الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين: أن السلف، رضي الله عنهم، قد سبق من بعضهم في بعض كلام، كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد
…
، ومنه على جهة التأويل، مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً، لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان وحجة توجبه " (1).
وهل يؤثر تعديل الأقران أيضاً على اعتبار أن المعدل قد يميل لشخص لموافقة في الرأي والمذهب مثلاً، فيثني عليه ويعدله؟
الواقع العملي لا يكاد يثبت وجود أثر لمثل ذلك، بل الأمثلة لا تكاد تحصى في تعديل المخالف وجرح الموافق.
المقدمة السادسة: وجوب اعتبار مرتبة الناقد مقارنة بمخالفة
.
وذلك بأربع اعتبارات:
الاعتبار الأول: قلة الكلام في النقلة وكثرته.
وهو قدر اعتناء الإمام الناقد بتعديل الرواة وتجريحهم، فإن من أثر عنه تتبع ذلك والاعتناء به، لا يوضع في درجة واحدة مع من لم يؤثر عنه من البيان لذلك إلا اليسير، وبهذا الاعتبار قسمهم الذهبي إلى ثلاثة أقسام:
1 _
من تكلموا في أكثر الرواة، كيحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي.
2 _
من تكلموا في كثير من الرواة، كمالك بن أنس، وشعبة.
3 _
من تكلموا في الرجل بعد الرجل، كسفيان بن عيينة، والشافعي (2).
(1) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/ 1093 _ 1094)، وقد عقد لهذه المسألة في هذا الكتاب باباً مُفيد، فُليراجع.
(2)
ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل (ص: 158).
الاعتبار الثاني: التشدد والاعتدال والتساهل.
وقسم الذهبي الناقد باعتبار هذا المعنى إلى ثلاثة أقسام، فقال:
" قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصاً، فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب.
وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون.
وقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي، متساهلون.
وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي، معتدلون منصفون " (1).
قلت: هذا الذي مثل به الذهبي من ذكر هؤلاء الأعيان صحيح في الجملة بالنظر إلى ما وقع من كلامهم، في النقلة، لكنك تحتاج إلى مراعاته عند اختلاف الجرح والتعديل، لا مطلقاً، فإن أقوال هؤلاء جميعاً الأصل فيها الإعمال والاعتبار، والذهبي نفسه اعتمد على جرحهم وتعديلهم في كتبه.
وإلا فمن ذا يجافي كلام العارفين بنقلة الحديث، من أمثال يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والنسائي، مع ما عرف عنهم من التشديد؟!
(1) ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل (ص: 158 _ 159).
فالقطان كان قل من يرضى من الرواة، كما قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة: كيف هو؟ قال: " تريد العفو أو تشدد؟ "، قلت: بل أشدد، قال:" فليس هو ممن تريد، كان يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (1)، قال يحيى: " وسألت مالكاً عنه؟ فقال فيه نحواً مما قلت لك " (2).
وابن معين كانت تحمله الغيرة على حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يقول من العبارة ما يتحصل المقصود بدونه، ككلامه في سويد بن سعيد وعلي بن عاصم.
وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة، فوثقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه، فقال:" يا بني، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشد من شرط البخاري ومسلم "(3).
ولكن الشأن فيما إذا تعارض قول أحدهم مع قول ناقد سواه، فنلاحظ ما يحتمل وروده بسبب ما عرف عنهم من الشدة، كما نلاحظ من آخرين ما يمكن أن يكون في تعديلهم، بسبب ما ذكروا به من التساهل، كابن حبان.
الاعتبار الثالث: النظر والإنشاء، للمتقدمين، والتحرير والترجيح، للمتأخرين.
والمقصود أن لا تقيم التعارض مثلاً بين جرح أبي حاتم الرازي وتوثيق الذهبي، من أجل أن أبا حاتم إنما جرح بمقتضى بحثه ودرايته بحال الراوي واختبار حديثه، والذهبي وثق ترجيحاً لقول من خالف أبا حاتم من النقاد، باتباع قوانين الترجيح التي نحن في صدد بيانها.
(1) يعني كانَ يجمع الشيوخ.
(2)
أخرجه ابن عدي في " الكامل "(7/ 456) والعُقيلي في " الضعفاء "(4/ 108) وإسناده صحيح، وهو في " الجرح والتعديل "(4/ 1 / 31) باختصار.
(3)
شروط الأئمة الستة، لابن طاهر (ص: 104).
وإنما يقوم التعارض بين كلام المنشئين.
الاعتبار الرابع: الناقد العارف في جرح وتعديل أهل بلده.
وهذا وجدنا له الأثر في أن الناقد إذا عدل أو جرح بلديه كان أصح مذهباً فيهم من الغرباء، ولا يستغرب ذلك، فكونه من أهل داره يوجب مزيد اطلاع.
قال حماد بن زيد: " بلدي الرجل أعرف بالرجل "(1).
قال أبو بكر المروذي: سألت (أحمد بن حنبل) عن قطن الذي روى عنه مغيرة؟ فقال: " لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة "، قلت: إن جريراً ذكره بذكر سوء، قال:" لا أدري، جرير أعرف به وببلده "(2).
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في سعيد بن بشير؟ قال:" أنتم أعلم به "(3).
وقال ابن عدي في (شقيق الضبي): " كان من قصاص أهل الكوفة، والغالب عليه القصص، ولا أعرف له أحاديث مسندة كما لغيره، وهو مذموم عند أهل بلده، وهم أعرف به "(4).
وكان محمد بن عبد الله بن نمير من نقاد الكوفيين، قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان في شيوخ الكوفيين: " ما يقول ابن نمير فيهم؟ "(5).
(1) أخرجه الخطيب في " الكفاية "(ص: 175) بإسناد جيد.
(2)
العلل، رواية المروذي (النص: 98)، وجريرٌ هوَ ابنُ عبد الحميد.
(3)
تاريخ أبي زُرعة (1/ 540)، وإنما قال أحمد ذلك لأن سعيداً هذا دمشقي.
(4)
الكامل (5/ 71).
(5)
أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ في " التقدمة "(ص: 320) عن ابنِ الجنيد.