الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دمعة على المنصف *
يعزّ على هذا القلم الذي لا يكاد يجف مداده، ولا تنقطع من القريحة أمداده، أن تصاب تونس العزيزة في مناط أملها، بل في نياط قلبها، فلا يُسمع له جرس، ولا يصرّ بكلمة على طرس.
يعزّ على هذا القلم الذي براه الباري لينضح العسل المصفّى للمقسطين، وينطف الصاب والحنظل للقاسطين، ويرسل الحُمم مدرارًا على المستعمرين، أن تنتهي مظلمة المنصف إلى غايتها الشنعاء من موت الغربة، ومهانة الأسر، وتعنّت الاستعمار، فلا يشنّها شعواء على التعنّت والمتعنتين.
يعزّ على هذا القلم الذي شدَّ الحق أزره، وسدّد المنطق رمايته، أن يموت المنصف غريبًا، مظلومًا، مسلوب التاج، فلا ينفث كلمة تبعث الشجى وتثير الشجن وتحلّ عقدة الرواية.
يعزّ على هذا القلم أن يصرخ الناعي لموت المنصف فلا يجري، وأن يثوّب الداعي بمري الشؤون فلا يمري، وأن تطير نفس تونس الولهانة شعاعًا فلا يتقسّم شظايا، وأن يجب حق الجار فلا يكون أولَ الناهضين بفرضه.
يعزّ على هذا القلم أن تقف به الأقدار موقفَ السيف من يد الجبان، وأن يقعد من ورائه كلالُ الذهن، وجمود القريحة، وفتور الأعصاب حائلات بينه وبين القيام بالواجب.
* نشرت في العدد 49 من جريدة «البصائر» ، 13 سبتمبر سنة 1949.
لو مات المُنصف بالأغواط (1)، لطافت الجزائر بجثمانه عدة أشواط، ولذهبت فيه مذهب العرب في "ذات أنواط"، ولغسلته بالعبرات المسفوحة، وكفّنته بألفاف القلوب، ودفنته في مستقرّ العقيدة والواجب من نفوسها.
ولو مات "بتَنَس" لتاهت فخرًا على الثغور، وباهت بيوم موته أيامها في غابرات العصور، ومحت بهذه المنقبة جميع ما وسمها به الشعراء من شين، ووصموها به من نقص.
ولو مات بأية بقعة من أرض الجزائر لكانت هي تونس نضرة واخضرارًا، ولاكْتسبت الجزائر بجميع أقطارها شرفًا ممن مات ميتة الشرف فيها، ولقبست معاني عالية من الفداء والتضحية بعُد عهدُها، ولفغمتها نفحة ساطعة من عزّ الإمارة حُرمتها الأنوف الشمّ من أبنائها منذ أيام عبد القادر، ولتسمَّعت نغمةً ساحرة عطلت آذانها منها من عهد عهيد.
إي والله، لو مات المنصف في الجزائر لمات في وطنه، وبين أهله، وفي أمة وفية متعطشّة للعزّ والسيادة، مستشرفة إلى حيث تنقطع علائق الطموح، لا يقل تقديرها للعظماء أمثال الفقيد عن تقدير أختها تونس لهم، ولا يقصر فهمها لمعاني العظمة في الرجال عن فهم أختها تونس لها، ولكنه مات بـ"بو"، في دار غير داره ووطن غير وطنه وناس غير ناسه، لم يستنشق مع حشرجة الموت نفسًا من أنفاس وطنه العزيز، الذي لقي الأذى في سبيله، إلى أن مات في سبيله، ولم يكتحل عند إغماضة الموت بمنظر من تلك المناظر التي كانت هوى قلبه، وشغل خواطره، وصبابة نفسه، ولم يتجرّع مع غصة الموت نطفة من ذلك الماء الذي كان يحمي حوضَه، وبُحرّم على المكدرين خوضه.
وما زالت الموارد للحتوف موارد، وما زالت الدنايا تُحلي المنايا! وما زالت الأوطان محتاجةً إلى هذا النوع السامي من الهمم والعزائم، وإلى هذا الطراز العالي من الرجال، وإلى هذا النوع اللطيف من أنواع الموت! وإلى هذه الدماء الزكية التي تثعب حمراء كالحرية، نقيّة كعقيدة الحق، تجري فتكتسحُ ما في نفوس الأمم من خور وفسولة.
إن موت العظماء حياة لأممهم، فإن كانت في الغربة زادت جلالًا، فإن كانت نتيجة للظلم زادت جمالًا، فإن كانت في سبيل الوطن كانت جلالًا وجمالًا، فإن صحبها سلب العز والملك كانت حلية وكمالًا، وكل ذلك اجتمع في موت المنصف.
مات نابليون غريبًا في جزيرة القديسة "هيلانة"، ونابليون ممن زادوا في تاريخ فرنسا
1) الأغواط واحة جميلة في الجنوب الجزائري، اختارتها فرنسا منفى للمنصف، ثم نقلته منها إلى مدينة "تنس" الواقعة على شاطئ البحر غربي مدينة الجزائر، ثم نقلته إلى قرية "بو" بالجنوب الغربي لفرنسا.
صحائف بيضاء، وفي مجدها الحربي أساطين رفيعة، فما كانت موتته الغريبة ثلمة في فرنسا، لأنه مات وفرنسا بيد الفرنسيين.
ومات عبد الحميد أسيرًا في سجنه- وعبد الحميد أكثر أسماء الخلفاء سيرورةً على الأفواه- فما بكت عليه سماء ولا أرض، لأنه مات وتركيا بيد الأتراك.
ومات غيرهما من الملوك والعظماء في غربة وظلم، فكان من ورائهم ما يخفّف الفجيعة فيهم، ويلأم ببعض العزاء ما تصدع بموتهم.
ولكن
…
ولكن موت المنصف في قرية نائية من قرى فرنسا- غريبًا عن وطنه وأمّته، مظلومًا في عرشه وملكه، مسلوب التاج، مخفور الذمام- مصيبة يزيد في معناها الشنيع معنى، وهو: أنه مات وتونس ليست للتونسيين!! وأنه مات وتونس ليست طليقة، وهي بالانطلاق خليقة!
…
عزاء للوطن المفجوع فيك يا منصف، وسلوى للقلوب المكلومة بموتك- وما أكثرها- يا منصف! وجزاء تلقاه في هذه الدنيا طيبَ ذكر، وعند ربّك ثمين ذخر، وهيهات أن تجزيك الجوازي من هذه الأمة التي نهجت لها نهج الكرامة، وشرعت لها سنن التضحية، ولقّنتها هذا الدرس السامي من الثبات والإباء والشمم، وعلّمتها كيف تموت الأسود جوعًا وظمأً، ولا تطعم الأذى، ولا ترد القذى.
…
جهد المقلّ يا منصف! ونظار حتى يعاود النشاط هذا القلم، وينحسر الركود عن هذه القريحة، وتنجلي غمرة الأسى، فيتوافى القلم والقريحة على تجلية العبر، من سيرة ليست كالسير.