الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل الدين عن الحكومة (11)
أهذه هي المرحلة الأخيرة من:
فصل الحكومة عن الدين *
ــ
- 1 -
أتظن هذه الحكومة أنها تسوِّف ما شاء لها الهوى في هذه القضية، وتسخر منا ومن ديننا ما شاء لها الغدر والطغيان، ليطول علينا الأمد فننسى، أو تتشعب علينا المسالك فنقل، أو تتكاثر علينا الخصوم فيضيع صوت الحق في أصوات الباطل؟
أما الأمد فقد طال مائة وعشرين سنة، فتناسى أولنا ولم ينس أخيرنا، وما زاد طول العهد إلا تذكرًا ويقظة واستمساكًا بالحبل على طوله وامتداده، ومن طبيعة المسلم التي لا تفارقه في جميع أطوراه أنه ينسى المصيبة في دنياه لإيمانه باللطف الرباني معها، واعتقاده للأجر الأخروي فيها، ولا ينسى المصيبة في دينه لاتهامه نفسه بالتقصير في دفعها، واعتقاده لزوم التكفير عن التقصير.
وأما تشعب السبل فقد أعددنا له- من أول يوم- دليلًا لا يضل، وهو الحق؛ وجانبًا لا يزل، وهو الصبر، وسيفًا لا يكل، وهو الحجة، ونصيرًا لا يذل، وهو العقل، وميزانًا لا يختل، وهو الرأي؛ فلا تتشعب علينا السبل إلا رميناها بهذه الأدوات مجموعة فتنزوي وتتجمع كقضبان الحديد في محطة القطار، مآلها بحكم الهندسة إلى خطين متوازيين. وأما الخصوم فليكثروا ما شاؤوا، فإن كثرتهم إلى قلة، وإن مرجعهم إلى واحد وهو الحكومة، فكل خصم لنا في هذه القضية فهو إما جزءٌ من هيكل الحكومة، أو ناطق بلسانها، أو عامل بإرادتها، أو مسخر لمصلحتها، وهاتوا المنطق
…
فهل يُعقل أن مسلمًا صحيح النسبة إلى الإسلام يرضى ببقاء دينه في قبضة حكومة لا تدين به؟ وهل يُعقل أن يكون هذا المسلم خصمًا لمن يطالب بتحرير دينه؟
…
إن كلمة حرية وحدها أصبحت تهزّ الشعوب
* نشرت في العدد 137 من «البصائر» ، 15 جانفي عام 1951.
هزًّا، وأصبحت مقادة في أيدي الدعاة- حتى المشعوذين منهم- يقودون بها الجماهير، ولو إلى السعير، فكيف بمن يطالب مخلصًا بتحرير دين عظيم، من بلاء عظيم؟ وهاتوا المنطق ثانيًا، فهما في قضيتنا أمران: فصل صريح وهو ما نطالب به، أو إبقاءٌ للحال على حاله، وهو ما تريده الحكومة، ولا واسطة بين الطرفين، ولا منزلة بين المنزلتين؛ فأي مجال يسع الخصوم؟ وعلى أي بساط تقع الخصومة؟
أما ما تصوره الحكومة- ولا نقول تتصوره- من وجود خصوم لنا في القضية، فلا وجود له إلّا حيث توجد هي، ولا مكان له في التعقل إلّا إذا زيد في مقدمات علم المنطق- مع التصوّر والتصديق- قسم ثالث، وهو (التصوير)؛ فهؤلاء الخصوم صوَّرتهم الحكومة، فأساءت تصويرهم، وقالت لهم: كونوا خصومًا للحق فكانوا، وقولوا إفكًا وزورًا فقالوا. وإن الفارق الأكبر بيننا وبين هؤلاء الخصوم المصورين المزوَّرين أن الحكومة تستطيع إسكاتهم بكلمة بل بإشارة، ولا تستطيع إسكاتنا بملء الجو كلامًا، وهل في الفوارق بين الأشياء ما هو أوضح من هذا؟ وهاتوا المنطق ثالثًا. فهذه الأمة الجزائرية المسلمة لو اجتمعت في صعيد واحد، وقيل: امتازوا اليوم أيها المجرمون؛ فبقيت خالصة من الدغل، نقية من الدخل، ثم عرض عليها الأمران على جليتهما، فماذا كانت تختار؟ وإلى جانب من تنحاز؟
…
لا نحن نشك في النتيجة ولا الحكومة تشك، لولا أنها تماري في الشمس، ولولا أنها تعتمد على حذقها في (التصوير)، واقتدارها عليه، وحوزها لأدواته وأصباغه، وبختها الخارق في العثور على "الهيولَى" القابلة.
أما ما تقوله الحكومة، ويقوله هؤلاء الخصوم (المصوّرون)، من أن الخلاف بيننا وبينهم اختلاف في حال؛ يعنون في الكيفية التي يقع عليها الفصل، والأيدي التي تتناول الشيء المفصول، فهو قول يُقصد منه معنى ستر العورة بسربال، فيفهم معنى تغطية الشمس بغربال!
…
كتبنا في هذه القضية ما إن مداده لَيُكَوِّنُ عدة غُدران، وما إن صحائفه لتغطي بضعة جدران، ولكن كنا مع هذه الحكومة المتصامَّة- من عتو، ومن استعلاء- كمن يحرق البخور لأصحاب القبور.
ونحن نعلم أن الحكومة تترجم كل ما نكتب، وتقرأه فتفلي الحروف وتحدد مواقعها من الكلمات ومواقع الكلمات من الجمل، ومقام الجمل من المواضيع، وتفسر وتحلل على قدر ملكتها في العربية وحظها من بيانها، وتستعرض الاحتمالات القريبة والبعيدة في المعاني، وتحمّل الكلام من المقاصد وحظها ما يطيق وما لا يطيق، وتجاوز أنواع الدلالات المعروفة، من مطابقة وتضمن والتزام، إلى الإشارة والإيماء والاقتضاء- تفعل كل ذلك لا لتمحص
الحق ثم تفيء إليه عند ظهوره، بل لتؤلف قاموسًا من الجمل- التي هي لباب الحق- فتنسقها في ملفات، فتحاسبنا عليها متى عرضت دورة فوق العادة، أو فورة فوق القانون.
ونحن لا يهمنا هذا، لعلمنا أنها ما كانت حكومة إلّا لهذا، وإنما يهمنا أن تتمادى على السكوت، والسكوت لا يثبت حقًّا، ولا ينفي باطلًا، وأن تعطل القوانين التي ما كانت حيث هي إلّا لتنفيذها، وأن تصر على الحنث العظيم، وهو التصرّف المطلق في دين ليس منها، وليست منه، مع وجود أهله المستوفين لشروط القيام به، والقدرة عليه، والمعرفة بآدابه، والائتمان على أعماله، ونعني بهذا (الأهل) الأمة الجزائرية المسلمة بمجموعها، لا فردًا بعينه، ولا طائفة بوصفها، ولا جماعة بنسبتها.
لم نسمع من هذه الحكومة لأن بيننا وبينها حجابًا من غضبها علينا، وإعراضها عنا، واستخفافها بنا، وإنما سمعنا ممن سمع منها- أنها تحتج حين يفحمها الجدل، وتلحمها الحجة، بأنها لم تجد من تسلم له المساجد، أو تضع القضية بحذافيرها في يديه، لأن المسلمين- زعمت- مختلفون، فإذا ما اتحدوا على رأي، أو تواطأوا على جماعة، دفعت إليهم (دينهم).
وقد قلنا لها في صراحة المحق الجريء: إنك أنت أصل الشقاق، ومنبع الخلاف، وكيف يمكن قطع خلاف أنت فاتحة أبوابه، وأنت مسببة أسبابه؟ فما جعل المسلمين مختلفين في قضية دينية محضة إلّا أنت، وما بذر الشقاق بينهم إلّا يداك. كان الدين الإسلامي بطبيعته لا يتأثر بالمصالح الدنيوية، فلم تزالي برجاله حتى أفسدتِ فطرتهم الدينية وصيرت الإمام في المحراب كالجندي في الميدان، والبوليس في الشارع، والقائد في الدوار، يسابق في الخدمة وينافس في الزلفى، ويزاحم على الدرجة ويتطلع إلى النيشان، تلوحين بالمطامع والوظائف لطائفة فتلتفّ حولك، وتمدين لها في جاه زائف ورتب نازلة فتزداد تعلقًا بك، وتنقضين شروط الكفاءة الدينية بالكفاءة الإدارية، فتنقضين بذلك أصلًا من أصول الإسلام، وتتساهلين حيث يجب التشدد في اعتبار الشهادة العلمية، والقيمة الأخلاقية، وتُروّضينهم على أسوإ ما يُربى عليه رجل الدين في الإسلام، وهو التوجه إلى الحكومة والوقوف بأبوابها، ثم أشعرتهم بأن أمرهم كله إليك، وأن رزقهم كله في يديك، وتفاقم الأمر حتى أصبح عادة، فوصلوا أسبابهم بك وقطعوها من الدين، وآمنوا بأن الأمر إليك فكفروا بجماعة المسلمين، فلما انتهى الأمر إلى هذا الحدّ، وآتت أعمالك ثمارها المرة، سلطت بعضًا على بعض، لتشغلي بعضًا ببعض وتستريحي.
الحكومة تخلق الخلاف لتتخذ منه عذرًا لإبقاء ما كان على ما كان؛ هذه هي الحقيقة، فإذا كان في بيانها إغضاب الحكومة فإن فيه إرضاء الحق.