الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبالغ في الدعاء والاستغفار لهم كالمودع عند الوداع لا يترك شيئا مما يهم المودع إلا ذكره وأوصى به (وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ النَّبِيُّ) صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم (بحبّهم) أي بمحبة الصحابة (وموالاتهم) أي موالاة من والاهم من أهل السنة والجماعة (ومعاداة من عاداهم) أي من الخوارج والروافض وسائر اهل البدعة (وروي عن كعب رضي الله تعالى عنه) أي كعب الاحبار كما ذكره الحلبي (لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لَهُ شَفَاعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لمن بينه وبينه زيادة المودة وقال الدلجي وحديث كعب بن سعد ليس مؤمن من آل محمد إلا له شفاعة (وطلب) أي كعب (من المغيرة بن نوفل) أي ابن الحارث ابن عبد المطلب بن هاشم (أن يشفع له يوم القيامة) له رواية وكان من انصار علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وله جماعة اخوة ووالده نوفل أسر يوم بدر ففداه عمه العباس رضي الله تعالى عنه وهو ابن عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأما جده الحارث بن عبد المطلب فهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى قال الحافظ عبد الغني المقدسي لم يدرك الإسلام وأسلم من اولاده اربعة نوفل وربيعة وابو سفيان وعبد الله وكان نوفل ابين اخوته واسن من اسلم من بني هاشم ولم يذكر المغيرة فيهم وقد ذكره الحافظ أبو عمر بن عبد البر في استيعابه فيكون خامسا غير أنه يقال ومنهم من يجعل المغيرة اسم أبي سفيان والصحيح الاول يعني أنه غيره انتهى ولم يتعقب هذا الحافظ أبو الفتح اليعمري حين ذكره وأما الذهبي فقد ذكر في كنى التجريد أبا سفيان فقال اسمه المغيرة قاله إبراهيم بن المنذر انتهى ولم يتعقبه وقال في المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب قال ابن عبد البر هذا أخو أبي سفيان فوهم بل هو أبو سفيان انتهى والله تعالى أعلم (قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ لَمْ يؤمن بالرّسول) أي حق إيمانه (من لم يوقّر أصحابه ولم يعزّر أوامره) أي ولم يترك زواجره.
فصل [ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه]
(ومن إعظامه) أي تعظيم قدره فوق قدر غيره (وإكباره) أي اعظام أمره زيادة على اعظام أمر غيره (إعظام جميع أسبابه) أي أسباب وصلته ومودته وفي حديث كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي والمراد جميع ما ينسب إليه ويعرف به صلى الله تعالى عليه وسلم (وإكرام مشاهده) أي مواضعه التي حضرها أو نزل بها (وأمكنته) أي مساجده (من مكّة) كبيت خديجة رضي الله تعالى عنها مهبط الوحي ودار الأرقم بن أبي الأرقم وغار حراء وثور ومولده (و) من (المدينة) كمسجده وبيوته ومواطنه (ومعاهده) أي وإكرام معاهده التي كان يتعاهدها كقبا إذ قد ورد أنه كان يزورها كل سبت راكبا أو ماشيا (وما لمسه) أي مسه (عليه الصلاة وسلام أو عرف به) بصيغة المجهول أي مما يمكن إكرامه الآن وإعظامه في هذا الزمان (وروي عن صفيّة بنت نجدة) بفتح نون وسكون جيم فدال مهملة (قالت كان
لأبي محذورة) وهو مؤذنه عليه الصلاة والسلام بمكة ولم يزل مقيما بها يؤذن حتى مات سنة تسع وخمسين قال الواقدي وتوارث الآذان بعده بمكة ولده وولد ولده إلى اليوم في المسجد الحرام وقيل كان مؤذنه بقبا أيضا وهو قرشي جمحي روى عنه ابن أبي مليكة وغيره أخرج له مسلم والأربعة وأحمد في المسند (قصّة) بضم القاف وتشديد الصاد المهملة ما اقبل على الجبهة من شعر الرأس (في مقدّم رأسه) سمي بذلك لأنه يقص وقال ابن دريد كل خصلة من الشعر قصة وقال الجوهري شعر الناصية (إذا قعد وأرسلها) أي لم يعقدها (أصابت الأرض) أي وصلت إليها من طولها (فقيل له) أي لأبي محذورة (ألا تحلقها) أي ألا تقصرها بحلق أو بقص (فقال لم أكن بالّذي أحلقها) آثر التكلم رعاية للمعنى على الغيبة باعتبار المبنى مع أنها هنا القياس بدلالة إعادة الضمير إلى الذي ولفظه لفظ الغائب إيثارا لتغليب التكلم عليها لأن الذي وإن كان بلفظه هو الغائب إلا أنه في المعنى عبارة عن المتكلم (وقد مسّها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده ورؤي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) ماض مجهول من الرؤية أبصر حال كونه (واضعا يده على مقعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي موضع قعوده (من المنبر ثم وضعها على وجهه) أي وتمسح بها تبركا بموضع لمسه (وكانت في قلنسوة خالد بن الوليد) بفتحتين فسكون فضم أي في قبعته أو كوفيته (شعرات) بفتحتين (من شعره) بفتح العين ويسكن ويروى من شعراته عليه الصلاة والسلام فَسَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِ فَشَدَّ عَلَيْهَا شدّة) بفتح الشين أي ربطة طالت فيها المدة (أنكر) وفي نسخة حتى أنكر (عليه أصحاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بعضهم (كثرة من قتل فيها) أي في مدة تلك الشدة وهي يحتمل أن يكون مفعولا به لأنكر أو مفعولا له (فقال) أي خالد معتذرا (لم أفعلها بسبب القلنسوة) أي ذاتها كما توهمتم لأنكم سببها ما عرفتم (بل) أي فعلته (لما تضمّنته من شعره صلى الله تعالى عليه وسلم لئلا أسلب) بصيغة المجهول أي لئلا أنزع (بركتها) بالنصب على أنه مفعول ثان (وتقع) أي ولئلا تقع (في أيدي المشركين) أي الأنجاس الذين لم يعرفوا قدرها (ولهذا) أي ولتعظيم مشاهده وآثار معاهده (كان مالك رحمه الله تعالى لا يركب بالمدينة دابّة وكان يقول) أي في وجهه أو في جواب سائله (أستحيي من الله أن أطأ) أي من أن أدوس (تربة) أي جملة تراب (فيها) أي دفن في أجزاء تلك التربة (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحافر دابّة) متعلق بأطأ إذ لو أمكن للإنسان أن لا يطأها برجليه وكان يقدر على أن يمشي فيها بعينيه لكان لائقا لتعظيم ما لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (وروي عنه) أي عن مالك رحمه الله تعالى (أنّه وهب للشّافعيّ كراعا) بضم أوله أي خيلا (كثيرا كان عنده فقال الشافعي أمسك منها دابّة) أي واحدة تركبها عند الحاجة (فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ وَقَدْ حَكَى أَبُو عبد الرحمن السلمي) بضم ففتح وهو الإمام الجليل (عن أحمد بن فضلويه) بضم اللام
وهو نظير نفطويه وعمرويه ونظائرهما في التلفظ بالوجهين على ما تقدم (الزّاهد وكان) أي أحمد (من الغزاة الرّماة) بضم أولهما جمع الغازي والرامي يعني ممن يحسنهما والجملة معترضة (أنّه قال: ما مسست) بكسر السين والأولى وتفتح أي ما لمست (القوس) أي قوسي أو قوس غيري (بِيَدِي إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ مُنْذُ بَلَغَنِي أَنَّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ القوس) أي تناول قوسه أو قوس غيره (بيده وقد أفتى مالك رحمه الله تعالى فيمن قال تربة) ويروى أن تربة (المدينة رديئة) بالهمز وقد تشدد وهي فعلية من الرداءة أي خبيثة غير طيبة (يضرب) بصيغة المجهول وفي نسخة بضرب بالباء السببية والصيغة المصدرية المضافة إلى (ثلاثين درّة) بكسر الدال وتشديد الراء آلة التعزير ونصبها على التمييز (وأمر بحبسه) أي تغليظا لأمره (وكان له) أي والحال أنه كان لهذا المعذر (قدر) أي جاه وعظمة أمر عنده ومنزلة عند غيره (وقال) أي مالك رحمه الله تعالى زيادة على ما هنالك (ما أحوجه) ما تعجبية (إلى ضرب عنقه) أي في جريمة ذلك (تربة دفن فيها النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يزعم أنّها غير طيّبة) أي مع أنه عليه الصلاة والسلام سمى المدينة طابة وطيبة (وفي الصحيح) أي عند الشيخين عن علي وأنس رضي الله تعالى عنهما (أنّه قال صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة) أي في شأنها (من أحدث فيها حدثا) أي أمرا مبتدعا منكرا لا يعرف في السنة وقيل هو عام في الآثام (أو آوى) بالمد ويقصر أي ضم إليه أو إليها (محدثا) بكسر الدال اسم فاعل أي جانيا بأن أجاره ونصره على خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه أو بفتحها فيكون نفس الأمر المبتدع ويواؤه الرضى به والصبر عليه وإفشاؤه فمن رضي ببدعة وأقر عليها محدثها ولم ينكرها مع القدرة على إنكارها فقد آواها وقواها (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله منه صرفا) أي نافلة (ولا عدلا) أي فريضة (وحكي أن جهجاها) بفتح أوله وفي نسخة جهجاه بلا تنوين (الغفاريّ) بكسر أوله قال الحلبي وهذا هو ابن مسعود وقال أبو عمر هو ابن سعد بن حرام وقال الطبري المحدثون يزيدون فيه الهاء والصواب جهجا بدون هاء انتهى قال الذهبي جهجاه بن قيس وقيل ابن سعد الغفاري مدني روى عنه عطاء وسليمان ابنا يسار وشهد بيعة الرضوان وكان في غزوة المريسيع أجير العمر إلى أن ذكر عن ابن عبد البر أنه هو الذي تناول العصا من يد عثمان رضي الله تعالى عنه فذكر القصة ثم قال وتوفي بعد عثمان بسنة وسيأتي قريبا أنه مات قبل الحول أي من كسر العصا وقد تقدم الكلام على حديث كسر العصا فيما مضى (أخذ قضيب النبيّ) أي عصاه (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ رضي الله عنه وتناوله ليكسره على ركبته) أي معتمدا عليها (فصاح به النّاس) أي لمنعه عنه (فأخذته الآكلة) بعد وكسر كاف مرض معروف (في ركبته فقطعها) أي فقطع ركبته خوفا من سرايتها إلى بقيته (ومات قبل الحول) أي الحول الذي وقع كسره فيه (وقال عليه الصلاة وسلام) كما رواه مالك وأبو داود
والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (من حلف على منبري) أي فوقه أو عنده أو حوله (كاذبا) أي يمينا فاجرة (فليتبوّأ مقعده من النّار) شديد ووعيد أكيد (وحدّثت) بضم الحاء وتشديد الدال أي حكي لي (أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيَّ لَمَّا وَرَدَ الْمَدِينَةَ) أي السكينة (زائرا) أي مريدا للزيارة (وقرب من بيوتها) بضم الباء وكسرها (ترجّل) بتشديد الجيم أي نزل عن دابته (ومشى باكيا منشدا) حالان متداخلان والإنشاد قراءة شعر نفسه أو غيره والبيتان لأبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي وسيأتي ترجمة المتنبي إن شاء الله سبحانه وتعالى (وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا) رسم الدار أثرها (فؤادا) أي قلبا (لعرفان الرّسوم ولا لبّا) أي عقلا (نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة) الكور بالضم رحل الناقة بأكافه كالسرج بآلته للفرس وكرامة نصب على العلة (لمن بان) أي ظهر رسمه (عنه) بالإشباع (أن نلمّ) من الإلمام أي ننزل (به ركبا) من أسماء الجمع كرهط أو جمع راكب كصحب وصاحب فهو تمييز أو حال من ضمير نلم أي راكبين (وحكي) يروي وروي (عن بعض المريدين) أي للزيارة (أنّه لمّا أشرف على مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أنشأ) ويروي أنشد جعل (يقول متمثّلا) أي شاهدا أو واقفا فإن حقيقة المثول هو الانتصاب على القدمين وقد يراد به القيام في الأمر والنهوض فيه بالهمة ولعله المراد هنا (رفع الحجاب لنا) بصيغة المجهول أي كشف الذي كان بيننا وبين من قصدنا جناب حضرته وباب عزته (فلاح لناظر) أي لمع ولمح (قمر تقطّع) بصيغة المضارع مجهولا أو بحذف إحدى التاءين أو بصيغة الماضي معلوما أي تضمحل (دونه) أي عنده (الأوهام) وتنقطع لديه الأفهام بسطوع نوره بكمال ظهوره (وإذا المطيّ بنا بلغنّ محمّدا) جمع مطية وهي التي يركب مطاها أي ظهرها ويقال يمطي بها في السير أي يمد ومنه قوله تعالى يَتَمَطَّى (فظهورهنّ على الرّحال) بالمهملة جمع رحل البعير وفي نسخة بالجيم (حرام) مكافأة لهن على ايصالهن كما قال (قرّبننا من خير من وطىء الثّرى) أي التراب أو الأرض (فلها علينا حرمة ودمام) بكسر أوله أي عهد وأمان والأبيات لأبي نواس الحكمي يمدح بها الأمين أي أمين الدولة كذا بخط السخاوي وقد ذكر السهيلي في روضه في غزوة مؤته كقول أبي نواس (وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ حَجَّ مَاشِيًا فقيل له في ذلك) حذرا عليه من النصب هنالك (فقال) أي في الجواب (العبد الآبق) أي الهارب الشارد من سيده (يأتي) أي أيأتي (إلى بيت مولاه راكبا) وفي نسخة إلى باب مولاه وفي أخرى لا يأتي (لو قدرت أن أمشي على رأسي) بل على عيني (ما مشيت على قدميّ) وهذا علامة الحب الصادق والأدب الفائق وفي نسخة بتشديد الياء مثنى (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) يعني المصنف (وجدير) خبر مقدم أي حقيق ولائق وخليق (لمواطن) أي بمكة والمدينة (عمرت) بصيغة المجهول مخففا ومشددا (بالوحي) أي بوحي النبوة (والتّنزيل) أي وتنزيل القرآن (وتردّد فيها) وفي نسخة بها أي في
الإتيان إليها (جبرائيل) أي دائما (وميكائيل عليهما السلام أي أحيانا (وعرجت) أي صعدت (منها الملائكة) أي المقربون (والرّوح) أي وأرواح الأنبياء والمرسلين أو الروح الأمين (وضجّت) بتشديد الجيم أي صوتت (عرصاتها) أي أماكنها وجهاتها والمعنى ارتفعت الأصوات في عرصاتها وهي جمع عرصة وهي كل بقعة بين الديار واسعة وليس بها بناء (بالتّقديس) أي التطهير عن التشبيه (والتّسبيح) أي التنزيه (وَاشْتَمَلَتْ تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَدِ سَيِّدِ الْبَشَرِ وَانْتَشَرَ عنها) أي عن تلك الأماكن (من دين الله) أي المأخوذ من كتابه (وسنّة رسوله ما انتشر مدارس آيات) جمع مدارس مفعال من الدرس وهو مكانه وفي الحديث تدارسوا القرآن أي تعاهدوه بتلاوته وهذا خبر مبتدأ محذوف أي وهذه مدارس آيات (بينات) أي واضحات أو مبينات (ومساجد وصلوات) أي دعوات أو عبادات (ومشاهد الفضائل) أي من مكارم الشمائل (والخيرات) أي الطاعات والمبرات (ومعاهد البراهين) أي الدلالات الواضحات (من الآيات) أي الخارقة للعادات (والمعجزات) أي على وفق الكرامات (ومناسك الدّين) أي مذابحهم ومعابدهم (ومشاعر المسلمين) أي معالمهم ومعارفهم (ومواقف سيّد المرسلين) أي أماكن وقوفه ومواطن حضوره ومنابع نوره (ومتبوّأ خاتم النّبيّين) بفتح الواو وكسر تاء خاتم وفتحها ويروى مثواه بسكون المثلثة أي منزله ومأواه من مكة (حيث انفجرت النّبوّة) أي ظهرت ظهور الماء النازل من السماء (وأين) أي من مكة وعينها (فاض عبابها) بضم أوله معظم السيل وارتفاعه وكثرة تموجه كذا في القاموس أي سال عذبها الغمر بها (ومواطن مهبط الرسالة) بكسر الموحدة أي أماكن انزالها أو نزولها من مكة حين إيصالها أو وصولها وفي نسخة وَمُوَاطِنُ طُوِيَتْ فِيهَا الرِّسَالَةُ (وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جلد المصطفى ترابها) بالرفع كذا في بعض الأصول والأظهر نصبه والمراد به بعد الموت وفيه تلميح إلى قول الشاعر:
بلاد بها نيطت على تمائمي
…
وأول أرض مس جلدي ترابها
(أن تعظّم) بتشديد الظاء المفتوحة (عرصاتها) بفتحتين جمع عرصة بفتح فسكون وهي في الأصل كل مكان واسع لا بناء فيه والتقدير تعظيم أماكنها وهو المبتدأ المقدم خبره وإنما قدم عليه لمزيد تشويق السامع إليه ومن ثمة طول الكلام في المسند ليحسن كل الحسن في المرام إذ بازدياد طوله يزداد حسنه وطوله كما أن بازدياده عليه يزداد الشوق إليه ومنه قول الشاعر:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
…
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
(وتتنّسّم) بالبناء للمفعول تستنشق وتشم (نفحاتها) جمع نفحة من نفح الطيب إذا فاح وفي الحديث إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها وفي رواية تعرضوا لنفحات رحمة الله تعالى (وتقبّل) بتشديد الموحدة المفتوحة (ربوعها) بضمتين جمع ربع بفتح
فسكون موحدة وهو المنزل ودار الإقامة وفي حديث مكة وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم حين قال أسامة بن زيد أين ننزل غدا يا رسول الله وهل ترك لنا عقيل من رباع جمع ربع أيضا (وجدراتها) بضم الجيم وبالفوقية في آخرها لا بالنون وإن كان هو أيضا جمع جدار وهو ما يحاط به عليها لمراعاة السجع (يا دار خير المسلمين) ويروى زين المرسلين (ومن به) قال الحلبي الذي ظهر لي أن هذا الشعر من قول المصنف انتهى وناداها من لوعة الاحتراق ولذعة الافتراق عن تلك البقعة المنيعة وسكان تلك الرقعة الرفيعة وقال يا دار خير المرسلين لحديث البخاري أنا سيد الأولين والآخرين ثم قال ومن به أي بسبب وجوده وكرمه وجوده (هدي الأنام) أي هداية الخلق (وخصّ) أي هو (بالآيات) أي المنزلة والمعجزات المكملة (عندي لأجلك لوعة) أي شدة ومحبة وكثرة مودة موجبة لزيادة حرقة في حالة فرقة (وصبابة وتشوّق متوقّد الجمرات) الصبابة بفتح أولها أي رقة الشوق ودقة الذوق وعن النخعي كان يعجبهم أن يكون للغلام صبوة لأنه إذا تاب فربما كان ارعواؤه باعثا له على شدة اجتهاده وكثرة ندمه على ما فرط من عمله في سبق قدمه وأبعد له عن أن يعجب بحاله أو يتكل على كماله ولأن المجاز قنطرة الحقيقة والرياء قنطرة الإخلاص (وعليّ عهد) أي وعد عقد (إن ملأت محاجري) بفتح الميم ما دار بالعين أي نواظري (من تلكم الجدرات) بضمتين (والعرصات) بفتحتين (لأعفّرنّ) بتشديد الفاء المكسورة أي لألوثن وأغبرن (مصون شيبي) أي شيبي المصون ووجهي المكنون بتقليبي لهما (بينها) أي بين المذكورات من الجدرات والعرصات (من كثرة التّقبيل) أي تقبيل تلك الأماكن الشريفة (والرّشفات) بفتحتين فقاف كذا في الأصول ولعل معناها رمى سائر الأعضاء على تلك الأجزاء المنيفة من الرشق وهو الرمى بالنبل ففيه تجريد وتشبيه وفي أصل الدلجي بالفاء وكذا في بعض النسخ المصححة فقال جمع رشفة وهو مص المحب ريق محبوبه انتهى ولا يخفى أنه مع عدم وجوده في كتب اللغة غير موافق لكلام الشاعر ومطلوبه نعم لو صحت الرواية بالفاء لتعين أن يقال المراد بها رشفات المشتاق ريقه لكمال حرارة شوقه ومرارة ذوقه في ذلك المكان الموصوف بحسنه وبريقه ففي القاموس رشفه مصه ورشف الماء قليلا قليلا أسكن للعطش (لولا العوادي) جمع عادية وهي شغل يصرفك عن الشيء يريد والله تعالى أعلم ما يعتري الإنسان من العوارض التي تكون عوائق (والأعادي) جمع عدو (زرتها) أي تلك المنازل بسير المراحل (أبدا) أي دائما (ولو) أي وإن كانت زيارتي (سحبا) من قولك سحبت الشيء فانسحب أي جررته فانجر أي سيرا ومشيا (على الوجنات) بفتحتين جمع وجنة بفتح فسكون ويكسر أولها ويضم وهي أعلى الخد (لكن سأهدي) تكلم من الإهداء (من حفيل تحيّتي) أي تحيتي الحافلة الكثيرة الكاملة (لقطين تلك الدّار والحجرات) أي لمقيمها وخادمها من قطن بالمكان إذا لزمه وفي حديث الإفاضة نحن قطين الله تعالى أي
سكان حرمه بحذف المضاف ومنه قول زيد بن حارثة فإني قطين البيت عند المشاعر والحجرات بضمتين جمع حجرة بضم فسكون وهي بيت صغير من الدار منفرد عنها من الحجر وهو المنع أو من الحجر لكونها مبنية منه (أزكى) بمعجمة أي أهدى من كثير التحية والثناء ما هو أضوع (من المسك المفتّق) بمثناة فوقية مشددة أي المشقق ويقال فتق المسك إذا خلط به ما يزكي رائحته وقيل معناه المستخرج الرائحة (نفحة) تمييز للنسبة في أزكي أزيل عن أصله للتفصيل بعد الإجمال ليكون أوقع في نفس أرباب الأحوال (تغشاه) أي تحل بركاته وتغطيه (بالآصال) جمع أصيل من بعد العصر إلى المغرب كذا قاله الدلجي تبعا للحلبي والأولى أن يقال من بعد الزوال (والبكرات) بضمتين جمع بكرة بضم فسكون أي أول النهار والمراد بهما الدوام في الأيام والليالي تابعة لها كما لا يخفى على الأنام وفي القاموس الأصيل العشي والعشاء أول الظلام أو من المغرب إلى العتمة أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر والعشي والعشية آخر النهار (وتخصّه بزواكي الصّلوات) بفتح الياء أي بظواهرها وكذا في قوله (ونوامي التّسليم والبركات) أي ببواهرها ويروى بفضائل الصلوات ولطائف التسليم ولو روي بشرائف الصلوات ولطائف التسليم لكان الطف.