المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها * -‌ ‌ 3 - ثم نقول لبعض إخواننا - آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي - جـ ٣

[البشير الإبراهيمي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة من "عيون البصائر

- ‌ الرمز القرآني:

- ‌ الإبداع البياني:

- ‌ العمق العرفاني:

- ‌ الفكر العقلاني:

- ‌ السياق التّارِيخاني:

- ‌السياق التاريخي (1947 - 1952)

- ‌مقدمة الطبعة الثانية من "عيون البصائر

- ‌ 1

- ‌ 2

- ‌ 3

- ‌ 4

- ‌ 5

- ‌ 6

- ‌ 7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌ 10

- ‌مشاعل حكمة

- ‌إستهلال *

- ‌من الحقائق العريانة *

- ‌ التعليم العربيّ

- ‌ والصحافة العربية

- ‌والنوادي

- ‌ والمساجد وأوقافها

- ‌جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها *

- ‌ 1

- ‌عملها في توجيه الأمة:

- ‌عملها للعروبة:

- ‌موقفها من السياسة والساسة *

- ‌ 2

- ‌جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها *

- ‌ 3

- ‌فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الفرنسية فى الجزائز

- ‌قضية فصل الدين

- ‌الأديان الثلاثة في الجزائر *

- ‌طلائع ومقدمات

- ‌التقرير الحكومي العاصمي *

- ‌كتاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية الفرنسية *

- ‌هل دولة فرنسا لائكية *

- ‌فصل الدين عن الحكومة…*- 1

- ‌فصل الدين عن الحكومة- 2

- ‌فصل الدين عن الحكومة- 3

- ‌فصل الدين عن الحكومة- 4

- ‌فصل الدين عن الحكومة (5)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (6)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (7)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (8)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (9)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (10)

- ‌التعليم القضائي:

- ‌الوظائف القضائية:

- ‌السلطة العليا:

- ‌محاكم الاستئناف:

- ‌الدين المظلوم *

- ‌فصل الدين عن الحكومة (11)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (12)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (13)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (14)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (15)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (16)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (17)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (18)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (19)

- ‌فصل الدين عن الحكومة (20)

- ‌القضية ذات الذنب…الطويل *

- ‌القضية ذات الذنب…الطويل *- 2

- ‌كتاب مفتوح

- ‌كلمتنا عن الأئمة *

- ‌وشهد شاهد *

- ‌حرية التعليم العربيوحرية الصحافة العربية

- ‌إلى أبنائي الطلبة

- ‌اللغة العربية في الجزائر

- ‌حقائق *

- ‌بوركت يا دار *

- ‌المعهد الباديسي *

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 1

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 2

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 3

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 4

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 5

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 6

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 7

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 8

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 9

- ‌التعليم العربي والحكومة *- 10

- ‌معهد عبد الحميد بن باديس *

- ‌مدارس جمعية العلماء *

- ‌إلى أبنائنا المعلمين الأحرار *

- ‌كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار *- 1

- ‌كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار- 2

- ‌حقوق الجيل الناشئ علينا *

- ‌حقوق المعلّمين الأحرار على الأمّة *

- ‌اختلاف ذهنين في معنى التعليم العربي *

- ‌دروس الوعظ في رمضان *

- ‌الكلمة الأخيرة للأمّة *

- ‌المشاكلالإجتماعية

- ‌من مشاكلنا الاجتماعية (1)

- ‌من مشاكلنا الاجتماعية (2)

- ‌دعوة صارخة إلى إتحاد الأحزاب والهيئات *

- ‌دعوة مكررة إلى الإتحاد *

- ‌عواقب سكوت علماء الدين عن الضلال في الدين *

- ‌ثلاث كلمات صريحة *

- ‌ إلى الأمة:

- ‌ إلى تلامذة الزيتونة والقرويين

- ‌ إلى أولياء أولئك التلامذة

- ‌من مشاكلنا الإجتماعية (3)

- ‌من مشاكلنا الإجتماعية (4)

- ‌جمعية العلماء والسياسةالفرنسية بالجزائر

- ‌ذكرى 8 ماي *- 1

- ‌ذكرى 8 ماي *- 2

- ‌الأسابيع في عرف الناس *

- ‌أفي كلّ قرية حاكم بأمره

- ‌عادت لعترها لميس *

- ‌الشك في الإيجاب…نصف السلب *

- ‌لجنة "فرانس - إسلام" *- 1

- ‌لجنة "فرانس - إسلام" *- 2

- ‌ويح المستضعفين *

- ‌حدّثونا عن العدل فإننا نسيناه *- 1

- ‌حدّثونا عن العدل فإننا نسيناه *- 2

- ‌حدّثونا عن العدل فإننا نسيناه *- 3

- ‌ويحهم…أهي حيلة حربية

- ‌أين موقع "بسكرة" من أفريقيا الشمالية

- ‌كلمتنا عن إدارة البريد *

- ‌جمعية العلماءوالمغرب العربي

- ‌أفي كل حي، عبد الحي

- ‌عيد العرش المحمدي العلوي *

- ‌موجة جديدة *

- ‌ليبيا، موقعها منا *

- ‌ليبيا، ماذا يراد بها

- ‌إضراب التلامذة الزيتونيين *

- ‌إبليس ينهى عن المنكر

- ‌إبليس يأمر بالمعروف

- ‌أرحام تتعاطف *

- ‌سكتُّ…وقلت

- ‌عروبة الشمال الافريقي *

- ‌جمعية العلماءوفلسطين

- ‌فلسطين (1)

- ‌فلسطين (2)

- ‌فلسطين (3)

- ‌فلسطين (4)

- ‌فلسطين (5)

- ‌فلسطين (6)

- ‌فلسطين (7)

- ‌فلسطين (8)

- ‌فلسطين (9)

- ‌جمعية العلماء والشرقوالإسلام

- ‌عيد الأضحى *

- ‌هجرة النبوّة من مكة إلى يثرب *

- ‌شهر رمضان

- ‌معنى العيد *

- ‌من وحي العيد *

- ‌الإسلام *

- ‌من نفحات الشرق *

- ‌محنة مصر محنتنا *

- ‌يا مصر

- ‌أثر الأزهر في النهضة المصرية *

- ‌ ثلاثة كتب:

- ‌كلمات مظلومة *

- ‌الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *- 1

- ‌الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *- 2

- ‌الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *- 3

- ‌الشاب الجزائري كما تمثّله لي الخواطر *- 4

- ‌سجع الكهّان *- 1

- ‌سجع الكهّان *- 2

- ‌سجع الكهّان *- 3

- ‌سجع الكهّان *- 4

- ‌سجع الكهّان *- 5

- ‌سجع الكهّان *- 6

- ‌سجع الكهّان *- 7

- ‌شخصيات

- ‌عبد الحي الكتاني *

- ‌محمد الطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس

- ‌ 1

- ‌ 2

- ‌دمعة على المنصف *

- ‌إلى الزاهري *

- ‌الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار *

- ‌بدء معرفتي به:

- ‌محمد خطاب *

- ‌ذكرى مبارك الميلي *

- ‌أثارة من أعمال رابح الفرقاني

- ‌لمحة من أخلاق الشاعر محمد العيد

- ‌السلطان محمد بن يوسف *

- ‌ذكرى عبد الحميد بن باديس *

- ‌الفضيل الورتيلاني *

الفصل: ‌ ‌جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها * -‌ ‌ 3 - ثم نقول لبعض إخواننا

‌جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها *

-‌

‌ 3

-

ثم نقول لبعض إخواننا وساستنا الذين يناوئون جمعية العلماء، وهي مادّة قوتهم، وعماد أعمالهم، وأصل فروعهم، ومجمع غاياتهم التي يعملون لها إن كانوا صادقين، نقول لهم على اختلاف نزَعاتهم من أفراد وجماعات: إن السياسة لباب وقشور، وإن حظ الكثير منكم- مع الأسف والمعذرة- القشورُ دون اللباب.

أما لباب السياسة بمعناها العام عند جميع العقلاء فهو عبارة واحدة: إيجاد الأمة، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوّماتها من جنس، ولغة، ودين، وتقاليدَ صحيحة، وعادات صالحة، وفضائلَ جنسية أصيلة، وبتصحيح عقيدتها وإيمانها بالحياة، وبتربيتها على الاعتداد بنفسها، والاعتزاز بقوّتها المعنوية، والمغالاة بقيمتها وبميراثها، وبالإمعان في ذلك كله حتى يكون لها عقيدةً راسخة تناضل عنها، وتستميت في سبيلها، وترَى أنّ وجود تلك المقومات شرط لوجودها، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض عليها من مجموع تلك الحالات إلهام لا يغالب ولا يردّ، بأن تلك المقوّمات متى اجتمعت تلاقحت، ومتى تلاقحت ولدَت " وطنًا".

فاسمحوا لنا حين نفتخر بأن هذا اللُّبابَ من حظ جمعية العلماء، له عملت، وفي ميدانه سابقت فسبقت، وفي سبيله لقيت الأذى والكيد والاتهام، وفي معناه اصطدم فهمها بفهم الاستعمار، هي تفهمه دينًا، وهو يفهمه سياسة، اسمحوا لنا حين نعتقد أن حظ بعضكم من هذا اللباب صفر في صفر، فإن لوَوْا ألسنتهم بشيء من ذلك كذبتهم أعمالهم، وصدمهم الواقع، وإذا حاولوا شيئًا من ذلك شفّ ثوبُ التصنع عما تحته فافتضحوا.

إن جمعية العلماء تبني المقوّمات التي لا تكون الأمة أمةً إلا بها، ولا تكون وحدةً متماسكة الأجزاء إلا بالمحافظة عليها، فواجب على كل سياسي مخلص أن

* نشرت في العدد 4 من جريدة «البصائر» ، 29 أوت سنة 1947.

ص: 64

يعينها على ذلك، وينشطها، ويعرف لها أعمالها، لا أن يخذلها ويئبطها ويبسط لسانه بالسوء فيها.

وان الاستعمار ما عكف على هدم تلك المقوّمات قرنًا كاملًا إلا لأنه كان يعلم أن سيأتي يوم يصيح فيه صائح بكلمة "حقي"، فقدّرَ لذلك اليوم، ولذلك الصائح، أنهما لا يأتيان، حتى لا تكون هذه الأمة في موضعها من الأرض لأنها أضاعته، ولا في موضعها من التاريخ لأنها نسيته؛ ولعمري إذا لم توجد الأمة فما صياحُ الصائحين إلا نفخ في رماد.

إن جمعية العلماء تعمل لسياسة التربية لأنها الأصل، وبعض ساستنا- مع الأسف- يعملون لتربية السياسة، ولا يعلمون أنها فرع لا يقوم إلا على أصله؛ وأيُّ عاقل لا يدرك أن الأصول مقدَّمةٌ على الفروع، وإن الاستعمار لأفقه وأقوى زكانة، وأصدقُ حدْسًا، من هؤلاء حين يسمي أعمالَ جمعية العلماء سياسة، وما هي بالسياسة في معناها المعروف ولا قريبة منه، ولكنه يسميها كذلك لأنه يعرف نتائجها وآثارها، وأنها اللُّباب وغيرها القشور؛ ويعرف أنها إيجاد لما أعدَم، وبناء لما هدَم، وزرعٌ لما قلع، وتجديد لما أتلف، وفي كلمة واحدة، هي تحد صارخ لأسلوبه، وما خدعناه في ذلك- والله- ولا ضلّلناه، وإنها لنقطة اصطدام على الحقيقة بين نظر الجمعية وبين نظر الاستعمار؛ فلا الإسلام يسمح لنا أن نعمل غير ما عملناه، ولا الاستعمار يرضى عن ذلك العمل، وقد أجبناه وانتهينا، ومضَينا وما انثنينا.

أَيُريد هؤلاء أن يبنوا الفروع على غير أصولها، فيبوءوا بضياع الأصل والفرع معًا؟ أم يريدون أن يجعلوا الفروع سلمًا للأصول، على طريقة أبي دلامة (1)، فيبوءوا باختلال المنطق وفساد القياس؟!

إننا نعدّ ضعف النتائج من أعمال الأحزاب في هذا الشرق العربي كله آتيًا من غفلتهم أو تغافلهم عن هذه الأصول، ومن إهمالهم لتربية الجماهير وتصحيح مقوّماتها، حتى تصبحَ أمةً وقوةً ورَأيًا عامًّا وما شاء الحق؛ ومن ترويضهم إياها على لفظ الحق قبل اعتقاد استحقاقه، وعلى لفظ الخصم قبل إحضار الحجة، وعلى لفظ العدو قبل أخذ الحيطة؛ ومن اغترارهم بالظواهر قبل سبْر البواطن، وبالسطحيات قبل وزن الجوهريات، وبالأقوال قبل أن تشهد الأفعال، ففي الوقت الذي كان فيه جمال الدين الأفغاني يضع أساس الوطنية الإسلامية على صخرة الإسلام الصحيح، ويهيب بالمسلمين أن ينفضوا أيديهم من ملوكهم ورؤسائهم وفقهائهم، لأنهم أصل بلائهم وشقائهم، وفي الوقت الذي كان محمد عبده يطيل ذلك البناء ويعليه كان مصطفى كامل- على إخلاصه لدينه ووطنه- يوجه الأمة المصرية إلى مقام

1) حكايته مع بعض الخلفاء مشهورة حين حكمه في الجائزة فاقترح كلب صيد ثم ترقى منه إلى طلب خادم وزوجة تطبخ الصيد ودار تؤوي الجميع، إلخ.

ص: 65

الخلافة العظمى المتداعي، ويخيف الاستعمارَ بشبح لا يخيف، ثم جرَت الأحزابُ المصرية إلى الآن على ذلك المنهج: إهمال شنيع لتربية الأمة وتقوية مقوماتها، وتطاحنٌ أشنع على الرياسة والحكم، وترديدٌ لكلمة الوطنية دون تثبيت لدعائمها، وتغن بمصالح الوطن وهي ضائعة، وترام بالتهم، والجريمةُ عالقة بالجميع، وتقديسٌ للأشخاص، والمبادئ مهدورة، والاستعمار من وراء الجميع يضحك ملءَ شدقيه، وينام ملءَ عينيه.

ليت شعري: إذا كان من خصائص الاستعمار أنه يمحق المقوِّمات ويميتها، ثم يكون من خصائص أغلب الأحزاب أنها تهملها ولا تلتفت إليها، فهل يلام العقلاء إذا حكموا بأن هذه الأحزابَ شر على الشرق من الاستعمار، لأن الاستعمار يأتيه من حيث يحذَر، والحذر- دائمًا- يقظ، أما هذه الأحزاب فإنها تأتيه من حيث يأمن، والآمن أبدًا نائم، فإذا انضم إلى هذا الداء المستشري خلاف الأحزاب ومنازعاتها، كانت النتيجة الطبيعية ما نرى وما نسمع، وقد أصبح هذا الشرق في تعدّد أحزابه السياسية كعهده في الخلافة العباسية يوم كان كل خلاف جدليّ في لفظة يسفر عن فرقة أو فرق، وكل مجلس مناظرة بين فريفين ينفضّ عن ثالث ورابع، ونراهم يقولون: إن كثرة الأحزاب في أمة عنوان يقظتها وانتباهها، وضمانُ وصولها إلى حقها، ولكننا لم نرَ من تعدد الأحزاب إلا نقصًا في القوة، ونقضًا للوحدة، وتنفيسًا على الخصم، واشتغالًا من بعضهم ببعضهم؛ وتعالتْ كلمة القرآن، فإنه لا يكاد يذكر الأحزابَ بلفظ الجمع إلا في مقام الخلاف والهزيمة {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} ، ولا يكاد يذكر الحزب بلفظ المفرد إلا في مقام الخير والفلاح {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، وإن حزبَ الله في الأمة الجزائرية هو جمعية العلماء، وانها لمفلحة لا محالة.

إن من الغفلة والبله أن نقيس أحزابنا بالأحزاب الأوروبية، فإن تلك الأحزابَ ظهرتْ في أمم استكملتْ تربيتها وصححتْ مقوماتها، بدعوة دعاة جمعوا الكلمة، وعلماءَ أحيوا اللغة، ومعلمين راضوا الأجيال على ذلك، وأينَ نحن وأحزابنا من ذلك؟

يا إخواننا- خطاب عطف وتشريف- لسنا والله نبغضكم، فما أنتم إلا جزء منا، ولسنا والله نحتقركم فما أنتم إلا رأس مال هذه الأمة الفقيرة، ولسنا والله نتهمكم بممالأة الاستعمار فأنتم عندنا أجلّ من ذلك، ولكننا نعدّ مقاومةَ المقاومين منكم لجمعية العلماء ناشئةً عن بعدهم عن التربية الإسلامية والثقافة العربية، ونجد في كل عيب من عيوبهم أثرًا بارزًا من آثار الاستعمار في تربيتهم.

إن أقبح ما في أساليبكم أنكم تقسرون المبادئ على الخضوع للشخصيات في أمة حديثة عهد بعبادة الأشخاص، فتعرضونهما معًا للضياع، وأن أسوأ أعمالكم احتقاركم للسواد الأعظم من الأمة- وهي أمتكم- فلا تفكرون في إعدادها، ولا في درجة استعدادها، ولا

ص: 66

تلتفتون إلى تصحيح الأسس فيها، ولا تعبأون بدينها ولا بلغتها، ولا تظهرون بالمظاهر التي تقربكم منها، ولا تنيرون أمامها السبلَ ببرامجَ واضحة ومبادئ معقولة، ولا تشركونها في رأي ولا مشورة، ولا تتصلون بها إلا حين ينعق غراب الانتخاب.

إن منكم من يحتقر لغةَ الأمة فلا يقيم لها وزنًا، وفيكم من يحتقر دينها فلا يقرأ له حسابًا، وفيكم من يحتقر بناتها فلا يتزوج منهن، وفيكم من يأنف من خؤولتها لأبنائه فيختار لهم أخوالًا غرباء، وإن بعض ذلك لقدْح محسوس في أمتكم الحاضرة، وإن بعضه لسم مدسوس في أعراق أمتكم المقبلة؛ فيا ويحكم هل هذا كله إلا من آثار الاستعمار في نفوسكم، شعرتم أم لم تشعروا؟

يا إخواننا! إنكم أحرجتمونا بأعمالكم وأقوالكم وأحوالكم، فأخرجتمونا من مقام التلطف في النصيحة إلى مقام الإيجاع في التنديد؛ وأردتم أن تثلموا سيفًا من سيوف الحق، فلا تلوموه إذا خشن متنه وآلم جرحه، فتجرّعوا هذه النصائح على مرارتها في لهواتكم، فما نحن- بمكاننا في الدين- أقل من أن ننصح، ولا أنتم- بمكانتكم في أنفسكم- أجل من أن تنتصحوا.

يا إخواننا! إن الدعوى والزعم وسفاسف الأقوال وتوافه الأعمال وتصغير الكبائر وتكبير الصغائر، كلّ ذلك مما لا تقوم عليه عقيدةٌ سياسية ولا تربيةٌ وطنية.

إننا لو جمعنا كل آرائكم في السياسة، وفرضنا تحقيقها لما أفادت الأمة شيئًا وهي بهذه الحالة من التربية فكيف وأنتم متباينون؛ وكيف وأنتم مع الخلاف يكفر بعضُكم ببعض، ويلعنُ بعضُكم بعضًا؟

إن وراء السياسة شيئًا اسمه الكياسة، وهي خلق ضروري للسياسي، وإن السياسي الذي يحترم نفسه، يحترم غيره مهما خالفه في الرأي، ومهما كان الخلاف جوهريًّا، فإذا لزم النقد، فلا يكون الباعث عليه الحقد، وليكن موجهًا إلى الآراء بالتمحيص، لا إلى الأشخاص بالتنقيص.

إننا لا نتصور كيف يخدم السياسي أمته بتقطيع أوصالها، وشتم رجالها، وتسفيه كل رأي إلا رأيه، ولا نتصوّر أن مما تخدم به الأمة هذه الدروس (العالية) في أساليب السبّ التي يلقنها بعض الأحزاب لطائفة من شباب الأمة في (معاهد) المقاهي والأزقة؛ إن تضرية الشبان على الشتم والسباب جريمة لا تغتفر

إن شباب الأمة هو الدم الجديد في حياتها؛ فمن الواجب أن يصان هذا الدم عن أخلاط الفساد؛ ومن الواجب أن يتمثَّل فيهم الطهر والفضيلة والخير، ومن الواجب أن تربى ألسنتهم على الصدق وقول الحق، لا على البذاء وعورات الكلام.

ص: 67

يا قومنا! إننا نخشى أن تفسدوا على الأمة (بهذه الدروس) جيلًا كاملًا كنا نجهد أنفسنا في تربيته على طهارة الإسلام، وهمم العرب، ومجد العروبة، والإيمان بحقوق الوطن، والعمل على تحقيق استقلاله وحرّيته، ونبنيه طبقًا عن طبق، ونعلي أخلاقه خلقًا عن خلق، نخشى أن تضيّعوا على الأمة هذا الجيل، وتفسدوا مواهبه، وتلهوه بالمناقشات الحزبية عن الحقائق القومية.

نخشى ذلك

ونخشى أكثر منه على هذه الطائفة المقبلة على العلم المنكبّة على تحصيله

هذه الطلائع التي هي آمال الأمة، ومناطُ رجائها، والتي لا تحقّق رجاءَ الأمة إلا إذا انقطعت إلى العلم وتخصّصت في فروعه، ثم زحفت إلى ميادين العمل مستكملة الأدوات تامة التسلّح، تتولى القيادة بإرشاد العلم، وتحسن الإدارة بنظام العلم، فتثأر لأمّتها من الجهل بالمعرفة، ومن الفقر بالغنى، ومن الضعف بالقوة، ومن العبودية بالتحرير، وتكتسح من ميدان الدين بقايا الدجالين، ومن ميدان السياسة والنيابة بقايا السماسرة والمتّجرين، ومن أفق الرياسة بقايا المشعوذين والأميين.

هذه الطائفة الطاهرة، الطائفة بمناسك العلم، قد ألهبتم في أطرافها الحريق بسوء تصرفكم، فبدأت تنصرف من رحاب العلم إلى أفنية المقاهي، ومن إجماع العلم إلى خلاف الحزبية.

إن من طلّاب العلم هؤلاء من يدرسُ الدين، وإن الدين لا يجيز لدارسه أن يفتي في أحكامه إلا بعد استحكام الملكة واستجماع الأدلة حذرًا من تحليل محرم، وإن منهم الدارسَ للطبّ، وإن قانون الطب لا يجيزُ لدارسه أن يضعَ مبضعًا في جسم إلا بعد تدريب وإجازة خوفًا من إتلاف شخص

فهل بلغ من هوان الأمة عليكم أن تضعوا حظها في الحياة في منزلة أحطّ من حظ امرأة في طلاق، وأن تجعلوا حقّها في الدواء أبخسَ من حق مريض على طبيبه؟ ..

إنها- والله- لجريمة يقيم بها مرتكبوها الدليلَ على أنهم أعداء للعلم، وقطّاع لطريقه، أم يقولون:"لا علم بدون استقلال" فيعاكسون سنّة الله التي تقول: "لا استقلال بدون علم"، أم يقولون ما قاله كبير منهم:"إن محمدًا لم يأت بالعلم وإنما أتى بالسياسة" و "إن روسيا لم تفلح بالعلم وإنما أفلحت بالسياسة"؟

يا قومنا! إن الأمة تنظر إلى الأعمال لا إلى العقائد، وإننا لنتوقّع أن تشعر الأمة بما في سلوككم من اضطراب وتناقض بين المبادئ والأعمال فتتزعزع ثقتها بالأحزاب جميعًا، ويذهب الحق في الباطل، وإننا- والله- لا نرضى لكم هذه العاقبة، ولا نرضى لأمة فقيرة من الرجال أن يسوء ظنّها برجالها.

ص: 68

هذه نصائح مريرة، وحقائق شهيرة، لم نسمّ فيها أحدًا، فمن استفزّه الغضب منها، أو نزا به الألم من وقعها، فهو المريب، يكاد يقول: خذوني.

وبعد، فإن جمعية العلماء فوق الأحزاب كلها، ما ظهر منها وما بطن، وإن مبدأها أعلى من المبادئ كلها، ما استسرّ منها وما علن، ولقد اتصلت بجميع الأحزاب فرادَى ومجتمعين في المصالح العامة، فأرتْهم بأقوالها وأعمالها أنها فوق الأحزاب، وقد احتكّت بها جميع الأحزاب، من خاطب لوُدّها إجلالًا، إلى رائم من نفوذها استغلالًا، إلى عامل على الكيد لها احتيالًا، فأرتْهم بمعاملاتها لجميعهم أنها فوق الأحزاب، ودعت الأحزاب إلى الصلح والاتحاد، وجمعتهم للاشتراك في العمل، فكانت في ذلك كله فوق الأحزاب.

وما دامتْ تعمل في ميدان لا يختلف فيه الرأيُ، ولا يتشعّب الهوى، فإن منطق الواقع لا يسمح لها بغير ذلك، وإن تاريخها يشهد بأنها تنصر الحق حيثما وجد، وتدور معه حيث دار؛ وأنها تزنُ الرجالَ بأعمالهم الصحيحة، ومبادئهم الثابتة، وتزن الأحزاب ببرامجها الواضحة وآرائها العملية، وأنها تقارب الجميع وتباعدهم على قدْر قربهم من الإسلام والعروبة وبعدهم عنهما.

هذه هي الحقيقة لا يماري فيها إلا ذو دخلة سيئة وهوًى مضلّ.

أما حين تمتدّ الأيدي الآثمة إلى حمى الدين أو حمى القومية العربية، أو حين يتساهل السياسيون في حقّهما، فإنّ للجمعية في ذلك كلمتها الصريحة التي لا جمجمة فيها، وموقفها المشرّف الذي لا هوادة فيه.

حاربتْ سياسةَ الاندماج في جميع مظاهرها، فقاومت التجنيس، ونازلت أنصاره الحُمْس ودعاته المقاويلَ، حتى قهرتهم وأخرستهم، وقطعت الحبلَ في أيديهم، ثم أفتتْ فتواها الجريئة فيه، يوم كانت الجرأة في مثل هذه المسائل بابًا من العذاب، فكان ذلك منها تحديًا للاستعمار، وإبطالًا لكيده، وتعطيلًا لسحره، وأثبتتْ بتلك المواقف للجزائر إسلاميتها.

وحاربت العنصرية التي كان الاستعمار يغذّيها ويعدّها من أمضى أسلحته لقطع أوصال الأمة، فقطعت دابرها، والاستعمارُ خزيانُ ينظر، وأثبتت بذلك للجزائر قوميتها العربية. وحاربتْ- آخرَ ما حاربتْ- لائحة 7 مارس بشدّة وقوة، وشنعتْ بها في دروسها وخطبها، وبيّنتْ للأمة الدسائسَ التي تنطوي عليها اللائحة، وأنها وسيلة "شيطانية" إلى الاندماج جيء بها بعد خيبة الوسائل التي تقدمتها.

ص: 69

هذه هي الميادين التي تفردت فيها جمعية العلماء بالبطولة في حرب الاندماج ودعاته والمروِّجين له، وهذه أعمالها فيه قائمة بشواهدها، داحضةً لافتراء المفترين، وأقاويل المتقوّلين، بأنها أيّدت أو تؤّيد سياسة الاندماج، ولو كانت الجمعية تحارب الاندماجَ باسم السياسة وبأسلوب السياسيين لجاز أن يقال:"قد بدا لها بداء"، وما أكثر البدَوات في السياسة، ولكنها حاربته باسم الدين، والدين كلّه يقين لا يتزعزع، وبصائر لا تزيغ.

ص: 70