الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتحرير كما بينته في (شرط اتصال السند): أن قبول الوجادة والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود، وعليه فلا تعد الرواية بها مما يقدح في الراوي لأجله.
الصورة الثالثة: الجرح بسبب التحمل في الصغر
.
تقدم في الفصل السابق بيان صحة تحمل الصغير إذا كان مميزاً، وضبط ما تحمله، فالقدح في الراوي بسبب صغر السن لا أثر له بمجرده، ولا يصلح أن يكون سبباً للجرح، وإنما إذا ثبت أن السن لم يكن سن ضبط، والراوي حدث بالشيء مما لم يضبطه لذلك، كان ذلك مؤثراً، لكنا لم نجد في التحقيق له مثالاً صالحاً ترجع علته إلى مجرد هذا.
وقد تكلم في بعض الرواة لهذه العلة، كما ذكرت بعض مثاله حيث أشرت.
قال أحمد بن أبي الحواري (وهو ثقة): قلت للفريابي: رأيت قبيصة (1) عند سفيان؟ قال: " نعم، رأيته صغيراً ". قال أبو زرعة الدمشقي: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير، فقال:" لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه "(2).
قلت: يعني أنه لم يضره أن كان صغيراً حين سمع من الثوري.
الصورة الرابعة: ما يعود إلى جحد الشيخ أن يكون حدث بالحديث، أو تركه القول بمقتضاه
.
فهاتان حالتان:
الأولى: الراوي يروي عن رجل حديثاً، فيسأل المروي عنه فينكره، أو ينكر أن يكون ذلك الراوي قد سمع منه، فذلك الخبر لا يقبل من ذلك
(1) يعني ابن عُقبة.
(2)
تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (1/ 580).
الطريق، ولكن لا يعد هذا سبباً للطعن على ذلك إذا كان ثقة ضابطاً؛ لجواز النسيان على المحدث، إلا أن يعتضد الجرح بذلك بما يشهد له، أو أن يكون التلميذ لم تستقر ثقته.
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: أن يحدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل، فيسأله عنه، فينكره ولا يعرفه؟ فقال:" لا، ما يضعف عندي بهذا "(1).
والعلة في ذلك كما ذكرت: أن النسيان غير مأمون على الراوي، وإن كان ثقة، وإنما العبرة بإتقان من حفظه عنه.
ووقوعه في رواية الثقات نادر قليل.
مثاله: ما رواه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كره يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها.
قال وكيع: سألت ابن جريج؟ فأنكره، ولم يعرفه (2).
قلت: فمن ذا يجرؤ أن يطعن بهذا على سفيان الثوري؟! إنما يحمل على نسيان ابن جريج له.
(1) أخرجه الخطيب في " الكفاية "(ص: 543) وإسناده صحيح.
(2)
أخرجه في " العلل ومعرفة الرجال "(النص: 1381) وعنه: ابنُ أبي خيثمة في " أخبار المكيين " من " تاريخه "(ص: 361). كما أخرجه يعقوب بن سفيان (2/ 832) ومن طريقه: البيهقي في " الكبرى "(7/ 314) من طريق أبي نُعيم وقبيصة عن الثوري، به.
كما نقل عن أحمد ما حكاه عن وكيع عن ابن جريج من إنكاره.
والثوري لم يتفرد به عن ابن جريج، إنما تابعه عليه: سفيان بن عيينة، عند سعيد بن منصور (رقم: 1428)، وعنه: يعقوب بن سفيان (2/ 832 _ 833) ومن طريقه: البيهقي، وحفص بن غياث عند ابن أبي شيبة (5/ 5 / 122). وتابعهم ابن المبارك عن ابن جريج به في سياق مطوًّل وقصةٍ، أخرجه يعقوب بن سفيان (2/ 833) والبيهقي (7/ 314).
وتأول البيهقي إنكار ابن جريج أنه كانَ على اللفظ، وفيه نظرٌ، إنما ظاهرهُ أنه أنكر أن يكون حدَّث به.
ومن مثاله: ما حدث به حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحداً قال بقول الحسن في: (أمرك بيدك)؟ قال: لا، إلا شيء حدثناه قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته؟ فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرته لقتادة، فقال: بلى، ولكنه نسي (1).
قلت: وهل يقبل ذلك الحديث بعينه؟
على قولين:
الأول: يقبل، والعمدة فيه على الحفظ الثقة، والشيخ قد نسي.
والثاني: لا يقبل، من أجل الشبة، وهو قول متأخري الحنفية (2).
والأول هو الصحيح، وهو قول أهل الحديث، وعامة الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وصححه الخطيب (3).
فإذا كان الراوي جازماً أن الشيخ حدثه، والشيخ يقول: لم أحدثك، فالقول قول الراوي المعروف بالثقة والإتقان، والشيخ قد نسي.
(1) أخرجه أبو داود (رقم: 2204) والترمذي في " الجامع "(رقم: 1178) و " العلل الكبير "(1/ 462 _ 463) والنسائي (رقم: 3410) والحاكم (2/ 206 رقم: 2824) والبيهقي في " الكبرى "(7/ 349) والخطيب في " الكفاية "(ص: 220) من طرُقٍ عن سليمان بن حرْب، عن حماد، به.
قال الترمذي: " لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، وسألت مُحمداً (يعني البخاري) عن هذا الحديث؟ فقال: حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف. ولم يعرف مُحمدٌ حديث أبي هريرة مرفوعاً ".
وقال النسائي: " حديث منْكرٌ ".
وقال البيهقي: " كثيرٌ هذا لم يَثبت من معرفته ما يوجب قبول روايته ".
لكن قال الحاكم: " حديث غريب صحيح ".
والذي يبدو لي أن من ردَّه ولم يُفصَّل فجائزٌ أن يكون من أجْل إنكار كثيرٍ أنه حدَّث به.
(2)
الكفاية (ص: 541).
(3)
الكفاية (ص: 541).
وأولى من ذلك بالقبول حين يكون الشيخ متردداً غير جازم بالإنكار، فيكون حفظ الثقة مرجحاً، ومن هذا لو أن الشيخ قال لراويه عنه: لم أحدثك، فرد وقال،: بل حدثتني، فأقره الشيخ.
مثل: ما حدث به محمد بن جعفر غندر، قال: حدثنا شعبة، عن صدقة، قال: سمعت ابن عمر، وسأله رجل، فقال: إني أهللت بهما جميعاً، قال:" لو كنت اعتمرت كان أحب إلي "، ثم أمره فطاف بالبيت وبالصفا وبالمروة، وقال:" لا يحل منك شيء دون يوم النحر ". ثم إن شعبة نسي هذا الحديث، فقلت له: إنك حدثتني به، قال: إن كنت حدثتك به فهو كما حدثتك (1).
وربما وقع من الشيخ من بعد أن يحدث بذلك الحديث عن راويه عنه عن نفسه.
مثل: ما حدث به عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.
قال عبد العزيز: فذكرت ذلك لسهيل، قال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة، أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلاً علة أذهبت ببعض حفظه، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه (2).
قلت: وهذه المسألة غير تراجع الشيخ عما حدث به مبيناً عن خطئه، فإنه لو فعل ذلك فالقول قوله.
(1) أخرجه الخطيب في " الكفاية "(ص: 331) وإسناده صحيح. وصدقةُ هُو ابنُ يسار الجزري نزيل مكَّة.
(2)
أخرجه الشافعي في " مُسنده "(2/ 179 _ ترتيبه) ومن طريقه: البيهقي في " الكبرى "(10/ 168) والخطيب في " الكفاية "(ص: 331 _ 332) عن عبد العزيز. كما رواهُ غير الشافعي كذلك بهذه القصة، وغير عبد العزيز عن ربيعة وذكر قصة نحوها.