الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محنة مصر محنتنا *
تعاني مصر العزيزة هذه الأيام، ما يعانيه الحرّ الأبيّ، أُكره على الضيم، وأريد على ما لا يريد، وجُرّع السمّ مدُوفًا في الحنظل، وقطعت أوصاله وهو يشعر، واستبيحت محارمه وهو يسمع ويبصر، حتى إذا استيأس من الإنصاف ونفد صبره، خطا الخطوة الفاصلة، وأقدم على تحطيم القيد بنفسه، وعلى تمزيق الصحيفة التي أملتها القوّة على الضعف، فقبلها مكرهًا كمختار، وكانت أهون الشرّين، فأصبحت- بحكم الزمان- أثقل الخطبين.
…
صمّمت مصر على حلّ العقدة التي عقدها السيف يوم التلّ الكبير، وأحكم المكر عقدها بعد ذلك في سلسلة من الأعوام بلغت السبعين، صاحبتها سلاسل من الأحداث والأسباب المصطنعة، زادت العُقَد تأرّبًا واستحكامًا، وسلاسل من الوعود المنوّمة تكرّرت فتُأُلفت ففقدت التأثير، وفتحت مصر عينيها على أفظع ما تُفتح عليه العيون: تغرم ليغنم الإنكليز، وتجوع ليشبع الإنكليز، وتموت ليحيا الإنكليز، وينهدم مجدها ليبنى بأنقاضه مجد الإمبراطورية الإنكليزية، ويفرض عليها أن تعيش غريبة في وطنها، وأن تعاون على طمس حضارتها ومسخ عقليتها، والانسلاخ من شرقيتها، والنسيان لماضيها، وأن تنتبذ من أهلها مكانًا غربيًّا
…
وأن تجفّف ماء النيل لتفهق به مشارع (التاميز)
…
...
* نُشرت في العدد 174 من جريدة «البصائر» ، 5 نوفمبر سنة 1951.
صمّمت مصر على إحدى الخطتين، فكانت التي فيها الشرف والكرامة، بعد أن استنفدت التجارب، واستفرغت الجهود، وبعد أن استعرضت الماضي بعبره وشواهده، فرأت أن ساعة من العمل خير من ألف شهر في الكلام، وأنها تمارس خصمًا إن استنجزته الوعد طاول، وإن تقاصرت أمامه تطاول، فخطت هذه الخطوة واثقة مستبصرة، وتركت للأقدار ما وراءها، كما يفعل المظلوم المستيئس من إنصاف ظالمه، ومن نصر النظارة، يركب الحدّ الخشن، ويعتمد على نفسه، وينادي ربّه:{أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} .
رأت مصر- كما رأينا وكما رأت الشعوب المستضعفة- أنّ السنّة قد انعكست، فأصبحت أيام الحرب أكثر عددًا من أيام السلم، وأن لصوص الاستعمار شغلتهم الحرب عن السلم، ولم تشغلهم السلم عن الحرب، فأصبحوا في حرب متصلة الحلقات.
وعلمت مصر- كما علم غيرها- أن الشعار الكاذب لحرب 14 - 18 هو وعود المتحاربين للأمم الضعيفة بأن نهاية الحرب هي بداية تحريرهم فليسكتوا إلى حين، لأن السلاح خطيب جمعة يجب الإنصات له، ويَحرُم الكلام معه، فلما انتهت تلك الحرب أمعن اللصوص المنتصرون في استعباد المستضعفين، وصمّت آذانهم عن سماع أصواتهم، وجاءت حرب 39 فتجدّدت تلك الوعود بألفاظها، وزيدت عليها نون التوكيد المشدّدة، وسيقت تلك الشعوب الموعودة على نغماتها إلى جهنم بأوزار غيرها، ولمنافع غيرها، فلما خفّت المعامع، وسكتت المدافع، عادت طبيعة الكذب والإخلاف إلى مستقرّها من نفوس اللصوص، وعادت الحالة إلى أشنع مما كانت عليه من تحكّم واستعباد، وما انتهت تلك الحرب حتى ظهرت على العالم أعراض الحمل بحرب أخرى ثالثة، وأصبح العالم كله استعدادًا لها، وأوجد الطغاة العالون في الأرض بذلك مرخّصًا لطغيانهم، ولإسكات الأصوات المطالبة بالتحرير، وعادت نوبة المماطلة والتسويف والوعود الكاذبة، والتعلّل بأن الحرب على الأبواب، فلنحتفظ بهذه الأبواب، وبأن الديمقراطية في خطر، فلنتعاون على إنقاذها مجتمعين قبل كل شيء ثم نتناصف، وهم لا يريدون من الديمقراطية إلا سيادتهم واستعلاءهم وتحكّمهم في الشعوب والأوطان واستئثارهم بقوّاتها وخيراتها، فقالت مصر: إذا كانت الحرب لم تنصفني، مع احتراقي بنارها، وكانت السلم لا تنصفني، مع اضطلاعي بوسائلها، وتمهيدي لأسبابها، فلأنتصف لنفسي، ولآخذ حقي بيدي
…
فأقدمت وجاءت بها غراءَ مشهّرة الأعلام، وسنتها سنة حسنة لها أجرها وأجر من عمل بها، ممن ضاقت به الحيل، واشتبهت عليه السّبل؛ ولعمري لئن سبقها إلى هذه المنقبة رجال من فارس، ليلحقنّها فيها رجال من العرب الأشاوس
…
***
الآن يا مصر
…
الآن وقعت على مفتاح القضية، وقد أقدمت فصمّمي واحذري النكول والتراجع فإنهما مضيعان للفرصة؛ اجعلي من أرضك صعيدًا واحدًا، واجمعي أبناءك كلهم فيه صفًّا واحدًا، بقلب رجل واحد، على الحفاظ والنجدة والاستماتة في حقك والموت في سبيله، واجعلي من وجهيك وجهًا واحدًا مستبين القسمات، واضح السنن، يراه عدوّك فلا يرى إلا الحق مشرقًا، والغضبة بارزة العنوان.
إن بين السبق والتخلّف خطًّا دقيقًا، يتجاوزه الحرّ الأصيل، فإذا هو مستول على القصب، وإن بين النصر والهزيمة خطوة ضيّقة، يخطوها الشهم الشَّمَّريُّ فإذا هو حائز الغلب؛ وإن المعالي شدّ حيزوم، وشحذ عزيمة، وتلقيح رأي سديد برأي أسدّ، وتطعيم عقل رشيد بعقد أرشد، ثم استجماع للقوّة الداخلية كما يستجمع الأسد للوثبة.
ليت شعري!
…
لو لم تصنع مصر ما صنعت، فماذا كانت تصنع؛ أكانت تستخذي للغاصب، فتبقى مقيّدة به، يعادي فتعادي بلا سبب، ويحارب فتحارب بلا أجر ولا غنيمة، ويرضى فترضى بلا موجب، ويواصل فتواصل على مضض؟
وكنا نظن أن الإنكليز راجعوا بصائرهم، وأخذوا من تأديب الزمان بنصيب ومحوا سيّئة الاستعمار بحسنة التحرير، وسنّوا للمستعمرين الجائعين سنّة التعفّف- يوم حرّروا الهند وباكستان- على ما في ذلك التحرير من شوائب، ويوم أعانوا سوريا ولبنان على التخلّص من البلاء المبين، كنا نعتقد أن تلك البوادر من انجلترا- لو تمادت عليها- أصلح لها وأبقى على شرفها، لأن من ثمراتها أن يصير خصومها أصدقاءَ وأعوانًا، ولكن معاملتها لمصر هذه المعاملة القاسية التي انتهت بالأزمة الحالية، كذّبت ظنوننا، وسفهت اعتقادنا، وأقرّت أعين المستعمرين أعداء التحرير.
…
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المعبّرة عن إحساس الشعب الجزائري كله، تعلن تأييدها للشعب المصري وتضامنها معه في موقفه الحازم، ولا تصدّها عن أداء واجبات الأخوّة هذه الحدود الوهمية التي خطّها الاستعمار بين أجزاء الوطن الواحد، ولا هذه السدود الواهية التي أقامها بين أبناء الوطن الواحد، لأن العواطف الجيّاشة كعثانين السيل لا تردّها حدود ولا سدود.
وجمعية العلماء تحيّي جهود الشعب المصري، المجاهد في سبيل حرّيته واستقلاله، وتدعو له بالثبات في هذا المعترك الضنك، وبالانتصار في هذه المعركة الحاسمة، وأن يكون انتصاره آيةً من الله يثبّت بها عزائم المستضعفين، ويحلّ بها ما عقد الأقوياء، وإن الشعب
الجزائري حين يظهر بهذا الإحساس الشريف الطاهر نحو أخيه الشعب المصري، إنما يقدّم جهد المقلّ، من قلوب ملؤها الحب لمصر، والاعتزاز بأخوّة مصر، والإعجاب بما صنعت مصر، وإنه يعتقد أن كلّ مصري يخرج عن إجماع مصر فهو مدخول العقيدة، مغموز النسب، وأن كل عربي لا يؤيّد مصر، فهو عاقٌّ للعروبة، ناكث لعهدها، وأن كلّ مسلم لا يعين مصر بما يملك فهو مارق من الأخوّة الإسلامية الشاملة.
ولقد قام مكتب جمعية العلماء في القاهرة بالواجب على أكمل وجه، فقام- لأول نشوب الأزمة- بتبليغ معاني التأييد والتضامن للحكومة المصرية باسم جمعية العلماء والشعب الجزائري، وتلقّى من رفعة رئيس الوزارة المصرية الشكر والتقدير، وأذاع راديو القاهرة ذلك كله على العالم، وإنّا لمغتبطون بأداء هذا الواجب، شاكرون لمكتبنا في القاهرة قيامه به عنا.