الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى أبنائنا المعلمين الأحرار *
أيها الأبناء البررة!
وصفناكم- في العدد الخاص بالمدارس- بما أنتم أهله، وذكرناكم- ذكركم الله في الملإ الأعلى- بالخير والجميل، وأرسلنا إليكم تلك التحية الأبوية الخالصة صادرةً عن قلب يكن لكم الحب والتقدير والشفقة، راجين أن يكون رجع التحية منكم واجبًا يؤدى على أكمل وجوهه، وعملًا يحقق على أحسن حالاته، وغايةً توصَل بأسبابها من أقرب الطرق، وبأنفع الوسائل، لا كلامًا يذهب مع الريح، ولا قشورًا من الأعمال تضيع الوقت، وتبعد الغاية، ولا أنينًا من الشكوى والتسخط يذهب بالصبر ويوهن العزيمة، وهما حلية الأبطال.
ها أنتم هؤلاء تبوأتم من مدارسكم ميادين جهاد، فاحرصوا على أن يكون كل واحد منكم بطل ميدان، وها أنتم هؤلاء خلفتم مرابطة الثغور من سلفكم الذين حموا الدين والدنيا، ووقفوا أنفسهم لإحدى خطتين: الدفاع المجيد، أو موت الشهيد، فاحذروا أن تؤتى أمتكم من ثغرة يقوم على حراستها واحد منكم، فيجلب العار والهزيمة لجميعكم، واعلموا أنكم عاملون، فمسؤولون عن أعمالكم، فمجزيُّون عنها من الله ومن الأمة ومن التاريخ ومن الجيل الذي تقومون على تربيته كيلًا بكيل، ووزنًا بوزن.
إننا- يا أبنائي- كنا أوّل من نام، وآخر من استيقظ، فمن الحزم أن لا نقطع الوقت في العتاب والملام، والحرب بالكلام، فإن ذلك إطالة للمرض، وزيادة في البلاء على المريض، ومن الحزم أن نتحاسب على الدقائق، إذا تحاسب غيرنا على الساعات، وعلى الأيام إذا تحاسب غيرنا على الأعوام.
إنّ وراءَنا من الزمن سائقًا عنيفًا، وإنّ معنا من العصر وروحه زاجرًا مخيفًا، وإن أمامنا
* نشرت في العدد 94 من جريدة «البصائر» ، 7 نوفمبر سنة 1949
سبلًا وعرة، وصراطًا أرق من الشعرة، وإنّ عن أيماننا وعن شمائلنا عوائقَ من الدهر، ومعوّقين من البشر، وإنّ في طيّ الغيوب، من القدر المحجوب، بوائق في أكمامها لم تفتق، وإنْ أدري أقريب أم بعيد ما أوعد الله الظالمين، ولكنّني أدري أنّ العاقبة للمتقين، وأننا لا نغلب العوائق، ولا نتقي البوائق، إلا بإيماننا بالله، ثم بديننا، ثم بلغتنا، ثم بأنفسنا ثم بالحق الذي جعله الله ميزانًا للكون، وقيومًا على الكائنات، ترجع إليه صاغرة، وتقف عنده داخرة.
إن التقصير في الواجب يعدّ جريمة من جميع الناس، ولكنه في حقنا يضاعف مرتين، فيعدّ جريمتين، لأن المقصر من غيرنا لا يعدم جابرًا أو عاذرًا، فقد يغطي على تقصيره عمل قومه أو حكومته، وقد يقوم له بالعذر حاله الجاري على كمال مقنع؛ أما نحن فحالنا حال اليتيم الضائع الجائع، إذا لم يسعَ لنفسه مات. فإذا قصرنا في العمل لأنفسنا ولما ينفع أمتنا ويرفعها، فمن ذا يعمل لها؟ آلحكومة؟ وقد رأينا من معاملتها لنا أنها تمنع الماعون، وتداوي الحمى بالطاعون، وتبارز الإسلام بالمنكرات، وتجاهر العربية بالعدوان. فمن ضل منا مع هذا فقد ضل على علم، ومن هلك فإنما هلك عن بينة.
وإن لما يبوء به المقصرون من الندامة لمرارة، تجتمع في العقبى مع الخسارة، فيكون منها حال من الحسرة يحلو معه بخع النفوس، وإتلاف المهج؛ وتلك هي الحالة التي نعيذ أنفسنا ونعيذكم بالله من تسبيب أسبابها، وتقريب وسائلها؛ وقد نهى ديننا الإسلام عن التقصير في الواجبات، ونعى التفريط في الحقوق، وبيّن آثاره وعواقبه، وحضّ على الأعمال في مواقيتها، وقبح الكسل والتواكل والإضاعة، فشرع لنا بذلك كله من شرائع الحزم والقوة وضبط الوقت والنفس ما لم يشرعه قانون، ولم تأت به عقلية، وما أخذنا بذلك إلا ليأخذ بحُجَزِنا عن التهور في الكسل والبطالة، ويقينا تجرّع مرارة الندم، وحرارة الحسرة.
قصر آباؤنا وأجدادنا في واجبات اقتضاها زمانهم، وفرطوا في حقوق تقاضاها منهم مكانهم؛ بعد ما لاحت لهم النذر، وقامت عليهم الحجج، ودمغتهم البينات، فغالطوا في الحقائق، وكذبوا بالنذر، وموهوا بالزيف، وغشوا أنفسهم بالأماني والأحلام، وغشونا بالضلالات والأوهام؛ حتى مات من استيقظت شواعرُه منهم بحسرات الندم، ومات الغافلون منهم كما يموت الغفل من النعم، فلا حسرةُ أولئك أجدَت علينا شيئًا، ولا غفلة هؤلاء أفادتنا نقيرًا؛ وإنما أضاف تفريطهم المخجل واجباتهم إلى واجباتنا، فأصبحت حملًا ثقيلًا، هو هذا الذي ننوء به وينوء بنا، هو هذه الأعباء المركومة التي نحاول النهوض بها فيقيمنا الإيمان والأمل، وتُقعدُنا الكثرةُ والثقل، وإن من الظلم تكليف جيل بواجبات أجيال، وإن من الجور أن يحمل القرن الأخير أوزار القرون الماضية. ولو أنهم- سامحهم الله- قاموا بواجباتهم أو ببعضها، لخففوا عنا الكثير، وهوّنوا علينا العسير، كما خففنا نحن وهوّنا على الجيل الآتي؛ ولو أنهم غرسوا الشجرة، لقرّبوا منا جني الثمرة.
هذه هي حالتنا- يا أبنائي- نهدم ونرفع الأنقاض ونبني ونعمر في آن واحد، ونؤدّي فريضة الوقت ونقضي الفوائت على غيرنا في آن واحد، ثم نؤدّي الكفارات على ذنوب لم نجترحها
…
كل ذلك مع محاربة من الجار، ومشاغبة من الشريك في الدار، ومع وشل من المال لا يتمّ به العمل، ومثبطات من سوء الحال يتضاءل معها- لولا الإيمان- الأمل، وإنها لحالة لا يثبت معها إلا المؤمنون الصابرون الصادقون المخلصون المحتسبون، المؤيَّدون بروح من الله، ونحن وأنتم كل ذلك، إن شاء الله.
…
ها أنتم هؤلاء تربعتم من مدارسكم عروش ممالك؛ رعاياها أبناء الأمة وأفلاذ أكبادها؛ تديرون نفوسهم على الدين وحقائقه، وألسنتهم على اللسان العربي ودقائقه، وتسكبون في آذانهم نغمات العربية، وفي أذهانهم سر العربية، وتدبرون أرواحهم بالفضيلة والخلق المتين، وتروضونهم على الاستعداد للحياة الشريفة بعد أن تجتثوا من نفوسهم بقايا آثار المنزل الجاهل، والأب الغافل، وتقودونهم بزمام التربية إلى مواقع العبر من تاريخهم، ومواطن القدوة الصالحة من سلفهم، ومنابت العز والمجد من مآثر أجدادهم الأولين، فقفوا عند هذه الحدود، واجعلوها مقدّمةً على البرنامج الآلي في العمل والاعتبار، وفي السبر والاختبار، واحرصوا كل الحرص على أن تكون التربية قبل التعليم، واجعلوا الحقيقة الآتية نصب أعينكم، واجعلوها حاديكم في تربية هذا الجيل الصغير، وهاديكم في تكوينه، وهي: أن هذا الجيل الذي أنتم منه لم يؤتَ في خيبته في الحياة من نقص في العلم، وإنما خاب أكثر ما خاب من نقص في الأخلاق، فمنها كانت الخيبة، ومنها كان الإخفاق.
ثم احرصوا على أن يكون ما تلقونه لتلامذتكم من الأقوال، منطبقًا على ما يرونه ويشهدونه منكم من الأعمال؛ فإن الناشئ الصغير مرهف الحس، طُلَعَة إلى مثل هذه الدقائق التي تغفلون عنها، ولا ينالها اهتمامكم، وإنه قويّ الإدراك للمعايب والكمالات، فإذا زينتم له الصدق، فكونوا صادقين، وإذا حسنتم له الصبر، فكونوا من الصابرين، واعلموا أن كل نقش تنقشونه في نفوس تلامذتكم من غير أن يكون منقوشًا في نفوسكم فهو زائل، وأن كل صبغ تنفضونه على أرواحهم من قبل أن يكون متغلغلًا في أرواحكم فهو- لا محالة- ناصل حائل، وأن كل سحر تنفثونه لاستنزالهم غير الصدق فهو باطل؛ ألا إن رأس مال التلميذ هو ما يأخذه عنكم من الأخلاق الصالحة بالقدوة، وأما ما يأخذه عنكم بالتلقين من العلم والمعرفة فهو ربح وفائدة.
أوصيكم بتقوى الله فهي العدّة في الشدائد، والعون في الملمات، وهي مهبط الروح والطمأنينة، وهي متنزل الصبر والسكينة، وهي مبعث القوة واليقين، وهي معراج السمو إلى السماء، وهي التي تثبت الأقدام في المزالق، وتربط على القلوب في الفتن.
وأوصيكم بالرفق والأناة في أموركم كلها، وبخفض الجناح للناس كلهم، وباتقاء مواطن الشبه، واجتناب مصارع الفضيلة، وما أكثرها في وطنكم هذا؛ وبإجرار الألسنة عن مراتع الغيبة والنميمة، وفطمها عن مراضع اللغو واللجاج؛ فهي- لعمري- مفتاح باب الشر، وثقاب نار العداوة والبغضاء.
وأوصيكم بالابتعاد عن هذه الحزبيات التي نجم بالشر ناجمها، وهجم- ليفتك بالخير والعلم- هاجمها، وسجم على الوطن بالملح الأجاج ساجمها؛ إنّ هذه الأحزاب، كالميزاب، جمع الماء كدرًا، وفرّقه هدرًا، فلا الزلال جمع، ولا الأرض نفع.
وأوصيكم بحسن العشرة مع بعضكم إذا اجتمعتم، وبحفظ العهد والغيب لبعضكم إذا افترقتم؛ إن العامة التي ائتمنتكم على تربية أبنائها تنظر إلى أعمالكم بالمرآة المكبرة، فالصغيرة من أعمالكم تعدها كبيرة، والخافتة من أقوالكم تسمعها جهيرة، فاحذروا ثم احذروا
…
أي أبنائي! إن هذا القلب الذي أحمله يحمل من الشفقة عليكم، والرحمة بكم، والاهتمام بشؤونكم، ما تنبت منه الحبال، وتنوء بحمله الجبال، وهو يرثي لحالكم من الغربة وإلحاح الأزمات ويودّ بقطع وتينه لو أزيحت عللكم، ورقع بالسداد خللكم، ولكنكم جنود، ومتى طمع الجندي في رفهنية العيش؟ وأسود، ومتى عاش الأسد على التدليل؟ وهو يشعر أن التدليل تذليل.
إنكم- يا أبنائي- رجالُ حركة، فلا تشينوها بالسكون، وأبطال معركة، فلا يكنْ منكم إلى الهوينا ركون.
وإنكم رجال جمعية العلماء، فشرفوا جمعية العلماء.