الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمتنا عن إدارة البريد *
كتبنا في العدد 149 من «البصائر» ، الصادر يوم 2 من شهر أبريل، كلمة (1) عن ضياع كثير من الجرائد والمجلات الشرقية التي تبادل «البصائر» ، وعزوْنا بعض أسباب
الضياع إلى إدارة البريد الجزائرية، لتقصيرها في التوزيع أو لقصورها في العربية، أو لخضوعها لبعض المؤثرات السياسية؛ وكل ذلك مما يمسّ كرامتها كإدارة مؤتمنة على الأموال والأسرار والمصالح، وقد كان لتلك الكلمة أثرها في الإدارة العليا المسيطرة على مصلحة البريد فكتب إلينا السيّد كاتب الولاية العام، الرسالة التالية:
الجزائر في 18 أفريل سنة 1951
سيّدي المدير،
أتشرّف بإعلامكم أنه لفت نظري مقال "صحف الشرق العربي" المنشور في عدد ثاني أفريل من جريدتكم
…
وإنني أعطي- الآن- أوامر باتخاذ تدابير خاصة لتمكينكم- في سرعة وانتظام- من الدوريات والمنشورات التي حرّرت عناوينها باللغة العربية.
وتفضلوا- سيدي المدير- بقبول فائق احتراماتي.
الإمضاء
ونحن نشكر لحضرة السيد الكاتب العام للولاية عنايته بهذه القضية، ونرجو أن تكون ذات أثر ملموس، وليسمح لنا أن نفتح معه بابًا من الحديث في أطراف هذه القضية ليعلم حضرته- إن لم يكن يعلم- أن هذه المعاملة الشاذة المنافية للحرية وللمصلحة معًا، ليست
* نشرت في العدد 153 من جريدة «البصائر» ، 30 أفريل سنة 1951.
1) نُشرت في الجزء الثاني من "آثار الإمام"، [ص:395].
خاصّة بالصحف التي ترد علينا، وليست خاصّة ببريد العاصمة، بل هي عامة في كل علاقاتنا بالبريد، وفي كل مركز من العمالات الثلاث لنا فيه علاقة بالبريد.
فقرّاء «البصائر» في الشرقين: العربي والإسلامي، وأصحاب الجرائد التي تبادلها بالبصائر، كلهم يشكون عدم انتظام وصولها إليهم، وأنه لا يصلهم من العشرة إلا عددان أو ثلاثة أو خمسة، وقليل منهم من تصله العشرة كاملة. ومن العجيب أن الأعداد التي لا تصل إلى واحد منهم، هي- بعينها- التي لا تصل إلى معظمهم، ونستبعد جدًّا أن يكون التعطيل صادرًا من إدارات بريدهم، إذ لا داعي إلى ذلك، وقد بحث أولئك القرّاء وأصحاب الجرائد، وراجعوا المسؤولين عن البريد في أوطانهم، فتحقّقوا أن التعطيل ليس داخليًّا، وقد انتقدت «البصائر» بعض ملوك العرب وأمرائهم انتقادًا مرًّا، فلم يجرؤ واحد منهم على منع دخولها ورواجها في مملكته، لا لشيء إلا التأثّر بالحرية، والاحترام لـ «البصائر» ، والاعتراف بمكانتها، هذا وهم ليسوا "جمهوربين".
وهنا في الجزائر نذكر للسيد الكاتب العام مثالين اثنين مما يجري في بلدة واحدة جزائرية، وهي بلدة "تبسة". ولا نذكر له منع «البصائر» من دخول المغرب الأقصى، فذلك إجراء عسكري ليس من اختصاصه، وإن كنا نعتقد أنه إجراء لم يقع في زمانه ولا في مكانه، وهو- مع ذلك- لا يُسكتنا عن كلمة الحق.
ففي هذه الأيام تُشترى الجرائد اليومية المصرية الرائجة في باريس برسم الشيخ العربي التبسي وبماله، وترسل إليه باسمه وعنوانه في تبسة، ومن باريس لا من مصر، ولكنها لا تصل إليه، ويراسل المكلفين بشرائها وإرسالها، فيجيبون- وهم ثقاة- بأنهم أرسلوا المجاميع في حينها، وليست المسافة بالبعيدة، ولا بريد فرنسا بمختلّ النظام، إلا أن يكون في البريد شيطان مريد
…
ومنذ سنتين كنا نلقى العناء حين نريد الاتصال بالشيخ العربي التبسي. أو يريد هو الاتصال بنا بواسطة رقمه التلفوني، فلا نسمع في أغلب الأوقات إلا أن الجهاز فاسد، أو أن صاحبه لم يجب، ونحن نعلم- يقينًا- خلاف ذلك، وقد نكون معه على اتفاق تجريبي، فيكون حاضرًا ويكون الجهاز صحيحًا، ولكننا لا نسمع في الأغلب إلا نفس الجواب، ولا يسمع هو إذا طلب إلا كلمة "لم يجب"، وكتبنا كلمة في «البصائر» بعنوان "الرقم السجين"(2) فلم تفد، حتى اضطرّ الشيخ التبسي في الأخير إلى قطع جهازه التلفوني، وهو في حاجة أكيدة إليه فرارًا من المغرم، بدون مغنم.
…
2) نُشرت في الجزء الثاني من "آثار الإمام"، [ص:303].
العالم- يا جناب الكاتب العام- سائر إلى الاتصال، تحثه الحياة، وتدفعه المصلحة، شئنا أو أبينا، ويوشك أن تصبح الكرة الأرضية دارًا واحدة فلا تكونوا عرضة لسيره، وقد اجتمع الخير والشر على وصل أجزائه، واجتمع الولاء والجفاء، والسلم والحرب على التقريب بينهما، فزويت أطرافه المتباعدة بالراديو والسينما والطيّارة والمدرسة والكتاب والجريدة والطب وجمعية الأمم
…
والجوسسة
…
والميكروب
…
وإن الزمان قاهر غلّاب بأطواره وظروفه، وأحكامه وصروفه، وقد حكم على الأحياء أن يتّصلوا على الطوع والكره، وأن يسيروا في ركابه على السخط والرضى، وأن يتلاقوا على أحداثه في الحياة والموت، وها هي ذي دماء الأضداد تُسيلها الحرب في الشرق الأقصى، وها ذا عرق الجهد يصبه السلم في أمريكا، وما عن رضى سالت تلك الدماء في صعيد واحد، ولا باختيار تصبّب ذلك العرق في ميزاب واحد، ولكنه حُكم الزمان
…
فسايروا العالم، وجاروا الزمان، وافتحوا أبواب الاتصال، تسدّوا باب النقد، وتدفعوا ظنون السوء، وتربحوا أكثر مما تخسرون، ومن العجيب أنكم تعرفون كل هذا، ولا تعملون بشيء منه.
…
إن بين النصح والنقد فارقًا من هوى النفس، وإن بين العدل والجور فاصلًا من الأنانية، وإن لكلمة الحق ثقلًا يخفّفه الإنصاف، ومرارة تحلّيها سعة الصدر، وإن لكلامنا عندكم شرحين، شرحًا يُمْليه الحق وشرحًا يُمْليه الباطل، فكونوا ما شئتم!
…