديثه أنّ الغيب كأنّه خزانة خلفه، متى أراد الدخول إليه دخل، وبشريّته كالثوب متى أراد خلعه [خلعه].
قال: ولمّا سافر [ت] من المغرب إلى ديار مصر، عبرت على المهديّة، فوجدت فيها الشيخ
(1) الإكمال من الكواكب السيّارة 154.
(2)
التركيب هنا مختلّ.
(3)
في المخطوط: سيوفيين. وسوق السيوفيّين معروف (انظر الخطط 1/ 374).
(4)
لم نجد قهّارا بهذا المعنى عند دوزي.
أبا يوسف الدهمانيّ في رباطه على البحر. فبتّ عنده ثمّ سافرت. فلمّا وصلت إلى مصر وجدت فيها الشيخ [أبا عبد الله] القرشيّ، فتردّدت لميعاده [أيّاما] ولا أكلّمه. وإذا بالشيخ الدهمانيّ جاء من المغرب ونزل في حمى القرشيّ. فاتّفق أنّي لقيته وهو يحمل حاجة (1) له، وليس له من يخدمه، فعزّ عليّ، فجئت منزله وقلت له: يا سيدي، تأذن لي أن أخدمك ما دمت بمصر، بحيث تبقيني على الحال الذي أنا فيه؟
قال: افعل.
فخدمته، وكنت لا أتناول له شيئا. وكانت الحالة التي كنت مرادا بها في ذلك الوقت أنّي كنت في مخزن في فندق عند مسجد الهيثم بحيّ قشّ القصب الحلو، ومعي إبريق [وكنت] أكبّ (2) زنّار حرير بدرهم أودعه عند البيّاع فآخذ منه كلّ عشيّة رغيفا أفطر عليه إلى أن يفرغ [الدرهم]. وأنا صائم- فأكبّ [زنارا] غيره (3).
فاتّفق أنّ القرشيّ عمل لأبي يوسف وليمة ومدّ سماطا قعد عليه من حضر. وكان القرشيّ ضريرا.
وكنت أنا جالس [ا] إلى السماط ولم آكل شيئا.
فقال القرشيّ: يا قوم، من هذا الجالس ولا يأكل؟
قال له الخادم: أحمد الحرّار.
فسكت. فقال له أبو يوسف: لم لا تأمره بالأكل؟
قال: يا أبا يوسف، ما حكّمني في نفسه.
قال له أبو يوسف: أنا وجدته عندك.
قال له القرشيّ: هو رآك قبلي في المهديّة- ولم أكن أخبرت القرشيّ بذلك.
فسكت الاثنان.
ولمّا سافر أبو يوسف من مصر، خطبني القرشيّ لخدمته فامتنعت لأجل أخي- وكان من كبار الأولياء، وكنت أخدمه.
فقال القرشيّ: لا بدّ أن تخدمني- فوافقته، وكان حوله جماعة. فطلعت معه للقرافة وبتّ في خدمته تلك الليلة. فلمّا كان بعد الصبح قال لي:
يا أحمد، ما خلّاني أخوك البارحة أنام. امض إليه فقد آثرته بك.
فجئته وأخبرته فقال: صدق: البارحة، كنت أسأل الله عز وجل أن يقلب قلب القرشيّ حتى يتركك لي.
قال: وخرجنا جماعة من إشبيلية نريد السياحة. وكان من جملتنا محيى الدين محمد بن العربيّ، وحكّمنا أميرا للسنة رجلا يقال له ابن عمّار. فبينما نحن نمشي في البرّيّة، وإذا بالخضر أقبل. فلمّا رأيناه عرفناه، فكسا الجماعة صفة تعجيز وشاغلهم، وهو سائر يحادثهم، وهو يسلّم. فلم يستطع أحد منهم يردّ السلام سواي، وكلّ ذلك لآثار دعاو كانت عندهم.
وكنّا مرّة جالسين في مكان، وقد دخل علينا رجل لا نعرفه كسانا منه هيبة. فسلّم وركع.
والتفت للجماعة وقال: تصوّر سؤال: الوجود مملوء أم فارغ؟
فلم يجبه أحد. قال: آدم لمّا أكل من الشجرة، كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرا [أم غائبا]؟
فلم يجبه أحد. قال: لمّا خرجت حوّاء من ضلع آدم عليه السلام ما سدّ المكان الذي كانت فيه؟
(1) حاجة في اللهجات: شيء ماديّ يحمل أو معنويّ يقال.
(2)
كبّ الغزل: جعله كبّة.
(3)
الزيادة من الكواكب 153، والنبهانيّ 1/ 301.
فلم يجبه أحد. فسلّم ومضى. [وكان الذي سألهم الخضر عليه السلام](1).
وسأل الشيخ أبا العبّاس الرّعينيّ سائل فقال: أيّما أفضل: العقل أم الروح؟
فغيّب الشيخ أبو العبّاس ثمّ حضر فقال:
لمّا أسرى بالنبيّ صلى الله عليه وسلم صحبة جبريل عليه السلام انتهى به جبريل إلى حدّه، فوقف وقال: يا محمّد، ما منّا إلا وله مقام معلوم:
منذ خلقت، ما تعدّيت ههنا. فتقدّم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مقامه الذي اتّصل به. فكان [146 أ] جبريل روح [ا]، وكان محمد صلى الله عليه وسلم حين ذلك عقلا.
وقال: خرجت مرّة من إشبيلية وحدي لبلد آخر، وإذا شخص يشبه أهل اليمن سلّم عليّ، وصار يحادثني إن مشيت مشى وإن قعدت قعد، يقرأ سورة: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ. فبقي معي أيّاما. فقلت: من تكون، رحمك الله؟
قال: أنا مؤمن من مؤمني الجنّ أرسلت إليك أؤنسك- فلمّا وصلت إلى البلد الذي أردت، راح عنّي.
قال: كنت [في] حالة تجريدي بمصر أتردّد إلى مسجد قبالة مصنع الحفّارين بطريق القرافة أبيت فيه. وكنت أخرج في الليل أمشي في الجبّانة، فيكشف الله لي أحوال أهل القبور المنعّمين، وغيرهم من المعذّبين في اختلاف أحوالهم، فما رأيت أحسن من الجهة التي قبليّ الفتح.
قال ابن أبي المنصور: فلمّا أدركته الوفاة أشار إليّ بأن أحفر له قبرا. فاخترت له مكانا قبليّ الفتح. فدفنته فيه. وأخبرته قبل موته فقال:
أحسنت.
وقال: كنت يوما أصلّي في المسجد الذي أنا فيه، وإذا أنا أبصر وراء الحائط ثلاثة من الأبدال عابرين المسجد. فلمّا وصلوا قبالة المسجد، قال بعضهم لبعض: هذا رجل في المسجد. ليدخل منّا واحد ليبصره. فجاء واحد منهم للحائط الذي فيه الباب، فدخل من الحائط حتى جاء إليّ فوجدني قائما في الصلاة فغسلني وخرج من الحائط وأخبر أصحابه وأنا أبصر إلى أن انصرفوا.
وكان لباسهم جلدا.
وقال: مرضت مرّة في إشبيلية. فكنت مضطجعا، وإذا أنا أشهد طيورا كبارا ملوّنة يرفعون أجنحتهم دفعة واحدة ويضعونها وضعا واحدا، وأشخاص على أيديهم أطباق مغطّاة فيها تحف.
فوقع لي أنّها تحفة الموت (2). فاستقبلتها وتشاهدت. فقال لي واحد منهم: أنت ما جاء وقتك. هذه تحفة لمؤمن غيرك جاء وقته. ولم أزل انظر إليهم إلى أن غابوا.
وكنت مرّة في المسجد الذي أصلّي فيه بمصر، وقد عبر المتولّي في ذلك الوقت في زمن الملك العادل الكبير، كان يقال له فخر الدين إسماعيل.
فسمعت مخاطبة: هذا في معالجتك في الظاهر، وأنت قبالته في الباطن (3).
وكان إذا صلّى في محراب هذا المسجد ينحرف يمينا. فسئل عن ذلك فقال: أنا أصلّي إلى الكعبة عيانا وأميل معها.
وقال: خطر للملك الكامل أن يخرج المغاربة من ديار مصر لوهم وقع له فيهم. فنادى فيهم بالخروج نداء مقلقا. فتغيّر باطني عليه بسبب ذلك. ثمّ إنّه رجع عنه. فلمّا حججت بعد، وأنا
(1) الزيادات من الكواكب السيّارة 154. ح
(2)
هكذا في المخطوط، ولا ندري ما المقصود بالتحف.
(3)
هذه الفقرة غامضة.
في الطواف، تذكّرته. فهممت أن أدعو عليه.
فقيل لي: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها. فدعوت له.
وكنت مرّة على ساحل نيل مصر، وإذا بجنديّ طلب قياسة (1) يعدّي فيها. فخاف صاحب القياسة من سخرته، فأخرجها من البرّ ليهرب بها. فلحقه الجنديّ فضربه في رأسه بالمقرعة. فهممت بالدعاء عليه، فقيل لي: ما حاجة تدعو إليه. بهذه الصف [ع] ة أعامله غدا على الصراط.
وكنت في بعض السياحات أحتاج إلى الاستجمار. فأخذت مرّة حجرا لأستجمر به.
فقال الحجر: سألتك بالله لا تنجّسني! فتركته، وأخذت غيره فقال لي كذلك. فتذكّرت ما رتّبه الشارع في ذلك. فأخذت الحجر وقلت له:
أمرني الله أن أتطهّر بك، وهو خير لك.
وكنت تركت أخي بمكّة وجئت إلى مصر.
فبعد ذلك جاءني ودخل البيت الذي كنت فيه.
ففرحت بقدومه. وقال لي: يا أخي، أنا جائع.
فقلت له: يا أخي، ما أملك [146 ب] شيئا، ولا أتكلّف شيئا، ولا أسأل أحدا شيئا.
فآخر كلامي معه بذلك، وإذا بعصفور كبير دخل من شبّاك البيت وألقى في حجري قيراطا كبيرا. فأخذته واشتريت له به أكل [ا].
وقال: لم أزل أتسبّب في الحرير إلى أن نهيت عن السبب. فبقيت ولم أتركه، تواضعا للعلم وسترا للحال، إلى أن قيل: تتركه وإلّا أعميناك- فتركته.
وقال ابن أبي المنصور: وعاش بعد ذلك عدّة سنين متّسع الدائرة بالعيال والأتباع، واسع النفقة.
وكان كريما ينفق من جيبه مالا يضعه فيه. ومات
ولم أجد له درهما واحدا.
ولمّا عزل عماد الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد العليّ ابن السكّريّ من قضاء القضاة، وتدريس الشافعيّ، وتدريس المشهد الحسينيّ، وخطابة القاهرة، لم يبق بيده سوى تدريس منازل العزّ بمصر، ثمّ أخذ منه.
فشكا ذلك للشيخ أبي العباس وأنّه لم يشقّ عليه إخراج شيء من مناصبه سوى منازل العزّ لكونها سكن عائلته، وهم كثير. فقال له الشيخ: يكون الخير.
فلما كان تلك الليلة وأصبح الشيخ قال: اليوم العصر يردّ للعماد مدرسته.
فسئل: كيف الخبر؟
فقال: قمت البارحة لوردي أصلّي، وقد خبّأته في زاوية من باطني، فقيل لي: غدا العصر تردّ عليه مدرسته.
فلمّا كان العصر جاءه توقيع جديد بها من غير سعي.
وقال له العماد: يا سيّدي، عندي جارية حامل.
فقال له: تضع غلاما اسمه عبد العزيز.
فوضعت فخر الدين عبد العزيز، درّس بعده بمنازل العزّ وولي خطابة القاهرة.
وقال ابن أبي المنصور (2): وتزوّج الشيخ أبو العبّاس على رأس أربعين سنة، بعد أن قيل له:
تزوّج، ففي ظهرك ولد نريد إخراجه.
(1) القياسة: زورق ثقيل للملاحة على الأنهار (دوزي).
(2)
صفي الدين الحسين بن علي بن أبي المنصور الصوفيّ المالكيّ: كان من بيت وزارة فتجرّد وسلك طريق أهل الله على يد أبي العبّاس الحرّار المغربيّ، وتزوّج ابنته- الخطط 4/ 295. (2/ 428) وصنّف كتاب الرسالة في تراجم عدّة من المشايخ (ت 682).
فتزوّج، ورزق أولادا، منهم ابنته التي زوّجنيها، وبعدها ولد أسماه أحمد، مات وهو صغير.
وكان، رضي الله عنه، يصلّي في مسجد، وكان ابن الواقف يقال له النجيب، يخدم بعض الأمراء.
فقبض عليه ذلك الأمير، فبعث يستجير بالشيخ.
فقال: لا أعرف أميرا ولا وزيرا. ما أقصد إلّا الله!
وطلع إلى المسجد بالقرافة، وصلّى فيه متوجّها إلى الله تعالى في حقّ صاحبه. فما جاء آخر النهار حتى أفرج عنه من غير سعي.
وجاء جماعة إلى الشيخ عند موته، فسألوه الدعاء للمسلمين بالنصرة على العدوّ، وكان الفرنج في دمياط [في] نوبة الملك العادل. فقال:
اللهم اجعلني فداء المسلمين!
فكان موته يوم كسرهم، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان سنة ستّ عشرة وستّمائة.
وكتب له الشيخ محيى الدين محمد بن العربيّ كتابا من دمشق، فيه: يا أخي، أخبرني بما تجدّد لك من الفتح.
فأجابه: جرت أمور، وردت عربيّة النظر، عجميّة الخبر.
فكت له ابن العربيّ: يا أحمد، توجّه إليّ بها بباطنك، أجيبك عنها بباطني.
فعزّ ذلك عليه. وكتب له: أشهدت الأولياء دائرة مستديرة، وفي وسطها اثنان، أحدهما الشيخ أبو الحسن بن الصبّاغ، والآخر رجل أندلسيّ.
فقيل لي: أحد هذين هو الغوث- فبقيت متحيّرا لا أعلم من هو فيهما. فظهرت لهما آية، فخرّا ساجدين، فقيل لي: الذي يرفع رأسه أوّلا هو القطب الغوث- فرفع الأندلسيّ رأسه أوّلا، فتحقّقته، فوقفت إليه [و] سألته سؤالا بغير حرف ولا صوت. فأجابني بنفثة نفثها أخذت منها جوابي. وسرت بشائر [ل] دائرة الأولياء أخذ منها كلّ وليّ بقسطه. فإن كنت يا أخي بهذه المثابة تحدّثت معك من مصر.
فلم يعد يكتب له في ذلك شيئا.
وكتب إليه الشيخ أبو الحسن ابن الصبّاغ كتابا نصّه بعد البسملة: من عليّ بن حميد للأخ في الله تعالى [147 أ] أبي العبّاس أحمد. أيّها الأخ الغريب في وقته، اسمع ثناي عليك، وشكايتي إليك: قد خلت المحاريب من المتهجّدين، وتداعت بالخراب مساجد الراكعين والساجدين، وأصبحت ديار الحقّ أطلالا، وصاحب الدين ممقوتا، وصاحب المال مرفوعا، واستطال الغنيّ على الفقير، وتغلّب كلّ شيطان مريد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبح الداعي إلى الله تعالى مهجورا، وأمسى الداعي إلى الهوى متبوعا. فطوبى لمن أطلق لسانه بذكر الله عز وجل، وطهّر قلبه ممّا سوى الله، وامتلأ سرّه بمحبّة الله عز وجل، وانطوى ضميره بنيّة الخير لعباد الله، وهشّت روحه شوقا إلى الله عز وجل، وكتفت نفسه بعلم الله تعالى، وكان له سرّ حسن مع الله.
يا أخي، خذ ما صفي، ودع الكدر، فما العيش إلّا في الصفاء. واعرف قدر العافية، واشكر عليها، وارض بالله كفيلا يكن لك وكيلا. وعظّم الله تعظم به، واذكره تذكر به.
والسلام معاد عليك وعلى جميع من لديك، ورحمة الله وبركاته. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله.
فقيل للشيخ أبي العبّاس: ما العافية التي تعرف قدرها والشكر عليها؟