الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن شعبة عن عطاء عن أبي البختري عن عبيدة عن ابن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أسمعه منه " (1) فهذا وجادة متصلة، وإن لم يسمعها محمد بن المثنى.
أما إن وجد في كتاب، ولم ينسبه لأحد، فتلك رواية منقطعة؛ لجهالة صاحب ذلك الكتاب.
وذلك مثل قول أحمد بن صالح المصري: " وجدت في كتاب بالمدينة: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز .. " فذكر الإسناد والحديث من حديث جبير بن مطعم في بعض خبر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وذكر أسمائه.
والإسناد لولا هذه العلة إسناد جيد، من أجل ذلك قال أحمد بن صالح في آخره: " أرجو أن يكون صحيحاً (2).
حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف:
ذهب جماعة من السلف إلى جواز الرواية وجادة، وحدثوا بهذا الطريق، منهم الحسن البصري، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة السدوسي، والحكم بن عتيبة، والليث بن سعد، وغيرهم.
وعن جماعة من أئمة الحديث تليين الرواية بها، ووصفها بالانقطاع؛ لكون الراوي لم يسمع من الشيخ، وربما لم يره، ولم يكاتبه الشيخ بحديثه، بل ربما لم يتعاصرا وكان بينهما زمان.
وممن روى عنه المنع من الرواية بها: محمد بن سيرين، وذلك في التحقيق من أجل مذهبه في النهي عن الكتب جملة.
(1) مُسند البزار (6/ 137) وفي الإسناد اختلاف على عطاء، وهو ابن السائب.
(2)
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير "(2/ 126 _ 127 رقم: 1532).
وممن وصفها بالانقطاع: سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج.
والتحرير: أن قبول والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود.
ومذهب السلف في الرواية بها مشهورة، ولم يكد ينقل المنع من ذلك عن أحد، إلا ما تقدم عن ابن سيرين.
قال الخطيب: " لا فرق بين أن يوصي العالم لرجل بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها، إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له، بأن يروي عنه ما يصح عنده من
سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب:(أخبرنا) أو (حدثنا)، على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة " (1).
وفي حكم الوجادة: الوصية بالكتب، يوصي الشيخ بكتبه لشخص معين، فعلها أبو قلابة الجرمي من التابعين أوصى بكتبه لأيوب السختياني (2).
وهذان مثالان محرران من أمثلة الرواية بالوجادة:
المثال الأول: رواية الحسن البصري عن سمرة بن جندب.
قال العلائي: " قد روى عنه نسخة كبيرة، غالبها في السنن الأربعة "(3).
وقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال:
الأول: أنه لم يسمع من سمرة.
(1) الكفاية (ص: 504).
(2)
ذكرت الرواية بذلك، وعامة ما لم أعزه من النقل في بيان طُرق التحمل إلى الجزء المفرد في ذلك.
(3)
جامع التحصيل، للعلائي (ص: 198 _ 199).
وهذا حكي عن علي بن زيد بن جدعان (1)، وهو قول شعبة بن الحجاج، قال:" لم يسمع الحسن من سمرة "(2).
وجرى على إطلاقه بعض من جاء من بعد، كابن حبان (3) وغيره.
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة، إنما حديثه عنه من كتاب سمرة.
قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن: " سمعنا أنها من كتاب "(4).
وهو ظاهر ما حكي عن بهز بن أسد، فقد سأله جرير بن عبد الحميد عن الحسن: على من اعتماده؟ قال: " كتب سمرة "(5).
قال يحيى بن معين: " لم يسمع من سمرة حرفاً قط "(6).
وسأله عثمان الدارمي: الحسن لقي سمرة؟ قال: " لا "(7).
وبين في رواية الدوري أكثر من ذلك، فقال:" لم يسمع الحسن من سمرة شيئاً، هو كتاب "(8).
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (9)، وسائر حديثه عنه من كتاب سمرة.
(1) ذكره يحيى بن معين في " تاريخه "(النص: 4054) دون إسناد.
(2)
رواه يحيى بن معين في " تاريخه "(النص: 4053) وإسناده صحيح.
(3)
صحيحه (5/ 113 بعد رقم: 1807).
(4)
أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ "(3/ 11) وإسناده صحيح.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 32) عن شيخه محمد بن سعيد بن بلج الرازي، ولم أقف له على ترجمة.
(6)
معرفة الرجال، رواة ابن مُحرز (1/ 130)، وروى الدقاق عنه:" الحسن لم يَسمع من سمُرة "(من كلام أبي زكريا، النص: 390).
(7)
تاريخ الدارمي (النص: 277)، المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: 96).
(8)
تاريخ يحيى بن معين (النص: 4094).
(9)
يعني حديث: " الغلام مُرْتهنٌ بعقيقته. . " ساق لفظه الترمذي (رقم 1522) وغيره.
وهو قول النسائي، قال:" الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة "(1).
وهذا يستند إلى ما رواه قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة. فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب (2).
والثالث: أنه سمع من سمرة.
قال علي بن المديني: " سماع الحسن من سمرة صحيح "(3).
وقال وقد ذكر رواية الحسن: " أما أحاديث سمرة فهي صحاح "(4).
وقال: " وقد روى سمرة أكثر من ثلاثين حديثاً مرفوعاً وغيرهما،
(1) السنن، للنسائي (بعد رقم: 1380).
(2)
أخرجه البُخاري (رقم: 5155) قال: حدثنا عبد الله بنُ أبي الأسود، وفي " التاريخ الكبير " (1/ 2 / 290) _ وعنه: الترمذي في " جامعه "(عقب رقم: 182) _ قال: قال لي عليٌّ (يعني ابن المديني)، والترمذي كذلك قال: حدثنا محمد بن المثنى، والنسائي (رقم: 4221) قال: أخبرنا هارون بن عبد الله، وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: 4044) قال: حدثني أبو خيثمة، والبيهقي في " الكبرى "(9/ 299) والمزيُّ في " التهذيب "(23/ 587 _ 588) من طريق أبي قلابة الرقاشي، قالوا جميعاً: حدثنا قريشُ بن أنس به، وفي رواية أبي خيثمة وأبي قلابة عنه قال: حدثنا حَبيب بن الشهيد.
وقد ذكروا أن قريشاً اختلط وتغير قبل موته بستِّ سنين، وذكر الحافظ ابن حجر في " الفتح "(9/ 593) أن الأثرم حكى أن الإمام أحمد بن حنبل ضعَّف حديث قريش هذا، وقال:" ما أراه بشيء "، وردَّه ابنُ حجر أنَّ لحديثه المذكور في العقيقة طريقاً آخر، وقال:" وأيضاً فسماع علي بن المديني وأقرانه من قريش كان قبل اختلاطه، فلعل أحمد إنما ضعفه؛ لأنه ظنَّ أنه إنما حدث به بعد الاختلاط ".
قلت: ويؤيد صحة رواية ابن المديني عنه، أنه قال في رواية البُخاري لحديث العقيقة عنه في " التاريخ ":" حدثنا قريش بن أنس وكان ثقة ".
(3)
نقله عنه البخاري في " التاريخ الأوسط "(1/ 393)، و " التاريخ الكبير "(1/ 2 / 290)، وحكاه الترمذي عن البُخاري عنه في " الجامع " (بعد حديث رقم: 182)، وفي " العلل الكبير "(2/ 963 _ بترتيب أبي طالب القاضي).
(4)
رواه عنه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ "(2/ 52).
والحسن قد سمع من سمرة؛ لأنه كان في عهد عثمان ابن أربع عشرة وأشهر، ومات سمرة في عهد زياد " (1).
وتبعه على ذلك الترمذي، فصحح أحاديثه عنه في " الجامع "(2)، وكذلك صنع ابن خزيمة في " صحيحه "(3)، والحاكم في " المستدرك "(4).
والقول الأول أشد هذه الأقوال، فإن تسليم ظاهره يقضي بأن حديث الحسن عن سمرة منقطع، لكن أصحاب القول الثاني جاءوا بزيادة علم عليه، لا يجوز إهمالها، وهي أن ما رواه الحسن عن سمرة فإنما أخذه من كتاب سمرة.
قال العلائي: " وذلك لا يقتضي الانقطاع "(5).
وقد جاء في بعض ما رواه الحسن عن سمرة قوله: " قرأت في كتاب سمرة "(6).
بل صح عن عبد الله بن عون، قال:" دخلنا على الحسن، فأخرج إلينا كتاباً من سمرة، فإذا فيه: أنه يجزئ من الاضطرار صبوح أو غبوق "(7).
فهذا دليل شاهد أن الحسن كان عنده عن سمرة كتاب.
على أن القول بإثبات سماعه من سمرة أصح وأقوى، وذلك لوجوه ثلاثة:
الأول: تصريحه حين سئل عن حديث العقيقة بكونه سمعه من سمرة.
(1) العلل، لابن المديني (ص: 53).
(2)
انظر الأحاديث: (رقم: 182، 1237، 1296).
(3)
انظر الحديثين: (رقم: 1710، 1757).
(4)
انظر " المستدرك "(1/ 214 بعد رقم: 780).
(5)
جامع التحصيل (ص: 199).
(6)
العلل، لابن المديني (ص: 53) وذكر أنه وقع في حديث واحد رواه الحسن عن سمُرة.
(7)
أخرجه أحمد في " العلل "(النص: 2187) وإسناده صحيح.
والرواية بذلك صحيحة، ولذا احتج بها البخاري وغيره، وهذا يحيى بن معين حين أوردت عليه هذه الرواية سكت مع ما تقدم عنه أن الحسن لم يسمع من سمرة، بل لم يلقه.
فقد قال أبو قلابة الرقاشي، وقد روى قصة حديث العقيقة عن قريش: فسمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة، قال: فقلت: على من تطعن؟ على قريش بن أنس؟ على الحبيب بن الشهيد؟ فسكت (1).
فهذا الذي حدث به قريش حجة أن الحسن سمع من سمرة في الجملة.
والثاني: روي حميد الطويل قال: عن الحسن قال: جاءه رجل فقال: إن عبداً له أبق، وإنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة قال: قلما خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى فيها عن المثلة (2).
وهذه رواية صحيحة عن الحسن.
والثالث: أن سمرة كان بالبصرة، وحديثه في أهلها، وكان فيها بعد مقتل علي وأثناء خلافة معاوية، وبقي فيها حتى مات في آخر خلافة معاوية سنة (59) أو (60) قيل: كانت وفاته بالبصرة، وقيل: بالكوفة، والحسن قدم البصرة بعد مقتل علي، رضي الله عنه، فإذا كان قد اتفق مع سمرة في الزمان والمكان، فما الذي منع اللقاء؟ بل كيف يمتنع ذلك وسمرة والٍ
(1) أورد ذلك المزِّي في " التهذيب "(23/ 588) بعد رواية قصِّة حديث العقيقة، وإسناده إلى أبي قلابة صحيح.
(2)
إسناده صحيح. أخرجه أحمد (33/ 316 رقم: 20136)، وعلق محققه بالتشكيك إن كان حُميد حفظ تصريح الحسن بالسماع، وذلك من أجل أن يزيد ين إبراهيم التُّستَري رواه عن الحسن قال:(عن سمرة)، وجعل المحقق ذلك مخالفةً لحميد، وهذا عجيب، فلم يزل هذا المحقق وغيره يجعلون ذكر السماع من راوٍ من قبيل زيادة الثقة، وهو الأمر عليه إطباق عامة أهل العلم بالحديث، والعنعنة لا تُنافي السماع.
ظاهر الصيت، والحسن يومئذ في سن تقدم وعلم، فقد قتل عمر بن الخطاب وله سنتان، فيكون عمره حين قتل علي تسعة عشرة سنة.
فهذه الوجوه قاضية بصحة سماع الحسن من سمرة في الجملة، وهو الذي قطع به ابن المديني، مع شدة شرطه في الاتصال، ثم لو سلمنا أن من حديثه عنه مالم يسمعه فإنه اعتمد فيه على كتب سمرة على قول ابن معين وغيره، والرواية من الكتاب اتصال (1)، وهو مقصود هنا.
المثال الثاني: رواية مخرمة بن بكير عن أبيه.
حكي عن مخرمة في شأن سماعه من أبيه حكايتان متضادتان:
الأولى: ما رواه عنه موسى بن سلمة الجمحي المصري قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: حدثك أبوك؟ قال: " لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه "(2).
وفي لفظ، قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: أخرج إلي بعض كتب أبيك، قال: فأخرج إلي كتاباً، فقلت: سمعت هذا من أبيك؟ فقال: " لم أسمع من أبي شيئاً، وهذه كتبه "(3).
(1) للذهبي تشكيك في عامة ما يقول فيه الحسن: (عن فلان) اغترَّ به جماعةٌ من المعاصرين، وذلك أنه وصف الحسن بالتدليس عن الضعفاء، فلا يُقبل منه ما قال فيه:(عن) حتى وإن ثبت سماعه أو لُقيُّه لذلك الشيخ في الجملة، وهذا القول غيرُ محرر، وليت الذهبي رحمه الله لم يُرسله فيتعلق به من جاء بعده، فما هو إلا دعوى، ولمناقشتها موضعٌ آخر، وإنما كان الحسن يُرسل عمَّن لم يلقه أو لم يسمع منه، أما التدليس فهي تُهمةٌ مرسلةٌ لا تثبت عليه.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل "(4/ 364) و " المراسيل "(ص: 220) بإسناد صحيح إلى موسى.
(3)
أخرجه ابن عدي في " الكامل "(8/ 178) بإسناد صحيح إلى موسى، كما رواه (8/ 177) عن شيخه علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، وهو شيخٌ متهم، وهو بمعناه مختصراً عند الطحاوي في " شرح المعاني "(3/ 164) من طريق صحيح.
وقال في لفظ: " ما سمعت عن أبي شيئاً، إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه "، وزاد:" ما أدركت أبي إلا وأنا غلام "(1).
لكن هذه الحكاية لا يحتج بمثلها على الانفراد، من أجل أن موسى هذا ليس بالمشهور، وغاية أمره أن يستشهد به عند الموافقة.
ووجدت له موافقاً من طريق صحيح فقد حكى حماد بن خالد الخياط، وكان ثقة، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتباً، فقال:" هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئاً "(2).
والحكاية الثانية: ما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: قرأت في كتاب مالك بن أنس بخط مالك، قال: وصلت الصفوف حتى قمت إلى جنب مخرمة بن بكير في الروضة، فقلت له: إن الناس يقولون: إنك لم تسمع هذه الأحاديث التي تروي عن أبيك من أبيك، فقال:" ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي، ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي " ثلاثاً (3).
قلت: وهذه الحكاية ربما طعن عليه لكونها وجادة عن مالك، وليس بطعن على التحقيق، فإنها كانت بخط مالك، وابن أبي أويس من أهل بيته ومن أصحابه، لكن المأخذ عليها إنما هو من جهة أن ابن أبي أويس لم يكن قوياً في الحديث.
(1) أخرجه ابن عدي (8/ 177 _ 178) بإسناد صحيح إلى موسى.
(2)
أخرج ذلك عنه مباشرة: أحمد بن حنبل في " العلل "(رقم: 545، 1907، 5592) وعنه: البُخاري في " التاريخ الكبير "(4/ 2 / 16) وابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 220) ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ "(3/ 183).
(3)
أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة "(1/ 663) عن إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن أبي أويس. كما رواهُ بمعناه مُختصراً عن ابن أبي أويس: أبو حاتم الرازي، كما في " الجرح والتعديل "(4/ 1 / 364)، أحمد بن صالح المصري عندَ أبي زُرعة الدمشقي في " تاريخه " (1/ 442) ومن طريقه: ابنُ حبان في " الثقات "(7/ 510).
ولما حكى أبو حاتم القصة عن ابن أبي أويس، قال مشعراً بضعفها:" إن كان سمعها من أبيه، فكل حديثه عن أبيه، إلا حديثاً يحدث به عن عامر بن عبد الله بن الزبير "(1).
غير أنه ربما قيل: يقويها قول معين بن عيسى القزاز، وهو ثقة:" مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار "(2).
وأقول: أدرك معن مخمرة وروى عنه شيئاً، لكن هذه العبارة من إنشائه، ولم يعزها إلى مخرمة من قوله كما وقع في رواية حماد الخياط المتقدمة فيجوز أن يكون بلغه ما حدث به ابن أبي أويس، وهو بلديه وقرينة في الأخذ عن مالك، ويجوز أن يكون قال ذلك بمجرد اجتهاده، ويجوز غير ذلك، وبإيراد مثل هذه الاحتمالات لا يصلح الاعتراض على ما صح نقله عن مخرمة نفسه من عدم سماعه من أبيه، إلا أن يحمل ذلك على شيء يسير، على ما ذهب إليه بعض أهل العلم بالحديث:
قال أبو داود السجستاني: " لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحد، وهو حديث الوتر "(3).
وقال علي بن المديني: " ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان (4)، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي "(5).
قلت: وهذا جميعه يؤكد صحة الحكاية الأولى عن مخرمة، ويضعف الثانية.
(1) الجرح والتعديل (4/ 1 / 364).
(2)
أخرجه ابن عدي (8/ 178) بإسناد صحيح إليه.
(3)
نقله المزي في " تهذيب الكمال "(27/ 326).
(4)
يعني ابن يسار.
(5)
أخرجه ابنُ عدي (8/ 178) بإسناد صحيح.
وهو الأمر الذي صار إليه كبار النقاد:
قال أحمد بن حنبل: " مخرمة بن بكير ثقة، إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئاً "(1).
وكذلك قال في رواية أبي طالب، وزاد:" إنما يروي من كتاب أبيه "(2).
وقال يحيى بن معين في رواية الدوري: " يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه "(3).
وقال في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ابن البرقي: " كان مخرمة ثبتاً، ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لأبيه، لم يسمع منه "(4).
وقد ضعفه يحيى في رواية الدوري، حيث قال مرة:" ضعيف الحديث "(5)، ومرة:" ليس حديثه بشيء "(6)، وفي رواية ابن محرز:" لا يكتب حديثه "(7).
قلت: وهذا اختلاف عن يحيى، وعلة تضعيفه له ليست من جهة عدالته، ولا من جهة حفظه وإتقانه، وإنما هو لأجل أن روايته لم تكن شيئاً سمعه، إنما هي وجادة.
(1) العلل (النص: 3230).
(2)
نقله عنه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل "(4/ 1 / 363) و " المراسيل "(ص: 220)، وابن عدي في " الكامل "(8/ 178).
(3)
تاريخ يحيى بن معين (النص: 1192)، ونقل ابنُ أبي خيثمة عن يحيى نحوه، كما في " الجرح والتعديل "(4/ 1 / 363)، وفي رواية ابن مُحرز (1/ 56): سُئل يحيى بن معين: مخرمة بن بُكير سمع من أبيه؟ فقال: " كتاب ".
(4)
نقله ابن عبد البر في " التمهيد "(24/ 202).
(5)
تاريخ يحيى بن معين (النص: 340، 1019، 5157)، وكذلك رَوى مُعاوية بن صالح عن يحيى، كما في " الكامل " لابن عدي (8/ 178).
(6)
تاريخ يحيى (النص: 1121).
(7)
معرفة الرجال (1/ 56).
ولهذا خالف يحيى في ذلك غيره مع الإقرار بكون حديثه عن أبيه وجادة، فهذا أحمد يوثقه، وكذلك قال علي بن المديني:" ثقة "(1)، وقال أحمد بن صالح المصري:" من ثقات الناس "(2)، وقال أو حاتم:" صالح الحديث "(3)، كما جرى على توثيقه غيرهم مع تسليم كون حديثه عن أبيه وجادة.
فالرجل ثقة، حديثه عن أبيه وجادة صحيحة، كان يقول فيما يحدث به منها:(عن)، وهذا هو الذي لا يجوز سواه في الوجادة، وقد عد بعضهم مخرمة لذلك في المدلسين، ولا معنى له وقد تبين وجهه سوى التوسع في الاصطلاح.
وهي رواية متصلة؛ نظراً لعدم الوساطة فيها بين الراوي والمروي عنه، وأنها كتاب الشيخ نفسه وليست نسخة عنه.
ولهذا احتج مسلم في " صحيحه " برواية مخرمة عن أبيه.
نعم، في القوة دون السماع، لكن ذلك لا يؤثر بالمكاتبة متصلة وليست سماعاً، فكذلك الوجادة الصحيحة
* * *
(1) أخرجه ابنُ عدي (8/ 178) بإسناد صحيح.
(2)
رواه عنه أبو زُرعة الدمشقي في تاريخه " (1/ 442).
(3)
الجرح والتعديل (4/ 1 / 364).