الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع:
تحرير القول في الرواة المسكوت عنهم
علمنا أن منهج أهل العلم بالحديث لتمييز أهلية الراوي أو عدمها فيما يرويه، هو اختبار حديثه، وهذه المنهجية كانت طريقهم لتعديل أو جرح أكثر الرواة.
فحين ترى مثلاً الإمام علي بن المديني يقول في رجل روى عنه يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم: " مجهول "، بينما قال في (خالد بن سمير) ولم يرو عنه غير الأسود بن شيبان:" حسن الحديث "(1)، فإنما قال " مجهول " في راو لم يتبين مما رواه منزلة حديثه، وحين تبين في الآخر ضبطه نعته بحسن حديثه.
ونحن نجد طائفة من الرواة ممن ذكروا في كتب تراجم الرواة، أو وقفنا على أسمائهم فيما رووه من الحديث، لم يؤثر عن نقاد المحدثين شيء في تعديلهم أو جرحهم، فهؤلاء يقول فيهم الواحد من المتأخرين مثلاً:(فلان ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً)، ومنهم من يجعل ذلك بمجرده سبباً لرد رواية ذلك الراوي، ومنهم من يعد سكوت الناقد عن أحدهم تعديلاً له، من جهة أنه لو وقف في أحدهم على الجرح لذكره.
(1) انظر: شرح علل الترمذي، لابن رجب (1/ 83 _ 84).
وحيث إن محل ما يتعلق به المتأخرون في الغالب في الاعتداد بالسكوت عن الراوي الديوانان العظيمان في تاريخ الرواة: " التاريخ الكبير " للبخاري، و " الجرح والتعديل " لا بن أبي حاتم، فإليك تحرير القول فيهما، وخذ من ذلك أنموذجاً لغيرهما:
" التاريخ الكبير " للبخاري:
من تأمل هذا الديوان وجد أن البخاري اجتهد في استقصاء أسماء من بلغه ممن روى العلم إلى زمانه، وهو كتاب مليء بالعلم، وما يتصل منه بموضوع الجرح والتعديل، يجب أن يؤخذ بالاعتبار في شأنه ما يلي:
أولاً: لم ينص فيه على خطته، إنما تركها للناظر فيه.
ثانياً: لم يلتزم فيه ذكر التعديل في الرواة، وإنما يرد ذلك أحياناً قليلة جداً.
ثالثاً: التزم أن يذكر الجرح في المجروحين، وذلك من جهة ما يحكيه من عبارات بعض الأئمة قبله، وتارة بعبارة نفسه، وتارة بنقد رواية ذلك الراوي فيستفاد من خلال ذلك النقد جرحه عند البخاري، ولا يلزم بأنه جرح عدداً يسيراً جداً من الرواة سكت عنهم في (التاريخ) وقدح فيهم في محل آخر، فالحكم للغالب الأعم.
رابعاً: لم يجر على الجرح بالجهالة، إلا ما يمكن أن يدل عليه قوله في مواضع في الراوي:" فيه نظر "، فإن التتبع يدل على أن طائفة ممن قال فيهم البخاري ذلك هم في جملة المجهولين.
وقد قال ابن عدي: " مراد البخاري أن يذكر كل راو، وليس مراده أنه ضعيف أو غير ضعيف، وإنما يريد كثرة الأسامي "(1).
(1) الكامل (3/ 267).
وهذا المعنى ذكره ابن عدي فيما يزيد على ثلاثين موضعاً من " الكامل ".
وهو نص من إمام عارف ناقد، أن إدخال الراوي في " التاريخ الكبير " لا يعني بمجرده جرحاً ولا تعديلاً.
لكن لكون البخاري قلما ترك بيان الجرح لمن هو مجروح، فلو قال قائل: من سكت عنهم البخاري فغير مجروحين عنده، وإنما هم عدول، واحتمل في القليل منهم أن لا يكونوا من المشهورين، فيلحقون بالمستورين، لكان هذا قولاً وجيهاً.
نعم، لا يصح أن يطلق بتوثيق من سكت عنه البخاري بمجرد ذلك.
" الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم الرازي:
فسر ابن أبي حاتم خطته في كتابه " الجرح والتعديل " وبين منهجه ولم يدعه للتخمين، فقال:" ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله "(1).
وينبغي أن يلاحظ من عبارة ابن أبي حاتم، أن من سكت عنهم لا يلحقون بالمجروحين ولا المجهولين ولا المعدلين، فإنه ضمن كتابه الحكم على الرواة بالأوصاف الثلاثة.
ومن قال: يجري أمرهم على التعديل تغليباً للأصل؛ لعدم الجرح، ولعدم تنصيص العارفين على الجهالة، والأصل السلامة من القدح، فهذا من
(1) الجرح والتعديل (1/ 1 / 38).
جهة التأصيل قوي (1)، لكنه وإن مال بنا إلى اعتبار التعديل، فإنه لا ينهض بمجرده للحكم به في حق ذلك الراوي.
غير أنه يمكن أن يستفاد من هذا: أن يعتبر لمجرد سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن الراوي منزلة هي أرفع من الحكم بالجهالة، مائلة إلى الحكم بالتعديل، وهي منزلة (المستور) عند بعض الأئمة.
والذي يتحرر لنا في هذا الأصل في الجملة أن نقول في هذا النوع من الرواة، أنهم قسمان:
القسم الأول: الرواة المترجمون في كتب الجرح والتعديل، لكن لم يذكروا بجرح ولا تعديل.
وهذا الصنف إذا اتبعنا فيهم النظر والتحري عند المتقدمين أمكن تمييز منازلهم في الرواية من حيث قبول حديثهم أو رده، وذلك باتباع الطرق التالية:
الأولى: جمع مروياتهم.
الثانية: تحري موضع الموافقة لحديث الثقات، والمخالفة له، أو التفرد دونهم.
الثالثة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب كثرة من روى عنه.
(1) وممن سلكه من المعاصرين العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة، رحمه الله، في بحث له نُشر في " مجلة كليَّة أصول الدين " الصادرة عن جامعة محمد بن سعود الإسلامية، العدد الثاني لعام 1400 هـ، وذلك بعنوان:(سُكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يُجرح ولم يأتِ بمتنٍ منكر يُعدُّ توثيقاً له)، وكتب الشيخ عداب الحمش رداَّ عليه في كتاب سماه (رواة الحديث الذي سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل)، وفي ردِّه فوائد، وأنا أوافقه على بعض نتائجه وأخالفه في أخرى، وربما أخذت عليه في نفسه فيه.
الرابعة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب ما ورد عنه من أخبار.
فلو أخذت له مثالاً (عبد الله بن عوف الكناني)، فهو راو لم يوثقه غير ابن حبان، لكنه كان أحد عمال عمر بن عبد العزيز، فهذا تعديل له في شخصه دون روايته، لما عرف من صرامة عمر في الحق وعدله، فما كان ليولي فاسقاً، فبقيت عدالته في الرواية بحسب سلامته من التفرد بمنكر (1).
الخامسة: وجود التصريح بالتعديل لشيخ له لم يعرف ذلك الشيخ إلا من طريق هذا الراوي.
مثل: (مالك بن الخير الزبادي) رجل من أهل مصر، فزعم ابن القطان أنه لم تثبت عدالته (2)، وتعقبه الذهبي في ذلك وقال فيه:" محله الصدق "(3).
قلت: وهذا الرجل تفرد بالرواية عن (مالك بن سعد التجيبي)، لم يرو عنه أحد سواه، وما عرف مخرج حديثه إلا من طريقه، وقد قال أبو زرعة الرازي في هذا التجيبي:" مصري لا بأس به "(4)، وذكر يعقوب بن سفيان في " ثقات التابعين من أهل مصر "(5)، كما ذكره ابن حبان في " الثقات "(6)، فإذا صح أن يكون هذا ثقة، وجب أن يصح الطريق إليه، ولا يصح إلا بعد أن يكون رواته ثقات.
(1) انظر تعليقي على كتاب " تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عالياً " لأبي نُعيم (ص: 47).
(2)
بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (رقم: 1451). وتقدم قريباً في (المبحث السابق) التنبيه عليه.
(3)
ميزان الاعتدال (3/ 426)، بل وجدت فيه فائدة عزيزة فاتت جميع من ترجم له، وهي قولُ ناقد أهل مصر أحمد بن صالح المصري فيه:" ثقة "(تاريخ أبي زُرعة 1/ 442) زيادةً على توثيق ابنِ حبان، ولكن المقصود التمثيل بهذه الصورة في دَفع الجَهالة عن الراوي.
(4)
الجرح والتعديل (4/ 1 / 209).
(5)
المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سُفيان (2/ 530).
(6)
الثقات (5/ 385).
والقسم الثاني: من وجدناه في الأسانيد، لكن لم نقف له على ترجمة.
اعتنى الأئمة ومتأخروهم على التعيين بتتبع أسماء من تكلم فيه من الرواة على سبيل الاستيعاب، وما وقعت العناية بتتبع جميع الرواة، وإن حاولها بعضهم، وأوعب ما ألف في جمع من تكلم فيهم:" ميزان الاعتدال " للحافظ الذهبي، مع الزيادة عليه في " لسان الميزان " للحافظ ابن حجر العسقلاني، والذي أورد فيه تراجم من تكلم فيهم ممن لا ترجمة لهم في " تهذيب الكمال " للمزي.
وقد ذكر ابن حجر في آخر كتاب " اللسان " فائدة حاصلها: أن من لم يترجم له في " الميزان " أو " اللسان " أو " تهذيب التهذيب " قال: " فهو إما ثقة، أو مستور "(1).
قلت: وهذا أصل نافع في رواة كثيرين، إذا بحثت عن تراجم لهم لم تقف عليها، وهم معروفون بالنقل، فهذا طريق يعين على تنزيلهم ما يليق بهم، لكن بعد التحقق على نفس منهاج متقدمي النقاد، من اعتبار الشهرة بالحديث، ورواية ما هو معروف، إلى سائر ما تقدم بيانه في شرح منهجهم.
والعمل بهذا الطريق اقتداء بأئمة هذا الشأن ممن تعرضوا لبيان أحوال رواة لم يسبقوا إلى الكلام فيهم، كابن عدي والعقيلي وابن حبان والدارقطني والخطيب البغدادي.
فهذا ابن عدي مثلاً، قد تتبع المجروحين إلى زمانه في كتابه الفذ:" الكامل "، حتى قال في مقدمته:" لا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلى هوى وهو فيه متأول "(2).
(1) لِسان الميزان (7/ 571).
(2)
الكامل (1/ 79).
ومنهجه في اتباع هذا الطريق واضح في كتابه، ومن عبارته في بعض الرواة:
قوله في (سليمان بن أبي كريمة) بعد أن أذكر له جملة أحاديث: " وله غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وعامة حديثه مناكير، ويرويه عنه عمرو بن هاشم البيروتي، وعمرو ليس به بأس، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً، وقد تكلموا فيمن هو أمثل منه بكثير، ولم يتكلموا في سليمان هذا؛ لأنهم لم يخبروا حديثه "(1).
وقوله في (سعد بن سعيد سعدويه الجرجاني) وذكر له أحاديث: " لسعد غير ما ذكرت من الحديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنه، وكان رجلاً صالحاً، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمد منه فيها، أو ضعف في نفسه ورواياته، إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً؛ لأنهم كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعرف به "(2).
وهذا المنهج رأيت عمل الحافظ الذهبي قد جرى عليه في تعديل طائفة من الرواة، خصوصاً من طبقات من يأتي بعد طبقات رواة الأئمة الستة، وذلك بالنظر إلى شهرته، مع كون أمره على الستر والسلامة، وأنه لم يوقف فيما روى على شيء منكر.
تنبيه وفائدة:
قال الثقة عبد الله بن أحمد الدورقي: " كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو عنده ثقة "(3).
(1) الكامل (4/ 250).
(2)
الكامل (4/ 398).
(3)
أخرجه ابنُ عدي في " الكامل "(1/ 218) وإسناده جيد.
قلت: هذا يجب حمله على رجال جاءوا في معرض السؤال ليحيى، فلم يذكر فيهم جرحاً ولا تعديلاً، إذ من شأن يحيى أنه إذا سئل عن الراوي المجروح لم يسكت عنه، وإذا كان لا يعرفه أجاب بذلك، فحيث سكت عن جرحه وعن تجهيله، فهو عنده في جملة المقبولين الموثقين، والله أعلم.
* * *