المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابع:تحرير القول في الرواة المسكوت عنهم - تحرير علوم الحديث - جـ ١

[عبد الله الجديع]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل:مقدمات تعريفية

- ‌المبحث الأول:علم الحديث: تعريفه، تاريخه، أقسامه

- ‌1 _ تعريف علم الحديث:

- ‌2 _ تاريخ علم الحديث:

- ‌3 _ تقسيم علوم الحديث:

- ‌المبحث الثاني:ألقاب الحديث من جهة من يضاف إليه

- ‌1_ الحديث المرفوع:

- ‌مسائل:

- ‌المسألة الثالثة: قول الصحابي: (قال: قال)

- ‌المسألة السابعة: حكم تفسير الصحابي للقرآن

- ‌المسألة الثامنة: الحديث القدسيُّ

- ‌2 _ الحديث الموقوف:

- ‌3 _ الحديث المقطوع:

- ‌المبحث الثالث:ألقاب الحديث باعتبار تعدد الأسانيد

- ‌القسم الأول: الحديث المتواتر

- ‌تقسيم الحديث المتواتر بحسب صِيغته:

- ‌ المتواتر اللفظي

- ‌ المتواتر المعنوي

- ‌القسم الثاني: حديث الآحاد

- ‌النوع الأول: الحديث المشهور

- ‌النوع الثاني: الحديث العزيز

- ‌النوع الثالث: الحديث الغريب

- ‌حجية خبر الواحد الصحيح:

- ‌المبحث الرابع:المتابعات والشواهد

- ‌المبحث الخامس:لطائف الإسناد

- ‌العالي والنازل:

- ‌القسم الأول:تحرير أركان النظر في الحديث

- ‌الباب الأول:تحليل الإسناد

- ‌الفصل الأول:تمييز النقلة

- ‌المبحث الأول:الطريق إلى تمييز الراوي

- ‌المبحث الثاني:تمييز الراوي بما يعرف به من اسم وكنية ونسب ولقب وصفة أخرى

- ‌الدلالة الأولى: تمييز الأسماء

- ‌الدلالة الثانية: تمييز الكنى

- ‌الدلالة الثالثة: تمييز الأنساب

- ‌الدلالة الرابعة: تمييز الألقاب

- ‌حكم استعمال ألقاب المحدثين في دراسة الأسانيد:

- ‌الدلالة الخامسة: تمييز الأبناء

- ‌الدلالة السادسة: تمييز النساء

- ‌المبحث الثالث:تميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته

- ‌الفرع الأول: تمييز الشيوخ والتلاميذ

- ‌1 _ رواية الآباء عن الأبناء

- ‌2 _ رواية الأكابر عن الأصاغر

- ‌3 _ رواية الأقران:

- ‌4 _ رواية السابق واللاحق:

- ‌الفرع الثاني تميز طبقات الرواة

- ‌الطرف الأول: تمييز مواليد الرواة

- ‌الطرف الثاني: تمييز وفيات الرواة

- ‌فوائد معرفة الطبقات:

- ‌تقسيم الطبقات:

- ‌المبحث الخامس:تفسير طبقة الصحابة

- ‌كيف تثبت الصحبة

- ‌من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير

- ‌ هل للصحابة عدد محصور

- ‌المبحث السادس:تمييز المشتبه من أسماء الرواة

- ‌ التشابه في الرسم

- ‌ الاشتراك

- ‌الفصل الثاني:اتصال الإسناد

- ‌المبحث الأول:الصيغة الصريحة بالسماع

- ‌شرط قبول صيغة السماع:

- ‌المبحث الثاني:الصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه

- ‌القسم الأول: القراءة على الشيخ

- ‌القسم الثاني: الإجازة

- ‌القسم الثالث: الوجادة

- ‌حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف:

- ‌المبحث الثالث:صيغة العنعنة وما يجري مجراها

- ‌المبحث الرابع:مسائل متفرقة في اتصال الإسناد

- ‌المسألة الثانية:رموز صيغ الأداء

- ‌المسألة الرابعة:المرسل إذا علمت فيه الواسطة

- ‌الباب الثانينقد النقلة

- ‌الفصل الأولحكم نقد النقلةوصفة الناقد

- ‌المبحث الأول:حكم نقد الراوي

- ‌المبحث الثاني:صفة الناقد

- ‌المبحث الثالث:نماذج لأعيان من يعتمد قوله في نقد الرواة

- ‌الفصل الثانيتفسير التعديل

- ‌المبحث الأول:معنى العدالة

- ‌لا يصلح عد الصغائر مفسقات

- ‌المبحث الثاني:الدليل على اشتراط عدالة الناقل لقبول خبره

- ‌المبحث الثالث:طريق إثبات عدالة الراوي

- ‌ مسائل:

- ‌المسألة الأولى: هل ارتفاع الجهالة إثبات للعدالة

- ‌المسألة الثانية: معنى وصف الراوي بالشهرة

- ‌المبحث الرابع:معنى الضبط

- ‌النوع الأول: حفظ الصدر

- ‌كيف يثبت حفظ الراوي

- ‌النوع الثاني: حفظ الكتاب

- ‌المبحث الخامس:كيف يعرف الضبط

- ‌المبحث السادس:حكم تحمل الحديث في الصغر

- ‌المبحث السابع:حكم الرواية بالمعنى

- ‌المذهب الأول: جواز الرواية بالمعنى

- ‌المذهب الثاني: التمسك باللفظ

- ‌ مسائل:

- ‌المسألة الثالثة: إحالة الرواية على سياق مذكور:

- ‌المبحث الثامن:مسائل متممة لركن الضبط

- ‌المسألة الثانية: حكم رواية الضرير

- ‌المبحث التاسع:أصول في تعديل الرواة

- ‌الأصل الثاني: هل يتوقف قبول التعديل على العلم بأسبابه

- ‌الأصل الخامس: درجات العدول متفاوتة

- ‌الأصل السادس: هل رواية الثقة عن رجل تعديل له

- ‌الأصل السابع: تصحيح الناقد لإسناد حديث، هل يفيد تعديلاً منه لرواته

- ‌ عمل الناقد بحديث الراوي، وذهابه إلى مقتضاه

- ‌الأصل التاسع: قول الناقد: (إن كان هذا فلاناً فهو ثقة)

- ‌الأصل العاشر: أكثر رواة العلم ثقات

- ‌المبحث العاشر:تحرير القول في تعديل جماعةمن المتقدمين تنازعهم الناس

- ‌طريقة العجلي:

- ‌طريقة أبي بكر بن خزيمة:

- ‌طريقة ابن حبان:

- ‌طريقة الحاكم النيسابوري:

- ‌طريقة ابن عبد البر:

- ‌المبحث الحادي عشر:تحرير القول في عدالة الصحابة

- ‌ضبط الصحابي:

- ‌مسائل في عدالة الصحابة:

- ‌المسألة الأولى: الرجل يختلف في صحبته، فيقدح فيه بعض من لا يثبتها له:

- ‌المسألة الثالثة: تحرير القول في جهالة الصحابي

- ‌الفصل الثالثتفسير الجرح

- ‌تمهيد:في معنى الجرح

- ‌المبحث الأول:صور الجرح غير المؤثر

- ‌الصور الأولى: استعمال المباحات، أو ما يختلف فيه الاجتهاد حلاًّ وحرمة

- ‌الصورة الثانية: ما يعود الجرح فيه إلى طريق التلقي، والجارح اعتمد فيه المذهب المرجوح

- ‌الصورة الثالثة: الجرح بسبب التحمل في الصغر

- ‌الصورة الرابعة: ما يعود إلى جحد الشيخ أن يكون حدث بالحديث، أو تركه القول بمقتضاه

- ‌الصورة الخامسة: الرواية عن المجروحين والمجهولين

- ‌الصورة السادسة: الجرح والتدليس

- ‌المبحث الثاني:تحرير القول فيما يسلب العدالة

- ‌السبب الأول: الفسق

- ‌السبب الثاني: الكذب، والتهمة به

- ‌أثر التوبة من الكذب في الحديث:

- ‌الكذب في حديث الناس:

- ‌كتابة أحاديث الكذابين والمتهمين بالكذب للتمييز:

- ‌السبب الثالث: سرقة الحديث

- ‌السبب الرابع: البدعة

- ‌مذاهب أهل العلم في رد حديث أهل البدع أو قبوله:

- ‌السبب الخامس: الجهالة

- ‌المبحث الثالث:تحرير عود ما يسلب الضبطإلى سوء حفظ الراوي

- ‌القسم الأول: الوهم والغلط بمقتضى الجبلة

- ‌الوهم والغلط يقع بأسباب:

- ‌أولها: المخالفة في الأسانيد

- ‌ثانيها: وصل المراسيل

- ‌ثالثها: رفع الموقوف

- ‌رابعها: الجمع بين الرواة في سياق واحد وحمل حديث بعضهم على بعض

- ‌خامسها: قبول التلقين

- ‌سادسها: التصحيف إذا حدث من كتبه

- ‌القسم الثاني: ما يرجع من سوء الحفظإلى تساهل الراوي

- ‌المبحث الرابع:متى يترك حديث الراوي

- ‌المبحث الخامس:درجات سوء الحفظ

- ‌المبحث السادس:مسائل تتصل بالجرح بسوء الحفظ

- ‌المبحث السابع:أصول في جرح الرواة

- ‌الفصل الرابعتفسير الجهالة

- ‌المبحث الأول:من هو الراوي المجهول

- ‌القسم الأول: جهالة عين

- ‌القسم الثاني: جهالة حال

- ‌المبحث الثاني:جهالة الراوي سبب لرد حديثه

- ‌المبحث الثالث:أصول في الراوي المجهول

- ‌المبحث الرابع:تحرير القول في الرواة المسكوت عنهم

- ‌الفصل الخامستعارض الجرح والتعديل

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول:مقدمات ضرورية لتحقيق القولفي الراوي المختلف فيه

- ‌المقدمة الأولى: أهلية الناقد لقبول قوله

- ‌المقدمة الثانية: التحقق من ثبوت الجرح أو التعديل عن الناقد المعين

- ‌المقدمة الثالثة: منع قبول صيغة الجرح أو التعديل التي لا تنسب إلى ناقد معين

- ‌المقدمة الرابعة: مراعاة ميول الناقد المذهبية في القدح في النقلة

- ‌المقدمة الخامسة: اعتبار بشرية الناقد في تأثيرها في إطلاق الجرح أو التعديل

- ‌المقدمة السادسة: وجوب اعتبار مرتبة الناقد مقارنة بمخالفة

- ‌المقدمة السابعة: ملاحظة مذهب الناقد فيما يراه جرحاً، ومذهبه فيه مرجوح

- ‌المقدمة الثامنة: التحقق من آخر قولي أو أقوال الناقد في الراوي، إن كان قد اختلف عليه

- ‌المقدمة التاسعة: مراعاة دلالة ألفاظ الجرح والتعديل

- ‌المقدمة العاشرة: التحقق من كون العبارة المعينة قيلت من قبل الناقد في ذلك الشخص المعين

- ‌المقدمة الحادية عشرة: التحقق من لفظ المنقولة عن الناقد

- ‌المقدمة الثانية عشرة: التيقظ إلى ما يقع أحياناً من المبالغة في صيغة النقد

- ‌المقدمة الثالثة عشرة: قد تطلق العبارة لا يراد ظاهرها

- ‌المبحث الثاني:تحرير منع تقديم الجرح على التعديل إلا بشروط

- ‌الشرط الأول:أن يكون مفسراً، ولو من ناقد واحد

- ‌الشرط الثاني:أن يكون جرحاً بما هو جارح

- ‌الشرط الثالث:أن لا يكون الجرح مردوداً من ناقد آخر بحجة

- ‌المبحث الثالث:تنبيهات حول تعارض الجرح والتعديل

- ‌التنبيه الأول: ترك التعديل عند ظهور الجرح لا يقدح في شخص المعدل أو علمه

- ‌التنبيه الثاني: الجرح لمن استقرت عدالته وثبتت إمامته مردود

- ‌التنبيه الثالث: تقديم الجرح عند اجتماع الشروط لا يلزم منه السقوط بالراوي

- ‌التنبيه الخامس: الراوي يختلف فيه جرحاً وتعديلاً، وهو قليل الحديث

- ‌الفصل السادسمراتب الرواةوتفسير عبارات الجرح والتعديل

- ‌المبحث الأول:مراتب الرواة

- ‌المرتبة الأولى: الاحتجاج

- ‌المرتبة الثانية: الاعتبار

- ‌المرتبة الثالثة: السقوط

- ‌المبحث الثاني:تفسير عبارات الجرح والتعديل

الفصل: ‌المبحث الرابع:تحرير القول في الرواة المسكوت عنهم

‌المبحث الرابع:

تحرير القول في الرواة المسكوت عنهم

علمنا أن منهج أهل العلم بالحديث لتمييز أهلية الراوي أو عدمها فيما يرويه، هو اختبار حديثه، وهذه المنهجية كانت طريقهم لتعديل أو جرح أكثر الرواة.

فحين ترى مثلاً الإمام علي بن المديني يقول في رجل روى عنه يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم: " مجهول "، بينما قال في (خالد بن سمير) ولم يرو عنه غير الأسود بن شيبان:" حسن الحديث "(1)، فإنما قال " مجهول " في راو لم يتبين مما رواه منزلة حديثه، وحين تبين في الآخر ضبطه نعته بحسن حديثه.

ونحن نجد طائفة من الرواة ممن ذكروا في كتب تراجم الرواة، أو وقفنا على أسمائهم فيما رووه من الحديث، لم يؤثر عن نقاد المحدثين شيء في تعديلهم أو جرحهم، فهؤلاء يقول فيهم الواحد من المتأخرين مثلاً:(فلان ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً)، ومنهم من يجعل ذلك بمجرده سبباً لرد رواية ذلك الراوي، ومنهم من يعد سكوت الناقد عن أحدهم تعديلاً له، من جهة أنه لو وقف في أحدهم على الجرح لذكره.

(1) انظر: شرح علل الترمذي، لابن رجب (1/ 83 _ 84).

ص: 505

وحيث إن محل ما يتعلق به المتأخرون في الغالب في الاعتداد بالسكوت عن الراوي الديوانان العظيمان في تاريخ الرواة: " التاريخ الكبير " للبخاري، و " الجرح والتعديل " لا بن أبي حاتم، فإليك تحرير القول فيهما، وخذ من ذلك أنموذجاً لغيرهما:

" التاريخ الكبير " للبخاري:

من تأمل هذا الديوان وجد أن البخاري اجتهد في استقصاء أسماء من بلغه ممن روى العلم إلى زمانه، وهو كتاب مليء بالعلم، وما يتصل منه بموضوع الجرح والتعديل، يجب أن يؤخذ بالاعتبار في شأنه ما يلي:

أولاً: لم ينص فيه على خطته، إنما تركها للناظر فيه.

ثانياً: لم يلتزم فيه ذكر التعديل في الرواة، وإنما يرد ذلك أحياناً قليلة جداً.

ثالثاً: التزم أن يذكر الجرح في المجروحين، وذلك من جهة ما يحكيه من عبارات بعض الأئمة قبله، وتارة بعبارة نفسه، وتارة بنقد رواية ذلك الراوي فيستفاد من خلال ذلك النقد جرحه عند البخاري، ولا يلزم بأنه جرح عدداً يسيراً جداً من الرواة سكت عنهم في (التاريخ) وقدح فيهم في محل آخر، فالحكم للغالب الأعم.

رابعاً: لم يجر على الجرح بالجهالة، إلا ما يمكن أن يدل عليه قوله في مواضع في الراوي:" فيه نظر "، فإن التتبع يدل على أن طائفة ممن قال فيهم البخاري ذلك هم في جملة المجهولين.

وقد قال ابن عدي: " مراد البخاري أن يذكر كل راو، وليس مراده أنه ضعيف أو غير ضعيف، وإنما يريد كثرة الأسامي "(1).

(1) الكامل (3/ 267).

ص: 506

وهذا المعنى ذكره ابن عدي فيما يزيد على ثلاثين موضعاً من " الكامل ".

وهو نص من إمام عارف ناقد، أن إدخال الراوي في " التاريخ الكبير " لا يعني بمجرده جرحاً ولا تعديلاً.

لكن لكون البخاري قلما ترك بيان الجرح لمن هو مجروح، فلو قال قائل: من سكت عنهم البخاري فغير مجروحين عنده، وإنما هم عدول، واحتمل في القليل منهم أن لا يكونوا من المشهورين، فيلحقون بالمستورين، لكان هذا قولاً وجيهاً.

نعم، لا يصح أن يطلق بتوثيق من سكت عنه البخاري بمجرد ذلك.

" الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم الرازي:

فسر ابن أبي حاتم خطته في كتابه " الجرح والتعديل " وبين منهجه ولم يدعه للتخمين، فقال:" ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله "(1).

وينبغي أن يلاحظ من عبارة ابن أبي حاتم، أن من سكت عنهم لا يلحقون بالمجروحين ولا المجهولين ولا المعدلين، فإنه ضمن كتابه الحكم على الرواة بالأوصاف الثلاثة.

ومن قال: يجري أمرهم على التعديل تغليباً للأصل؛ لعدم الجرح، ولعدم تنصيص العارفين على الجهالة، والأصل السلامة من القدح، فهذا من

(1) الجرح والتعديل (1/ 1 / 38).

ص: 507

جهة التأصيل قوي (1)، لكنه وإن مال بنا إلى اعتبار التعديل، فإنه لا ينهض بمجرده للحكم به في حق ذلك الراوي.

غير أنه يمكن أن يستفاد من هذا: أن يعتبر لمجرد سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن الراوي منزلة هي أرفع من الحكم بالجهالة، مائلة إلى الحكم بالتعديل، وهي منزلة (المستور) عند بعض الأئمة.

والذي يتحرر لنا في هذا الأصل في الجملة أن نقول في هذا النوع من الرواة، أنهم قسمان:

القسم الأول: الرواة المترجمون في كتب الجرح والتعديل، لكن لم يذكروا بجرح ولا تعديل.

وهذا الصنف إذا اتبعنا فيهم النظر والتحري عند المتقدمين أمكن تمييز منازلهم في الرواية من حيث قبول حديثهم أو رده، وذلك باتباع الطرق التالية:

الأولى: جمع مروياتهم.

الثانية: تحري موضع الموافقة لحديث الثقات، والمخالفة له، أو التفرد دونهم.

الثالثة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب كثرة من روى عنه.

(1) وممن سلكه من المعاصرين العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة، رحمه الله، في بحث له نُشر في " مجلة كليَّة أصول الدين " الصادرة عن جامعة محمد بن سعود الإسلامية، العدد الثاني لعام 1400 هـ، وذلك بعنوان:(سُكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يُجرح ولم يأتِ بمتنٍ منكر يُعدُّ توثيقاً له)، وكتب الشيخ عداب الحمش رداَّ عليه في كتاب سماه (رواة الحديث الذي سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل)، وفي ردِّه فوائد، وأنا أوافقه على بعض نتائجه وأخالفه في أخرى، وربما أخذت عليه في نفسه فيه.

ص: 508

الرابعة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب ما ورد عنه من أخبار.

فلو أخذت له مثالاً (عبد الله بن عوف الكناني)، فهو راو لم يوثقه غير ابن حبان، لكنه كان أحد عمال عمر بن عبد العزيز، فهذا تعديل له في شخصه دون روايته، لما عرف من صرامة عمر في الحق وعدله، فما كان ليولي فاسقاً، فبقيت عدالته في الرواية بحسب سلامته من التفرد بمنكر (1).

الخامسة: وجود التصريح بالتعديل لشيخ له لم يعرف ذلك الشيخ إلا من طريق هذا الراوي.

مثل: (مالك بن الخير الزبادي) رجل من أهل مصر، فزعم ابن القطان أنه لم تثبت عدالته (2)، وتعقبه الذهبي في ذلك وقال فيه:" محله الصدق "(3).

قلت: وهذا الرجل تفرد بالرواية عن (مالك بن سعد التجيبي)، لم يرو عنه أحد سواه، وما عرف مخرج حديثه إلا من طريقه، وقد قال أبو زرعة الرازي في هذا التجيبي:" مصري لا بأس به "(4)، وذكر يعقوب بن سفيان في " ثقات التابعين من أهل مصر "(5)، كما ذكره ابن حبان في " الثقات "(6)، فإذا صح أن يكون هذا ثقة، وجب أن يصح الطريق إليه، ولا يصح إلا بعد أن يكون رواته ثقات.

(1) انظر تعليقي على كتاب " تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عالياً " لأبي نُعيم (ص: 47).

(2)

بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (رقم: 1451). وتقدم قريباً في (المبحث السابق) التنبيه عليه.

(3)

ميزان الاعتدال (3/ 426)، بل وجدت فيه فائدة عزيزة فاتت جميع من ترجم له، وهي قولُ ناقد أهل مصر أحمد بن صالح المصري فيه:" ثقة "(تاريخ أبي زُرعة 1/ 442) زيادةً على توثيق ابنِ حبان، ولكن المقصود التمثيل بهذه الصورة في دَفع الجَهالة عن الراوي.

(4)

الجرح والتعديل (4/ 1 / 209).

(5)

المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سُفيان (2/ 530).

(6)

الثقات (5/ 385).

ص: 509

والقسم الثاني: من وجدناه في الأسانيد، لكن لم نقف له على ترجمة.

اعتنى الأئمة ومتأخروهم على التعيين بتتبع أسماء من تكلم فيه من الرواة على سبيل الاستيعاب، وما وقعت العناية بتتبع جميع الرواة، وإن حاولها بعضهم، وأوعب ما ألف في جمع من تكلم فيهم:" ميزان الاعتدال " للحافظ الذهبي، مع الزيادة عليه في " لسان الميزان " للحافظ ابن حجر العسقلاني، والذي أورد فيه تراجم من تكلم فيهم ممن لا ترجمة لهم في " تهذيب الكمال " للمزي.

وقد ذكر ابن حجر في آخر كتاب " اللسان " فائدة حاصلها: أن من لم يترجم له في " الميزان " أو " اللسان " أو " تهذيب التهذيب " قال: " فهو إما ثقة، أو مستور "(1).

قلت: وهذا أصل نافع في رواة كثيرين، إذا بحثت عن تراجم لهم لم تقف عليها، وهم معروفون بالنقل، فهذا طريق يعين على تنزيلهم ما يليق بهم، لكن بعد التحقق على نفس منهاج متقدمي النقاد، من اعتبار الشهرة بالحديث، ورواية ما هو معروف، إلى سائر ما تقدم بيانه في شرح منهجهم.

والعمل بهذا الطريق اقتداء بأئمة هذا الشأن ممن تعرضوا لبيان أحوال رواة لم يسبقوا إلى الكلام فيهم، كابن عدي والعقيلي وابن حبان والدارقطني والخطيب البغدادي.

فهذا ابن عدي مثلاً، قد تتبع المجروحين إلى زمانه في كتابه الفذ:" الكامل "، حتى قال في مقدمته:" لا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلى هوى وهو فيه متأول "(2).

(1) لِسان الميزان (7/ 571).

(2)

الكامل (1/ 79).

ص: 510

ومنهجه في اتباع هذا الطريق واضح في كتابه، ومن عبارته في بعض الرواة:

قوله في (سليمان بن أبي كريمة) بعد أن أذكر له جملة أحاديث: " وله غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وعامة حديثه مناكير، ويرويه عنه عمرو بن هاشم البيروتي، وعمرو ليس به بأس، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً، وقد تكلموا فيمن هو أمثل منه بكثير، ولم يتكلموا في سليمان هذا؛ لأنهم لم يخبروا حديثه "(1).

وقوله في (سعد بن سعيد سعدويه الجرجاني) وذكر له أحاديث: " لسعد غير ما ذكرت من الحديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنه، وكان رجلاً صالحاً، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمد منه فيها، أو ضعف في نفسه ورواياته، إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً؛ لأنهم كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعرف به "(2).

وهذا المنهج رأيت عمل الحافظ الذهبي قد جرى عليه في تعديل طائفة من الرواة، خصوصاً من طبقات من يأتي بعد طبقات رواة الأئمة الستة، وذلك بالنظر إلى شهرته، مع كون أمره على الستر والسلامة، وأنه لم يوقف فيما روى على شيء منكر.

تنبيه وفائدة:

قال الثقة عبد الله بن أحمد الدورقي: " كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو عنده ثقة "(3).

(1) الكامل (4/ 250).

(2)

الكامل (4/ 398).

(3)

أخرجه ابنُ عدي في " الكامل "(1/ 218) وإسناده جيد.

ص: 511

قلت: هذا يجب حمله على رجال جاءوا في معرض السؤال ليحيى، فلم يذكر فيهم جرحاً ولا تعديلاً، إذ من شأن يحيى أنه إذا سئل عن الراوي المجروح لم يسكت عنه، وإذا كان لا يعرفه أجاب بذلك، فحيث سكت عن جرحه وعن تجهيله، فهو عنده في جملة المقبولين الموثقين، والله أعلم.

* * *

ص: 512