الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العمدة فيه السماع، فعليك بضبطها وتجويدها وحفظ مواضع اجتماعها وافتراقها تسلم من اللحن والتصحيف.
وقد نبهت سالفاً على أسماء أهم المصنفات المفيدة في هذا الفن، وفي " إكمال " ابن ماكولا، ثم " تكملة " ابن نقطة، ثم " توضيح " ابن ناصر.
السبب الثاني:
الاشتراك
وربما صار بك إلى جرح عدل، أو تعديل مجروح، كما يكون سبباً في أن يدخل على الراوي ما ليس من حديثه.
والطريق إلى معرفة ذلك بتمييز ما اصطلحوا عليه بـ (المتفق والمفترق).
وهو فن يعسر فهمه وتحتاج معرفته إلى يقظة شديدة، فإن الرجل تراه في الإسناد، فتبحث عن ترجمته، فتجد في التراجم من هو مسمى بنفس اسمه، ولا تجد في الإسناد من العلامة ما يساعدك على تمييزه، فكيف الطريق إلى معرفته؟
تقدم أن النظر في الشيوخ والتلاميذ يساعدك على كشف الالتباس عن كثير من الرواة ممن هذه صفته، لكنك قد لا تصل إلى ذلك بمجرد هذا الطريق لعدم وجود الاستقصاء لجميع شيوخ الراوي أو تلاميذه عادة على ما علمت شرحه، أو ترى الراويين يشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أي: تتحد طبقتهما، فيبقى لك أن تميزه بمعرفة هذا الطريق.
اعلم أن الاتفاق والافتراق في أسماء الرواة ممن تذكر أسماؤهم غير مميزة بما يدفع الاشتباه؛ يرجع إلى صور ثلاث:
الأولى: الاتفاق في الاسم مع الافتراق في الطبقة.
مثاله: (حيوة بن شريح) رجلان، أحدهما من طبقة الأولى من أتباع التابعين، من أقران الليث بن سعد ومالك بن أنس وأقدم منهما قليلاً، وهو من أعيان المصريين.
والثاني من شيوخ البخاري والدارمي وأبي داود، من الشاميين، يروي عن بقية بن الوليد وطبقته.
وكلاهما يأتي ذكره كثيراً في الأسانيد (حيوة بن شريح) من غير علامة مفسرة.
فهذا النمط يسهل تمييزه بتمييز الطبقة.
وقد يكون الراويان المشتركان عدلين كهذا المثال، فيكون محذور الغلط في تمييزه أخف منه حين يكون أحدهما مجروحاً والآخر ثقة.
مثل: (سعيد بن سنان) راويان معروفان، البُرْجُمي كوفي ثقة صدوق، والآخر أبو مهدي، شامي متروك الحديث.
لكن البرمجي متأخر الطبقة عن الشامي.
والثانية: الاتفاق في الاسم مع اتحاد الطبقة، لكن مع وجود علامة تساعد على التمييز بمراجعة التراجم المشتبه في كتب الرواة.
مثاله: (عبد الرحمن بن إسحاق) رجلان من طبقة واحدة يأتيان في الأسانيد غير مميزين، أما أحدهما فهو كوفي ضعيف الحديث، وأما الآخر فهو مدني نزل البصرة صدوق، ولا يشتركان في الشيوخ، فحديث الأول عند الكوفيين وحديث الثاني عند البصريين.
قال الحافظ محمد بن سعيد وذكر الأول في الكوفيين: " عبد الرحمن بن إسحاق، ويكنى أبا شيبة، وكان ضعيف الحديث، روى عن الشعبي، وهو الذي روى عنه أبو معاوية الضرير والكوفيون، وعبد الرحمان بن إسحاق المديني أثبت منه في الحديث، وهو الذي روى عنه إسماعيل بن علبة والبصريون "(1).
(1) الطبقات الكبرى، لابن سعد (6/ 361 _ 362).
ويقرب منه في إمكان الفصل مثل: (إسماعيل بن أبان) رجلان، أحدهما (الوراق) والثاني (الغنوي)، كلاهما كوفيان، واشتركا في شيء قليل من الشيوخ والتلاميذ، والغنوي أقدم قليلاً، ولعله لا يأتي إلا منسوباً فلا يشق التمييز.
قال يحيى بن معين: " إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه ، وإسماعيل بن أبان الوراق ثقة "(1).
وهذا النمط من الرواة يمكن التوصل إلى تمييز المقصود منهم ببعض البحث المتحري بتأمل بلد الراوي أو شيوخه وتلاميذه.
فإن لم يتميز فلاحتمال أن يكون المجروح، يجب التوقف عن قبول تلك الرواية.
والثالثة: الاتفاق في الطبقة والبلد والاشتراك في بعض الشيوخ والتلاميذ، مما يجعل عملية الفصل بينهما شاقة في كثير من الأحيان يحتاج الباحث معها إلى قرينة تصير به إلى أي ترجيح.
مثاله: (حماد) ابن زيد، و (حماد) ابن سلمة، كلاهما من طبقة واحدة، ومن بلد واحد فهما بصريان، واشتركا في طائفة من الشيوخ رويا عنهما جميعاً، مثل:(أيوب السختياني، وثابت البناني، وحميد الطويل، وأبي عمران الجوني، وغيرهم)، كما اشتركا في طائفة من التلاميذ رووا عنهما جميعاً، منهم:(عفان بن مسلم، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وغيرهم).
ولا إشكال عند مجيء اسم أحدهما منسوباً إلى أبيه، وإنما في وروده مهملاً من القيد المفسر.
وههنا فصل مفيد أورده الحافظ الذهبي في ترجمة (ابن زيد)، قال:
(1) أخرجه الخطيب في " الكفاية "(ص: 528) بإسناد صحيح.
" اشتركا الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعاً جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن، وذلك قليل، لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو تقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعاً.
فمن شيوخهما معاً: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.
وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل، لكن ما له عن حماد بن زيد سوى حديث واحد، ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم.
والحفاظ المختصون بالإكثار وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد ، وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمرو بن عاصم.
والمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن الديني، وأحمد بن عبادة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي،
وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولوين، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم.
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن (حماد) وأبهمه علمت أنه ابن زيد، وأنه لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما فقال:(حدثنا حماد) وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو، فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك؛ ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به.
ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن المنهال، وهدبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب، فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا:(حدثنا حماد) فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي:(حدثنا حماد) فهو ابن سلمة، فهو روايته، والله أعلم.
ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عينية صغار لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى فقال:(حدثنا سفيان) وأبهم، فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري وأدرك ابن عيينة فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس " (1).
هذا الذي حكيت لك عن الذهبي مثال لاشتراك الثقتين.
(1) سير أعلام النبلاء (7/ 464 _465)، وسبقه إلى بَعض هذا المزِّي في " التهذيب "(7/ 269).
أغمض منه اشتراك ثقة ومجروح.
ومثاله: (عبد الكر يم) رجلان من طبقة واحدة، يأتي ذكرهما في بعض الأسانيد مهملين من العلامة المساعدة على التمييز، ويشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أما أحدهما فهو عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية متروك الحديث، والثاني عبد الكريم بن مالك الجزري ثقة، رويا جميعاً عن سعيد بن جبير، وطاوس اليماني، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد، ونافع مولى ابن عمر، وروى عنهما جميعاً عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله القاضي.
فهذا النمط إذا جاء مهملاً فإما أن تجد قرينة خارجية مساعدة في تفسير المقصود، أو تعذر التمييز، وعليه فالمصير إلى التوقف في شأنه.
تنبيه:
يقع الالتباس في بعض أسماء الرواة من جهة مظنة القلب فيها، حيث تأتي على خلاف المعروف من الأسماء، فيظن الظان أنها جاءت على الغلط، وإنما هي أسماء لرواة آخرين جاءت على العكس من أسماء مشهورة في التقديم والتأخير في الاسم واسم الأب.
مثالها: في الرواة (مسلم بن الوليد) وهو ابن رباح، مدني، من أتباع التابعين، وليس هو بالمشهور، فانقلب على البخاري، فسماه (الوليد بن مسلم)، وخطأه فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرويان (1)، وهو على القلب يشارك راويين مشهورين في الاسم واسم الأب، كلاهم يدعى (الوليد بن مسلم)، أحدهما بصري، والآخر الشامي المعروف.
(1) بيان خطأ البخاري، لابن أبي حاتم (ص: 130) والجرح والتعديل، له (4/ 1 / 197).
وكان أئمة الحديث يتحرون تمييز هذا النوع من الرواة:
أخرج الترمذي قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، عن عائشة، قالت:
لا أغبط أحداً بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى لله عليه وسلم.
في الرواة (العلاء بن عبد الرحمن) يروي عن أبيه عن الصحابة، وهذا هنا (عبد الرحمن بن العلاء) يروي عن أبيه عن الصحابة، وحيث إن الأول (العلاء عن أبيه) أشهر، وهو معروف بمولى الحرقة، فربما ظن الظان أن الثاني الوارد في إسناد الترمذي الذكور غلط وقلب، لذا قال الترمذي بعد روايته:
سألت أبا زرعة فقلت له من: عبد الرحمن بن العلاء هذا؟ فقال: هو عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج (1).
تتمة:
ولا تعجزن عن زيادة البحث والتنقيب عما يشتبه، حتى تقف على اليقين بدليله وحجته ما أمكنك، ولا تقنعن بالوقوف على أصل ينفرد لك بالدلالة على ما تبحث عنه حتى تعدم بغيتك في غيره، إلا أن يقطع بحجته النظر.
وذلك أن طائفة من كبار النقاد بذلوا من الوسع غايتهم، لكن الكمال ميؤوس منه للبشر، فجاء بعدهم من أهل صنعتهم من استدرك وناقش، وحلل واستدل، ووهم وسلم، وزاد وأفاد، وكان لإمام الصناعة حافظ دار
(1) الجامع، للترمذي (رقم: 979)، والشمائل، له (رقم: 371).
السلام، بل إمام دار السلام في هذا الفن أبي بكر الخطيب، أن أتى بتحرير لا ينقضي من حسنها العجب، في هذه الأبواب المشكلة.
ومن أنفع ما صنف فيها كتاب " الموضح لأوهام الجمع والتفريق "، تعقب فيه كبار أئمة هذا العلم، رحمهم الله.
* * *