الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشرط الثاني:
أن يكون جرحاً بما هو جارح
ليس كل جرح يكون قادحاً حتى ولو كان مفسراً؛ وذلك لما عرف أن الراوي قد يجرح بغير جارح، والعالم ربما جرح بالشيء يخالف فيه، والصواب والعدل قول مخالفه.
وتقدم في (تفسير الجرح) أنه وقع بأسباب لا أثر لها في التحقيق، فاستبنه مما شرحته هناك.
فإذا كان الجرح مفسراً قادحاً فهو مقدم على التعديل، على التحقيق.
الشرط الثالث:
أن لا يكون الجرح مردوداً من ناقد آخر بحجة
فقد وجدنا الرجل يجرح الرجل أو يعدل من بعض النقاد، فيأتي بعده من يطلع على جرحه أو تعديله، فيرد قوله.
فأما رد التعديل بظهور الجرح، فهذا يميز بالشرط الأول.
مثل قول الجوزجاني: قلت لأحمد (يعني ابن حنبل): إن موسى (يعني ابن عبيدة الربذي) قد روى عنه سفيان وشعبة؟ قال: " لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه "(1).
وكقول الدارقطني في (عبد الغفار بن القاسم أبي مريم): " متروك "، ثم قال:" شيخ شعبة، أثنى عليه شعبة، وخفي أمره على شعبة، وبقي بعد شعبة زماناً فخلط "(2).
(1) أحوال الرجال (النص: 208).
(2)
سؤالات البَرقاني (النص: 316).
ومن هذا تعديل بعض السلف لبعض من أدركوا من الرواة، فاكتشف من جاء بعدهم من أمرهم ما خفي على من عدلهم، كتعديل بعضهم لجابر الجعفي، وعبد الكريم بن أبي المخارق، والواقدي.
فتقديم الجرح في هذه الأمثلة صحيح ما دام مفسراً مبيناً قادحاً.
ولكن رد الجرح من قبل الناقد الآخر هو المعني بهذا الشرط، ومن أمثلته:
1 _
قال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن هلال بن خباب وقلت: إن يحيى القطان يزعم أنه تغير قبل أن يموت واختلط؟ فقال يحيى: " لا، ما اختلط، ولا تغير "، قلت ليحيى: فثقة هو؟ قال: " ثقة مأمون "(1).
قلت: وهذا النفي من ابن معين جائز أن يكون بالنظر إلى روايات الرجل، فلم ير لما ذكر يحيى القطان تأثيراً فيها، فكأنه يقول: لو صح ما قال القطان فلا وجه للقدح به، إذ كأنه لم يكن.
2 _
وقال الآجري: قلت لأبي داود: العوام بن حمزة، حدث عنه يحيى القطان، قال عباس (يعني الدوري) عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء؟ قال: " ما نعرف له حديثاً منكراً "(2).
قلت: فأبو داود يقول: لا وجه لجرحه بما قال ابن معين؛ لسلامة حديثه، وخذ منه أن ابن معين ربما قال هذه العبارة لا يعني بها رد حديث الراوي، إنما يعني قلة حديثه.
3 _
وقال علي بن المديني في (عبد الحميد بن جعفر الأنصاري): " كان يقول بالقدر، وكان عندنا ثقة، وكان سفيان الثوري يضعفه "(3).
(1) سؤالات ابن الجنيد (النص: 288).
(2)
سؤالات الآجري (النص: 355).
(3)
سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (النص: 105).
قلت فلم يعتد بتضعيف سفيان، وجائز أن يكون من أجل إجماله، أو من أجل البدعة، ولم يكن ابن المديني يرى لها أثراً في صدق الراوي وثقته.
4 _
وفي طائفة من الرواة كان البخاري عدهم في جملة الضعفاء فيما ألفه في ذلك، فخالفه فيهم أبو حاتم الرازي، على ما يذكر من تشدده:
فمنهم: حريث بن أبي حريث، قال أبو حاتم:" يحول اسمه من هناك، يكتب حديثه ولا يحتج به "(1)، يريد أنه صالح الحديث للاعتبار.
ومنهم: عبيد بن سلمان الأعرج، قال أبو حاتم:" لا أرى في حديثه إنكاراً، يحول من كتاب الضعفاء الذي ألفه البخاري إلى الثقات "(2).
ومنهم: عبيد الله بن أبي زياد القداح، قال أبو حاتم:" ليس بالقوي ولا بالمتين، وهو صالح الحديث، يكتب حديثه، ومحمد بن عمرو أحب إلي منه، يحول اسمه من كتاب الضعفاء الذي صنفه البخاري "(3).
ومنهم: عباد بن راشد التميمي البصري، قال أبو حاتم:" صالح الحديث " وأنكر على البخاري إدخال اسمه في كتاب الضعفاء، وقال:" يحول من هناك "(4).
ومنهم: عبد الرحمن بن مسلمة، قال أبو حاتم:" صالح الحديث " وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء، وقال:" يحول من هناك "(5).
ومنهم: عبد الرحمن بن عطاء المديني، قال أبو حاتم:" شيخ " قال له
(1) الجرح والتعديل (1/ 2 / 263). يعني بقوْله: " من هُناك " أي: من كتاب " الضعفاء " للبخاري.
(2)
الجرح والتعديل (2/ 2 / 407).
(3)
الجرح والتعديل (2/ 2 / 316).
(4)
الجرح والتعديل (3/ 1 / 79).
(5)
الجرح والتعديل (2/ 2 / 286).
ابنه عبد الرحمن: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء؟ فقال: " يحول من هناك "(1).
ومنهم: عبد الرحمن بن حرملة، قال أبو حاتم:" ليس بحديثه بأس، وإنما روى حديثاً واحداً ما يمكن أن يعتبر به، ولم أسمع أحد ينكره ويطعن عليه، وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول منه "(2).
ومنهم: عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، قال أبو حاتم:" ليس عندي بمنكر الحديث " فقال ابنه: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، قال:" يكتب حديثه، ليس بحديثه بأس، ويحوَّل من هناك "(3).
ومنهم: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، قال أبو حاتم " صدوق "، وأنكر على البخاري إدخاله اسمه في كتاب الضعفاء، وقال:" يحول منه " وقال: " يروي عن الضعفاء يشبه ببقية في روايته عن الضعفاء "(4).
قلت: وتلاحظ أن المقياس عند أبي حاتم لرد جرح البخاري كان اعتبار حديث الراوي، فيكون مذهب البخاري فيهم التشديد، والصواب فيهم التوسط.
وهذا باب يطول استقصاؤه، وإنما هذه أمثلة.
5 _
ومنه من ذكر بجرح قديم، فأعرض عن ذلك الجرح صاحبا (الصحيح) ولم يعداه شيئاً، واحتجا بحديث ذلك الراوي، كطائفة من المتكلم فيهم في كتابيهما.
وقد تعقب الدارقطني النسائي في جرحه لجماعة ممن احتج بهم
(1) الجرح والتعديل (2/ 2 / 269).
(2)
الجرح والتعديل (2/ 2 / 222 _ 223).
(3)
الجرح والتعديل (2/ 2 / 219).
(4)
الجرح والتعديل (3/ 1 / 157 _ 158).
البخاري ومسلم، فرد قول النسائي، كما ترى ذلك في جزء حدث به الثقة أبو محمد الحسن بن محمد الصيداوي عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن بكير البغدادي عن الدارقطني (1).
فالناقد قد يرد قول الناقد بعد أن يطلع عليه من جهة وقوفه على ما لم يقف عليه من تقدمه: فإن تعقب بتعديل فلكونه حقق مقال من سبقه في الجرح فلم يره صواباً لثبوت ضده، أو عدم الدليل عليه، وإن تعقب بجرح؛ فلكونه كشف من أمره الراوي ما فات من سبقه.
* * *
(1) وهذا منشورٌ باسم: " سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني ".