الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اختلاف ذهنين في معنى التعليم العربي *
لغةُ الأمة هي ترجمان أفكارها، وخزانة أسرارها، والأمة الجزائريةُ ترى في اللغة العربية- زيادةَ على ذلك القدر المشترك- أنها حافظة دينها، ومصخحة عقائدها، ومدوّنة أحكامها، وأنها صلةٌ بينها وبين ربّها، تدعوه بها وتعترف، وتبوءُ بها إليه فيما تقترف، وتؤدّي بها حقوقه، فهي لذلك تشدّ عليها يدَ الضنانة، وما تودّ أن لها بها لغات الدنيا، وإن زخرتْ بالآداب، وفاضتْ بالمعارف، وسهلتْ سبلَ الحياة، وكشفتْ عن مكنونات العلم؛ فإن أخذتْ بشيء من تلك اللغات فذلك وسيلة إلى الكمال، في أسباب الحياة الدنيا؛ أما الكمال الروحاني، والتمام الإنساني، فإنها لا تنشده ولا تجدُه إلا في لغتها التي تكون منها تسلسلها الفكري والعقلي، وهي لغة العرب، ذلك لأنّ لغة العرب، قطعةٌ من وجود العرب، وميزةٌ من مميزات العرب، ومرآة لعصورهم الطافحة بالمجد والعلم والبطولة والسيادة؛ فإذا حافظ الزنجي على رطانته، ولم يبغ بها بديلًا، وحافظ الصيني على زمزمته، فلم يرضَ عنها تحويلًا؛ فالعربي أولى بذلك وأحقّ، لأن لغته تجمع من خصائص البيان ما لا يوجد جزء منه في لغة الزنج أو لغة الصين، ولأن لغته كانت- في وقت ما- لسانَ معارف البشر، وكانت - في زمن ما- ترجمانَ حضاراتهم، وكانت- في وقت ما- ناقلةَ فلسفات الشرق وفنونه إلى الغرب، وكانت- في وقت ما- هاديةَ العقل الغربيّ، الضالّ إلى موارد الحكمة في الشرق، وكانت- في جميع الأوقات- مستودَعَ آداب الشرق، وملتقى تياراته الفكرية، وما زالت صالحةً لذلك، لولا غبارٌ من الإهمال علاها وعاق من الأبناء قلاها، وضيمٌ من لغات الأقوياء المفروضة دخل عليها؛ وهي قبل وبعدَ كلّ شيء حاضنةُ الإسلام، ودليله إلى العقول، ورائدُه إلى الأفكار، دخلتْ به إلى الهند والصين، وقطعتْ به البحارَ والفلوات،
* نشرت في العدد 152 من جريدة «البصائر» ، 23 أفريل سنة 1951.
وفيها من عناصر البقاء ومؤهلات الخلود ما يرشحها للسيطرة والتمكّن، فقد احتوشتها الرطانات من كل جانب، ودخلتْ عليها دخائل العجمة واللكنة، فما نال كل ذلك منها نيلًا، وإن لغةً يصيبها أقلّ مما أصاب اللغة العربية من عقوق أبنائها، وحرب أعدائها، لحقيقة بالاندثار والفناء، ولكنها لغة العرب
…
والأمة الجزائرية من أوفى الشعوب العربية لهذه اللغة، وأكثرهم برًّا بها وتمجّدًا واعتزازًا، وأقواها شبهًا بها في الشدة على العوادي، والصبر على المكاره، والثبات على المقاومة، فالعربية غالبتْ في هذا الوطن عدة لغات، فلم تهن ولم تغلَب، والأمة الجزائرية ناهضَتْ عدة استعمارات روحية وماديّة، فلم تقهر ولم تخذل.
جاهدت هذه الأمة في سبيل لغتها جهادًا متواصلًا، كان من ثمرات النصر فيه هذه النهضة التعليمية التي ولدت الكتّاب والشعراء والخطباء والوعّاظ، وهي نهضة لم تعتمد الأمةُ فيها إلا على ما في نفسها من حيوية موروثة، ولم تلتمس فيها عونًا من أجنبيّ، بل لم تلقَ من الأجنبي إلا المعارضةَ الحادة والتثبيطَ القاتل؛ وكان من نتائج هذه النهضة إلحاح الأمة في المطالبة بمظهر سياسيِّ وطني للغتها، وهي أن تكون رسميةً في المدارس والدواوين والأقلام والأحكام، وأن يعترف لها بمكانتها في وطنها، وأن تمحَى عنها تلك الوصمة التي لم تسبّ بأشنعَ منها، وهي أنها "أجنبيةٌ في دارها"؛ وتكرّر الإلحاح في هذا، وارتفعت الأصوات به من كل جهة، ودَخلت الجرائد في المعمعة، واقتحمت القضية المجالسَ النيابية، وأذن النوّابُ بها على المنابر، ووقفت السياسة الاستعمارية عرضةً تصُدّ وتسدّ، وتطاول وتمدّ، وتتغابى وتتجاهل، وتطبخ الآراء- كعادتها- فلا تنضج رأيًا حتى يلوحَ لها خلافه، فتتركه فجًّا (1)، وتسلك غيره فجًّا؛ وكلّ تلك الآراء لا تبلغُ الأمةَ أمنيةً في لغتها، ولا ترمي إلى سداد ينفع الطرفين، إلى أن طلع علينا القرار المتعلّق بالتعليم العربي، الذي ختم به الوالي السابق أعماله وموبقاته في الجزائر، مؤرّخًا بيوم 26 فيفري من هذه السنة، ومقدّمًا إلى المجلس الجزائري لينظر فيه ويضعه موضعَ التنفيذ.
ونظرنا في ذلك القرار، قبل أن ينظر فيه المجلس الجزائري، فإذا هو تحطيم لا تنظيم، كما يسمّي نفسه، ولو أن العربية كانت موجودةً بالمدارس العليا أو السفلى، لكان هذا القرار إعدامًا لها، فكيف وهي معدومة، ونقول: معدومة، ونكرّر القول، ولا يردّنا عنه أن "كتاب المفصّل" للزمخشري يدرس في الأقسام العليا، فإن ذلك بعضُ شواهدنا على أنها معدومة، من غير أن نضيفَ إلى هذا الكتاب، من يدرّس الكتاب
…
...
1) الفجّة: غير الناضجة.
بيننا وبين الحكومة خلاف ينتهي إلى التضاذ في فهم معنى التعليم العربي، سببه اختلافُ أداة الفهم فيها وفينا، فهي تفهمه بالذهنية الاستعمارية العنصرية المتأثّرة بالسيادة والاستعلاء، وتراه بالعين التي لا ترى إلا مصلحتها فتحتاط وتبالغ في تقدير العواقب، وتعمى عن مصالح غيرها وإن كانت كالجبال ضخامةً، وكالشمس وضوحًا، وكالعقليات ثبوتًا، ونحن نفهمه بالذهنية القومية الوطنية، ونراه حقًّا لا يعمى عنه ذو بصر، ولا يدفع بالمغالطة، ولا يتحقّق بمثل ما احتوى عليه هذا القرار الفارغ المتناقض الذي هو كالشبكة، كله خروق، يستطيع المنفذ أن يخرج من أيها شاء.
…
شهد التاريخ الحديث- الأمة الجزائرية العربية غضبَى ثائرة لتلك المعاملة المهينة التي كان الاستعمار يعامل بها لغتها، وشهدها تبني لنفسها، وتشيد نهضتها التعليمية بيدها، وتحكّ جلدها بظفرها، وشهدها- مع ذلك- تزعج الاستعمار وتصارعه، وتطالب وتغالب، فليشهدها الآن غضبى ثائرة على هذه البوادر التافهة التي يسمّيها "ملوك الجمهورية" تنظيمًا وإصلاحًا، ويمنونها عليها، ويعدّها المضللون نتيجةً للمصابرة والجهاد.
إن الأمة لا ترضى ولن ترضى بهذا الجزاء البخس كفاءً لما أجمع عليه رجالها من علماء وساسة من المطالبة بحق العربية في وطنها، وحقّها على الخزينة التي تتغذّى بأموالها، وقد كانت هذه الأمة تظن أن عصرَ القرارات المطاطة- ذات المسامّ والمنافذ- قد انقضى، وجاء عصر الحقائق وتفتّح الأذهان والعقول و
…
العيون، ولكنّ هذا القرار الأخير بيّن لها أن الاستعمار ما زال في ضلاله القديم.
إن هذه الأمة المؤلفة من عشرة ملايين، هي صاحبة الحق في هذا التعليم، لها غنمه، وعليها غرْمه، فيجبُ أن تكونَ هي صاحبة الرأي الأول في بداياته، وصاحبة الفصل الأخير في نهاياته، وأن تكونَ هي القائمة به، والقيّمة عليه، بمعنى أن يكون المعلّم له من أبنائها المتضلعين في لغتهم، والحارس الرقيب عليه من رجالها المؤتمنين عليها، وأن لا يكون حظها في التعليم الثانوي أوكسَ من حظ الإنكليزية والإسبانية.
فالأمة تريد من التعليم العربي الحكومي الذي يحقّق للعربية صفة "الرسمية" أن يكون تعليمًا كاملًا في جميع مراحله، يبنى على أساس صحيح في المرحلة الابتدائية، وصحةُ الأساس تكون بالمعلم الكفء، والكتاب الوافي، والبرنامج الكافي، ثم ينتقل- صحيحًا- إلى الدرجتين الثانوية والعليا.
والأمة تريد تعليمًا عربيًّا يساير العصر وقوّته ونظامه، لا تعليمًا يحمل جراثيم الفناء، وتحمله نذُر الموت.
والأمة تريد تعليمًا عربيًّا عليه طابعها، وفيه أثرُ يديها، وله ما لها من روح، وعليه ما عليها من سمات.
إن هذه الأمة تعتقد- وتموت على اعتقادها- أنّ لغتها جزء من كيانها السياسي والديني، وشرط في بقائها، وقد التقى على الكفاح في سبيلها الدينُ والسياسة، فلم يختلفْ لهما فيه رأيٌ، ولم يفترق لهما قصد، وما هذا القرار بالذي يشفي من مرض، أو يوفِّي بغرض.