المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل (في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم) - شرح الشفا - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثّاني

- ‌[المقدمة]

- ‌(الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ مِنْ حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ [فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طاعته واتّباع سنّته]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وتصديقه فيما جاء به]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالُ سُنَّتِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ]

- ‌فصل [وأما وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ]

- ‌فصل [وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ مُتَوَعَّدٌ من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب]

- ‌الباب الثاني [في لزوم محبته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [في ثواب محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [فِيمَا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحقيقتها]

- ‌فصل [في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ [فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبره]

- ‌فصل [في عادة الصحابة في تعظيمه عليه الصلاة والسلام وتوقيره وإجلاله]

- ‌فصل [واعلم أن حرمة النبي بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم]

- ‌فصل [فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رسول الله وسنته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبره بر آله]

- ‌فصل [ومن توقيره وبره توقير أصحابه عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه]

- ‌الباب الرابع [في حكم الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم]

- ‌فصل [اعلم أن الصلاة على النبي فرض في الجملة]

- ‌فصل [في المواطن التي تستحب فيها الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويرغب فيها]

- ‌فصل [في كيفية الصلاة عليه والتسليم]

- ‌فصل (في فضيلة الصلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم عليه والدّعاء له)

- ‌فصل (فِي ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وإثمه)

- ‌فصل [في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بتبليغ صلاة من صلى عليه صلاة أو سلم من الأنام]

- ‌فصل (فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

- ‌فصل (فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ

- ‌فصل (فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من الأدب)

- ‌الْقِسْمُ الثَّالِثُ [فِيمَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وما يستحيل في حقه وما يمتنع]

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ نَبِيِّنَا عليه الصلاة والسلام وَسَائِرِ الأنبياء صلوات الله عليهم

- ‌فصل (فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (وأمّا عصمتهم من هذا الفنّ)

- ‌فصل [قال القاضي أبو الفضل قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان]

- ‌فصل [وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ من الشيطان إلى آخره]

- ‌فصل [وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت الدلائل إلى آخره]

- ‌فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات]

- ‌فصل [فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ]

- ‌فصل (فإن قلت فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث السّهو)

- ‌فصل (وأمّا ما يتعلّق بالجوارح)

- ‌فصل [وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النبوة]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً ويدخل تحت التكليف]

- ‌فصل (فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهَا السَّهْوُ

- ‌فصل (فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم الذّنوب)

- ‌فصل [قد استبان لك أيها الناظر بما قررناه ما هو الحق من عصمته عليه السلام]

- ‌فصل (في القول في عصمة الملائكة)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ]

- ‌فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سحر]

- ‌فصل [هذا حاله عليه الصلاة والسلام في جسمه]

- ‌فصل [وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره]

- ‌فصل [وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ]

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَقَرَّرَتْ عِصْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ)

- ‌فصل (فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ أَيْضًا الَّذِي حدّثناه الفقيه أبو محمد الخشنيّ)

- ‌فصل (وأمّا أفعاله عليه الصلاة والسلام الدّنيويّة)

- ‌فصل [فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ وشدتها عليه عليه الصلاة والسلام]

- ‌الْقِسْمُ الرَّابِعُ (فِي تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تنقّصه أو سبّه عليه الصلاة والسلام

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبٌّ أَوْ نَقْصٌ مِنْ تَعْرِيضٍ أو نصّ)

- ‌فصل (فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم اليهوديّ الّذي قال له)

- ‌فصل (قَالَ الْقَاضِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لسبّه)

- ‌فصل [أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله إلى آخره]

- ‌فصل (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ)

- ‌فصل [أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا ولا سبا لكنه ينزع إلى آخره]

- ‌فصل [أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ وآثرا عن سواه]

- ‌فصل [أن يذكر ما يجوز على النبي أو يختلف في جوازه عليه]

- ‌فصل (وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وما لا يجوز)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِي حُكْمِ سَابِّهِ وَشَانِئِهِ وَمُتَنَقِّصِهِ ومؤذيه]

- ‌فصل (إذا قلنا بالاستتابة حيث تصحّ)

- ‌فصل (هذا حكم من ثبت عليه ذلك)

- ‌فصل [هذا حكم المسلم]

- ‌فصل (فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وغسله والصلاة عليه)

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ (فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأزواجه وصحبه

- ‌فصل (وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ)

- ‌فصل [فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ قَدْ ذكرنا مذاهب السلف وإكفار أصحاب البدع والأهواء]

- ‌فصل (فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْمَقَالَاتِ كُفْرٌ وَمَا يُتَوَقَّفُ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بكفر)

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ السَّابِّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الذمي الخ]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ الخ]

- ‌فصل (وأمّا من تكلّم من سقط القول)

- ‌فصل (وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وملائكته)

- ‌فصل (واعلم أن من استخفّ بالقرآن)

- ‌فصل [من سب آل بيته وأزواجه وأصحابه عليه الصلاة والسلام وتنقصهم حرام ملعون فاعله]

- ‌ نظم

- ‌فهرس محتويات الجزء الثاني من شرح الشفا

الفصل: ‌فصل (في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم)

تفصيل هذه القصة (أو السّهو أو النّسيان) مع أنهما ثابتان عنه إلا أنه إنما يكفر لأجل التعيير وسبب التحقير (أو السّحر) أي بالسحر وهو ظاهر في الكفر أو (ما أصابه) أي وبما نابه (من جرح) بضم الجيم ويفتح أي جراحة مع أنه عليه الصلاة والسلام كسرت رباعيته وشج وجهه فكفر القائل إنما هو لتعييره به وتنقيصه بسببه وكذا قوله (أو هزيمة لبعض جيوشه) فإنه هزم بعض أصحابه في أحد وحنين (أَوْ أَذًى مِنْ عَدُوِّهِ أَوْ شِدَّةٍ مِنْ زمنه) أي على وجه التعيير به (أو بالميل إلى نسائه) ففي العالم في قوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال ابن عباس والحسن ومجاهد جماعة المراد بالناس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحده حسدوه على ما أحل الله له من النساء وقالوا ما له هم إلا النكاح قاله تعالى:

فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً كداود وسليمان فإنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية وكان لداود عليه السلام مائة امرأة ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا تسع نسوة انتهى وقد صرح بعض علمائنا أن من تزوج أربعا وتسرى ألفا وعيره أحد وذمه به يكفر لأنه بمنزلة تحريم ما أحل الله سبحانه وتعالى (فَحُكْمُ هَذَا كُلِّهِ لِمَنْ قَصَدَ بِهِ نَقْصَهُ الْقَتْلُ وَقَدْ مَضَى مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذلك) أي من اختلافهم هنالك هل يستتاب أم لا (ويأتي ما يدلّ عليه) من الجواب على وجه الصواب.

‌فصل (فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم)

من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (فمن القرآن لعنه تعالى) أي لعن الله كما في نسخة (لمؤذيه) أي لمؤذي نبيه (في الدّنيا والآخرة) ظرف لعنه (وقرانه تعالى) أي وجمعه سبحانه (أذاه) أي أذى رسول (بأذاه) أي بأذى نفسه (وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ) أي عمدا من غير خطأ واكراه وإنما الخلاف في أنه هل يستتاب أم لا (وأنّ اللّعن) أي الطرد الكلي من رحمة الله تعالى (إنّما يستوجبه من هو كافر) وأما ما ورد من لعن أصحاب الكبائر وأرباب الصغائر كقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله آكل الربا ونحوه ولعن الله المحلل والمحلل له وأمثاله فهو لعن دون لعن والحاصل أن اللعن المطلق ينصرف إلى الفرد الاكمل وأغرب الدلجي في هذا المحل حيث قال بخلاف المؤمن فإن لعنه كقتله كما ورد وفي رواية لعنه فسوف إذ ليس الكلام فيمن لعن مؤمنا بل الكلام فيما إذا وقع لعن الله على أحد فإنه إن لم يكن مؤمنا فهو كافر وأما إذا وقع على مؤمن فالمراد زجره (وحكم الكافر القتل) إذ لم يكن معصوم الدم (فقال) أي اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: 57] ) وقد سبق بيان أذاهما وقيل ذكر الله تعالى تعظيم وتمهيد لذكره عليه الصلاة والسلام (الآية) أي لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أبعدهم من رحمته الخاصة فيهما وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً وحجابا مبينا (وقال) أي الله تعالى (في قاتل المؤمن مثل ذلك) أي نظير ما هنالك حيث قال تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً

ص: 400

مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً لكن اللعن الموجب للكفر إنما يكون إذا استحل قتل المؤمن أو قتل لكونه مؤمنا وإلا فهو محمول على الزجر كما أن خالدا مأول بمدة مديدة (فمن لعنته في الدّنيا القتل) إما قصاصا وإما حدا (قال الله تَعَالَى) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وشبهة والمرجفون في المدينة بالأخبار السيئة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أي لنسلطنك عليهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا أي زمانا قليلا فهددهم بالبعد عن حضرة حبيبه وعدم المجاورة في مكان قربه الموجب للبعد عن رحمته والطرد من جنته وهذا معنى قوله (مَلْعُونِينَ) بالنصب على الحال (أَيْنَما ثُقِفُوا) أي وجدوا وأدركوا (أُخِذُوا) أي أمسكوا (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب: 61] ) أي أشد أنواع القتل ليعتبر غيرهم ويقوموا بحق النبي كما يجب له توقيرا وتبجيلا (وقال) أي الله (في المحاربين) أي قطاع الطريق على سيارة المسلمين (وذكر عقوبتهم) بقوله إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أن اقتصروا على القتل أو يصلبوا أن جمعوا بين أخذ المال وقتل النفس أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أن اقتصروا على أخذ المال أو ينفقوا من الأرض بالإخراج أو الحبس إن اقتصروا على الإخافة (ذلِكَ) أي ما ذكر من قتل وغيره (لَهُمْ خِزْيٌ) أي ذل وفضيحة (فِي الدُّنْيا [المائدة: 33] ) وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وحاصله أن اللعن قد يجيء بمعنى القتل على أن صاحب اللعن يستحق القتل (وقد يقع القتل بمعنى اللّعن قال: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: 10] ) أي لعن الكذابون المقدرون المفترون (وقاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي اليهود والنصارى وأمثالهم (أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 4] ) أي كيف يصرفون عن الحق مع ظهور أمره وعلو نوره (أي لعنهم الله تعالى) أي أبعدهم عن مقام حضوره (ولأنّه) أي الله تعالى (فرق بين أذاهما) والتقدير لأن الله سبحانه وتعالى فرق بين إذاهما أي أذى الله ورسوله بأن في اذاهما الكفر والقتل وفي أذى المؤمنين القتل والضرب بحسب اختلاف الأذى حيث قال تعالى وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (وفي أذى المؤمنين ما دون القتل) أي أن لم يكن الأذى بالقتل ونحوه مما يستحق القتل (من الضّرب والنّكال) أي العقوبة التي هي العبرة لغيره في الاستقبال (فكان حكم مؤذي الله ونبيّه) بخصوصه أو عموم جنسه (أشدّ من ذلك) أي من أذى المؤمنين (وهو) أي حكمه الأشد (القتل) لمؤذيهما والكفر في متنقصيهما (وقال لله تعالى فَلا أي فليس الأمر كما يزعمون (وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي يجعلوك حكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65] ) أي فيما اختلفوا فيما بَيْنَهُمْ (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً الآية) أي ضيقا وشكا مما قضيت أي حكمت بينهم سواء لهم أو عليهم ويسلموا تسليما أي ينقادوا انقيادا تاما لحكمك ظاهرا وباطنا دائما (فسلب) أي نفي الله (اسْمَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ وُجِدَ فِي صَدْرِهِ

ص: 401

حرجا من قضائه) بعدم انقياده (ولم يسلم له) أمره بإذعانه وفق مراده (ومن تنقّصه فقد ناقض هذا) أي عارض ما يجب عليه من أنه لم يجد من نفسه حرجا من قضائه كيف ما جاء واسعا أو ضيقا (وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) تعظيما لقدره وتكريما لأمره وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ (إلى قوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2] ) ومن المعلوم أن مجرد رفع الصوت فوق صوته لا يبطل العمل فإن المعاصي سواء الكبائر والصغائر لا تبطل الحسنات عند أهل السنة والجماعة وإنما يبطلها الكفر وهو لا يكون إلا إذا تضمن وفع الصوت خفض حرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واستخفاف منصبه وهذا معنى قوله (ولا يحبط العمل إلّا الكفر) بمجرد تحققه ولو رجع إلى الإسلام عند أكثر علماء الأعلام (والكافر يقتل) بالارتداد بعد استتابته أو بدونها على خلاف لأرباب الاجتهاد (وقال الله تعالى وَإِذا جاؤُكَ) أي اليهود والمنافقون (حَيَّوْكَ) أي سلموا عليك (بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: 8] ) أي بلفظ لم يأمر الله تعالى به فيقولون السام عليك والسام الموت ويقولون في أنفسهم أي في صدروهم أو فيما بينهم من حجورهم لولا يعذبنا الله بما نقول وأقول قد عذبهم الله تعالى بعين المقول وأن لم يدركوه بالعقول (ثمّ قال حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) أي كافيهم عذابها في العقبى ولو أمهلناهم لحكمة في الدنيا (يَصْلَوْنَها) أي يدخلونها ويحرقون بها ويخلدون فيها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: 8] ) أي المرجع هي لهم ولأمثالهم في مآلهم (وقال تعالى وَمِنْهُمُ) أي من المنافقين (الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التَّوْبَةِ: 61] ) بضمتين وبسكون ثانيه الجارحة المعروفة والمراد به هنا المستمع القائل لما يقول له كل أحد قال تعالى ردا عليهم قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي نعم هم اذن ولكن نعم الأذن هم يؤمن بالله أي بجوده ووجوده يؤمن للمؤمنين أي يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ورحمة للذين آمنوا خاصة وللخلق عامة (ثمّ قال: يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التَّوْبَةِ: 61] ) وعقاب مقيم (وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أي المنافقين وهم سائرون معه في غزوة تبوك عن قولهم في حقه انظروا هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه بالتمام هيهات هيهات من هذا المرام (لَيَقُولُنَّ) في مقام الإنكار على وجه الاعتذار (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: 65] ) فيما يخوض فيه الركب ليقصر السفر ويخف التعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا باعتذاراتكم الكاذبة (إلى قوله: قَدْ كَفَرْتُمْ سرا (بَعْدَ إِيمانِكُمْ [التوبة: 66] ) ظاهرا (قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ كَفَرْتُمْ بِقَوْلِكُمْ فِي رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ما لا يليق بجنابه المكرم (وأمّا الإجماع فقد ذكرناه) وهو أقوى الحجج في مقام النزاع (وأمّا الآثار) أي الأحاديث والأخبار (فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ محمد بن غلبون) بفتح معجمة وسكون لام وهو منصرف وقد يمنع على مذهب أبي علي الفارسي كما قدمناه (عن الشّيخ أبي ذرّ الهرويّ) بفتح الهاء ويكسر (إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ

ص: 402

الدّارقطنيّ وأبو عمر بن حيّويه) بمهملة مفتوحة وتشديد تحتية مضمومة فواو ساكنة فتحتية وفي نسخة حيوة بفتحتين بينهما ساكن وهو أبو عمر محمد بن زكريا الخزاز بزايين لعمله الخز (قالا) كلاهما (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن محمّد بن الحسن بن زبالة) بفتح الزاء وتخفيف الموحدة المدني من أئمة الحديث ومصنفيهم قال ابن حبان يأتي عن المدنيين بالأشياء المعضلات فبطل الاحتجاج به ذكره الذهبي في الميزان على ما قاله الحلبي (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ) قال الحلبي يحتمل أن يكون هذا عبد الله بن موسى الهاشمي فإن كان هو يروي عن الحسن بن الطيب والبغوي وطبقتهما وعنه أبو محمد الخلال والتنوخي قال ابن أبي الفوارس فيه تساهل شديد وقال البرقاني أبو العباس الهاشمي ضعيف وله أصول رديئة وقال أبو الحسن بن الفرات ثقة مات سنة أربع وسبعين وثلاثمائة كذا ذكره الذهبي في الميزان فإن كان هذا هو فهو لم يدرك علي بن موسى يعرف ذلك بالنظر في تاريخ موتهما فيكون الحديث منقطعا قال وإن لم يكن هو فلا أعرفه والله أعلم (عن عليّ بن موسى) هو الرضى العلوي يروي عن أبيه وعمه وعنه أبو عثمان المازني وعبد السلام بن صالح وعدة مات بطرطوس سنة ثلاث ومائتين وله خمسون سنة أخرج له ابن ماجه فقط تكلموا فيه قال ابن طاهر يأتي عن أبيه بعجائب قال الذهبي إنما الشأن في ثبوت السند وإلا فالرجل قد كذب عليه ووضع عليه نسخة سائرة كما كذب على جده جعفر الصادق (عن أبيه) أبوه هو موسى بن جعفر بن محمد العلوي الكاظم روى عن أبيه وعبد الله بن دينار ولم يدركه وعنه ابنه علي الرضى وأخواه علي ومحمد وبنوه إبراهيم وإسماعيل وحسين وصالح قال أبو حاتم ثقة إمام توفي في حبس الرشيد ولد سنة ثمان وعشرين ومائة سنة ثالث وثمانين ومائة أخرج له الترمذي وابن ماجة وكان من الأجواد الحكماء ومن العباد الاتقاء وله مشهد معروف ببغداد وحديثه قليل جدا (عن جدّه) وهو جعفر بن محمد الصادق (عن محمّد بن عليّ بن الحسين) هو أبو جعفر البقر (عن أبيه) أي علي بن الحسين زين العابدين (عن الحسين بن عليّ) أي ابن طالب (عن أبيه) أمير المؤمنين علي المرتضى كرم الله وجهه ورضي عنه (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ ومن سبّ أصحابي فاضربوه) قال الحلبي الحديث هذا ليس في الكتب الستة قلت الحديث قد ساقه القاضي بسنده من طريق الدراقطني وهو إمام جليل من أهل السنة وقد رواه الطبراني في الكبير أيضا لكنه بسند ضعيف عن علي رضي الله تعالى عنه من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحاب جلد ورواه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين وروى أحمد والحاكم في مستدركه من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى وفي حاشية التلمساني عن علي رضي الله تعالى عنه قال لا أوتى بمن فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري. (وفي الحديث الصّحيح) الذي رواه البخاري وغيره (أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل

ص: 403

كعب بن الأشرف) من يهود خيبر (وقوله) بالرفع عطف على أن النبي أي وفي الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام في أصل الدلجي وفي الحديث الصحيح أمر النبي بصيغة المصدر فقال وقوله عطف على أمر النبي (من لكعب بن الأشرف) أي من يتصدى لقتله (فإنّه) كما رواه الشيخان عن جابر (يؤذي) وفي رواية لهما آذى (الله ورسوله ووجّه) بتشديد الجيم أي أرسل (إليه من قتله) وهو محمد بن مسلمة وقد خرج معه سلمان بن سلامة وعباد ابن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبير وهؤلاء الخمسة كلهم من الأوس وكان خروجهم إليه لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجرة عليه الصلاة والسلام (وكان قتله غيلة) بكسر المعجمة أي خفية ومخادعة وحيلة والقضية مشهورة وفي كتب السير مسطورة (دون دعوة) واستتابة لسبق الدعوة وعدم المنفعة (بخلاف غيره) أي غير كعب (من المشركين) فإن قتله كان بعد دعوته له إلى الإسلام رجاء أن يرجع إلى طريق دار السلام (وعلّل) أي النبي عليه الصلاة والسلام في قتله (بأذاه له) كما تقدم (فَدَلَّ أَنَّ قَتْلَهُ إِيَّاهُ لِغَيْرِ الْإِشْرَاكِ بَلْ للأذى) وفيه أن ذلك الأذى كان نوعا من الإشراك إذ لم يثبت له إيمان سابق وأذى لا حق ليكون دليلا على ما نحن فيه فإنه لعنه الله قد جمع بين الكفر بالله والقدح في أمر رسول الله فتقدير كلام المصنف لغير الإشراك وحده بل للأذى معه (وكذلك) أي ومثل ما قتل كعبا في الجملة (قتل أبا رافع) أي الأعور سلام بتخفيف اللام وقيل يتشديدها وهو ابن أبي الحقيق وكان يهوديا بخيبر قاله البخاري في صحيحه وزاد وقيل هو حصن بأرض الحجاز، (قال البراء) أي ابن عازب (وكان) أي أبو رافع (يؤذي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويعين) أي اعداءه (عليه) روي أنه استأذن نفر من الخزرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في قتل أبي رافع فأذن فخرج خمسة نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة بن ربعي وخزاعي بن أسود وحليف لهم من اسلم وأمر عليهم ابن عتيك وذلك في شهر رمضان سنة ست (وكذلك أمره يوم الفتح) أي فتح مكة (بقتل ابن خطل) بفتح المعجمة والمهملة واختلف في اسمه رواه ابن أبي إسحاق والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عمرو بن حزم مرسلا ورواه الشيخان عن أنس بلفظ أمر بقتل ابن خطل وفي الترمذي وهو متعلق بأستار الكعبة واختلف في قاتله والظاهر اشتراكهم في قتله (وجاريتيه اللّتين كانتا تغنّيان بسبّه عليه الصلاة والسلام وهما سارة وفرتنا بالفاء والتاء والنون وأسلمت فرتنا وأمنت سارة وعاشت إلى زمن عمر رضي الله تعالى عنه ثم وطئها فرس فقتلها ذكره السهيلي وقال أبو الفتح اليعمري وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحديهما واستأمنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الأخرى فأمنها فعاشت مدة ثم ماتت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ذكره الحلبي فحيث ما صح قتلهما ولا قتل إحداهما لاختلاف وقع فيهما فلا يرد على أبي حنيفة أنه لم يحكم بقتل المرتدة مع أنهما لا يعرف إسلام سابق لهما وروى أبو داود والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم فتح

ص: 404

مكة أمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس إلا أربعة وامرأتين ذكره الدلجي ولم يبين أنهما قتلا أم لا ولعلهما الجاريتان والله تعالى تعالى اعلم. (وفي حديث آخر) قال الدلجي لا أدري من رواه (أنّ رجلا كان يسبّه عليه الصلاة والسلام قال الحلبي هذا الرجل لا أعرف اسمه وقال التلمساني هو الحويرث بن نغير وهو الذي نخس جمل زينب ابنته عليه الصلاة والسلام حين أدركها فسقطت من دابتها وألقت جنينها (فقال من يكفيني عدوّي) أي شره وفي أصل التلمساني يكفني على أن من شرطية قال وروي يكفيني بالرفع أي بإثبات الياء وهو إما على لغة الم يأتيك والأنبياء تنمي وقيل أشباع وقيل من موصولة فيها معنى الشرط (فَقَالَ خَالِدٌ أَنَا فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ) وقد تصحف على الحلبي بقوله وكذلك لم يقل بضم المثناه تحت أوله ثم قاف مكسورة وهذا ظاهر انتهى وهو خطأ باهر كما لا يخفى وقد تبعه الأنطاكي والدلجي ضبطه بضم أوله وكسر ثانيه من أقال عثرته أي هلكته وتبعهما التلمساني في ضبط مبناه وقال معناه أنه لم يترك جماعة انتهى ولا يخفى أنه لم يثبت عن أحد من الجماعة أنه رجع ولم يقبل عليه الصلاة والسلام رجعته حتى يصح نفي الإقالة فتأمل ولا يغرك كثرة القائلين الغافلين بل أمر بقتل جماعة غير تائبة (مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسُبُّهُ كَالنَّضْرِ بن الحارث) وهو القائل من كمال تعصبه في مذهبه وحماقته في مشربه اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري أخذ أسيرا ببدر وبالصفراء أمر عليه الصلاة والسلام عليا فقتله وهذا هو الصواب وأما ابن منده وأبو نعيم فغلطا فيه غلطين أحدهما أنهما قالا في نسبته كلدة بن علقمة وإنما هو بالعكس ذكره الزبير بن بكار وابن الكلبي وخلائق وثانيهما أنهما قالا إن النضر بن الحارث شهد حنينا معه عليه الصلاة والسلام وأعطاه مائة من الإبل وكان مسلما من المؤلفة وعزوا ذلك إلى ابن إسحاق وهذا غلط بإجماع أهل المغازي والسير وقد أطنب ابن الأثير في تعليقهما والرد عليهما انتهى وقد ذكر ذلك الشيخ محيي الدين عنه وكذا الذهبي في التجريد على ما قاله الحلبي والله سبحانه وتعالى أعلم (وعقبة بن أبي معيط) بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون التحتية وطاء مهملة وهو أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي أسره عبد الله بن سلمة بكسر اللام ببدر فلما انصرف عليه الصلاة والسلام من بدر وكان بعرق الظبية أمر بقتله عاصم بن ثابت الأنصاري وقيل عليا فقال حين قتله من للصبية يا محمد قال النار أو قال إلى من الصبية يا محمد قال إلى النار (وعهد) أي وصى (بقتل جماعة منهم) أي ممن كان يؤذيه (قبل الفتح وبعده فقتلوا) أي من عهد بقتله (إِلَّا مَنْ بَادَرَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) مثل كعب بن زهير بن أبي سلمى بضم السين صاحب قصيدة بانت سعاد وقصته معروفة (وقد روى البزّار) بسند ضعيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي معيط نادى) بأعلى صوته (يا

ص: 405

معاشر قريش) وروي يا معشر قريش وهم ولد النضر بن كنانة سموا قريشا باسم دابة في البحر تأكل حيوانه وقد قيل فيها:

وقريش هي التي تسكن البح

ر سميت قريش قريشا

تأكل الغث والسمين ولا تتر

ك يوما لذي جناحين ريشا

(ما لي أقتل) بصيغة المجهول (من بينكم صبرا) أي محبوسا ومأخوذا من غير محاربة في المعركة (فقال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بكفرك) أي أولا (وافترائك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ثانيا إهانة له واحتقارا و (ذكر عبد الرزاق) في جامعه عن عكرمة مولى ابن عباس مرسلا (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ يَكْفِينِي عدوّي) بدفع شره عني (فقال الزّبير: أنا، فبارزه) أي الزبير أو هو (فقتله الزّبير وروي أيضا) في جامعه عن عروة عن رجل من اليمن (أنّ امرأة كانت تسبّه عليه الصلاة والسلام فَقَالَ مَنْ يَكْفِينِي عَدُوَّتِي فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بن الوليد فقتلها) وروى ابن أبي شيبة عن الشعبي أن رجلا من المسلمين كان يأوي إلى امرأة يهودية تطعمه وتسقيه وتحسن إليه ولا تزال تؤذيه في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقتلها في ليلة من الليالي خنقا فرفع ذلك له عليه الصلاة والسلام فأخبره الرجل بأنها كانت تؤذيه فيه وتسبه وتقع فيه فقتلتها لذلك فأهدر صلى الله تعالى عليه وسلم دمها؛ (وروي) كما في جامع عبد الرزاق (أَنَّ رَجُلًا كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَاهُ) كذا روي مختصرا وروى البيهقي عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى قرية من قرى الأنصار فقال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمرني أن تزوجوني فلانة فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسل عليا والزبير فقال إذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه ولا اراكما تدركانه فذهبا فوجداه قد لدغته حية فقتلته ثم رواه من وجه آخر موصولا عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث وسمي الرجل الذي كذب جد جد الجندي كذا ذكره الدلجي وقال الحلبي هذا الرجل لا أعرف اسمه أقول من حفظ حجة على من لم يحفظ، (وروى ابن قانع) بقاف ونون وهو عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق أبو الحسين الأموي (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِيكَ قَوْلًا قَبِيحًا فَقَتَلْتُهُ فَلَمْ يشقّ ذلك) أي لم يصعب أمره (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) قال الحلبي هذا الرجل وأبوه لا أعرفهما، (وبلغ المهاجر) بالنصب (ابن أبي أميّة أمير اليمن) نيابة (لأبي بكر رضي الله عنه والمعنى وصله (أنّ امرأة) وفي نسخة بتشديد لام بلغ ورفع المهاجر أي أوصل لأبي بكر أن امرأة (هناك) أي في اليمن (في الرّدّة) أي في حالها أو لأجلها (غنّت) بتشديد النون أي تغنت وتنغمت (بسبّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقطع) أي المهاجر (يدها) وفي نسخة يديها وفي نسخة ثدييها (ونزع ثنيّتها) وكان الأنسب قطع لسانها أو قمع وجودها وشأنها (فبلغ ذلك أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ لَوْلَا مَا فَعَلْتَ لَأَمَرْتُكَ بِقَتْلِهَا لِأَنَّ حدّ الأنبياء) أي تعزير

ص: 406

تنقصهم (ليس يشبه الحدود) المترتبة على أسبابها بالنسبة إلى غيرهم فإن القتل متعين إلا في المرأة لاختلاف فيها والحديث رواه ابن سعد وابن عساكر والمهاجر هو ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي كان اسمه الوليد فكرهه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسماه المهاجر وهو أخو أم سلمة أم المؤمنين أرسله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اليمن إلى الحارث بن عبد كلال الحميري باليمن ثم استعمله على صدقات كندة فتوفي صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يسر إليها فبعثه أبو بكر إلى قتال من باليمن من المرتدين فإذا فرغ سار إلى عمله فسار إلى ما أمره به أبو بكر وهو الذي فتح حصن النجير بحضرموت زمن أبي بكر مع زياد بن لبيد الأنصاري وله في قتال المرتدين باليمن آثار كثيرة رضي الله تعالى عنه (وعن ابن عباس) قال الدلجي لا أعرف من رواه (هجت امرأة من خطمة) بفتح معجمة وسكون مهملة قبيلة والمرأة عصماء بنت مروان بن أبي أمية بن زيد (النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال من لي بها) أي من يقوم لأجلي بقتلها (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا أَنَا يَا رَسُولَ الله فنهض) أي فقام (فقتلها) وهو عمير بن عدي بن خرشة الخطمي (فأخبر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المجهول (فقال عليه الصلاة والسلام لا ينتطح فيها عنزان) بفتح مهملة فسكون نون فزاء وهو تثنية عنز أي لا يجري فيها خلاف ولا نزاع كنطاح التيوس والكباش وهذا من الكلام الذي لم يسبق إليه أحد من الأنام وصار هذا مثلا في تحقير الأمر وأنه لا يكون فيه مكروه وإن قل أو معناه أن أمرها هين لا يتكلم فيها ولا يطلب دمها لفعلها القبيح الدال على كفرها الصريح أو معناه أنه لا يحصل في قتلها ما يثير فتنة من قبلها وإن أيسر الأشياء أن ينطح عنزان وهو في قتلها غير موجود وقيل العنزان لا ينتطحان وإنما ينتطح التيسان والمعنى لا توجد فيها فتنة البتة وروي أن قاتلها صلى الفجر بالمدينة بعد قتلها فقال عليه الصلاة والسلام قتلت ابنة مروان قال نعم فهل علي في ذلك شيء فقال عليه الصلاة والسلام لا ينتطح فيها عنزان وأرسلته العرب مثلا يضرب في أمر هين لا يكون له تعيير ولا نكير قال الحافظ وأول من تكلم به النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله حين قتل عمير بن عدي عصماء (وعن ابن عباس) كما رواه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عنه (أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيزجرها) أي ينهاها الأعمى (فلا تنزجر) بقوله لها (فلمّا كانت ذات ليلة) أي ساعة من ساعاتها (جعلت) أي أخذت وشرعت (تقع في النبيّ) أي في عرضه (صلى الله تعالى عليه وسلم وتشتمه) بكسر العين وضمها أي تسبه كما في نسخة (فقتلها وأعلم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك فأهدر دمها) قال الحلبي وهذه المرأة وزوجها الأعمى لا أعرفهما الآن وفي الصحابة جماعة عميان غير أن الإمام السهيلي ذكر في أواخر روضه في مقتل عصماء بنت مروان قال وكانت تسب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقتلها بعلها على ذلك إلى أن قال ووقع في مصنف حماد ابن سلمة أنها كانت يهودية وكانت تطرح المخاط في مسجد بني خطمة فأهدر رسول الله

ص: 407

صلى الله تعالى عليه وسلم دمها قال ولم ينتطح فيها عنزان انتهى وقد ذكر ابن سعد في سيرته أن عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت عند يزيد بن فريد بن حصن الخطمي وكانت تعيب الإسلام وتؤذي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتحرض عليه الأنام وتقول الشعر فيه من نظم الكلام فجاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام ومنهم من ترضعه في صدرها فجسها بيده ونحى الصبي عنها ووضع سيفه على صدرها حتى انفذه من ظهرها وكان ضرير البصر إلى آخر القصة فعمير ليس بزوجها وزوجها يزيد بن فريد بن حصن صحابي ولا اعلمه في العميان؛ (وفي حديث أبي برزة) بفتح الموحدة فسكون راء فزاء (الأسلميّ) على ما رواه أبو داود وصححه الحاكم ورواه البيهقي في سننه (قال كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) رضي الله تعالى عنه (فغضب على رجل من المسلمين) أي ممن اغضبه عليه بسب أو بسبب آخر (وحكى القاضي إسماعيل) أي ابن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد المالكي البغدادي الحافظ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أي في سبب ورود حديث أبي برزة (أنه) أي الرجل (سبّ أبا بكر ورواه النّسائيّ) وهو أحد الأئمة الستة (أتيت أبا بكر وقد أغلظ لرجل) أي في القول (فردّ) أي الرجل (عليه) أي على أبي بكر (قال) أي قال أبو برزة (فقلت يا خليفة رسول الله دعني) أي اتركني (أضرب) بالجزم وقيل بالرفع (عنقه) أي بسبه لك كما في نسخة وكأنه مهتما بأمره (فقال اجلس فليس ذلك) أي قتل مثله (لأحد إلّا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) كإخوته من الأنبياء لاشتراكهم في بعث النبوة وصفة الرسالة بخلاف غيرهم من آحاد الأمة ولو كانوا من أكابر الأئمة هذا والحديث رواه النسائي من طرق بألفاظ متعددة منها ما تقدم ومنها تغيظ أبو بكر على رجل ومنها مررت على أبي بكر وهو متغيظ على رجل من الصحابة ومنها غضب أبو بكر على رجل غضبا شديدا حتى تغي لونه ومنها كنا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ من المسلمين فاشتد غضبه عليه جدا ورواه أبو داود أيضا ولفظه عن أبي برزة كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجل فاشتد عليه، (قال القاضي أبو محمد بن نصر) ومن كلامه في أيامه حال ضيق مرامه:

يا لهف قلبي على شيئين لو جمعا

عندي لكنت إذن من أسعد البشر

كفاف عيش يقيني ذل مسألة

وخدمة العلم حتى ينقضي عمري

(ولم يخالف عليه أحد) يعني فصار إجماعا أنه لا يقتل مسلم بسبب صحابي وينبغي أن لا يكون فيه خلاف إذ لو قتل أحد أبا بكر لم يكفر اتفاقا فكيف إذا سبه أحد ومن المعلوم أن جناية السب دون جناية القتل وإنما جوز بعض أصحابنا الحنفية قتل من سب أكابر الصحابة على وجه الزجر والسياسة وأما ما نقلوه فيه من حديث سب الشيخين كفر فلا أصل له وعلى تقدير صحة ثبوته فيجب تأويله كحديث من ترك صلاة متعمدا فقد كفر أي قارب الكفر أو يخشى عليه الكفر أو كفر النعمة أو محمول على استحلال المعصية أو عد سبهم عبادة وأمثال

ص: 408

ذلك والله تعالى اعلم بحقيقة ما هنالك، (واستدلّ) وفي نسخة فاستدل (الأئمة) أي علماء الأمة (بهذا الحديث) المروي عن أبي برزة المنتهي إلى أبي بكر الصديق (عَلَى قَتْلِ مَنْ أَغْضَبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَغْضَبَهُ أَوْ أَذَاهُ أَوْ سَبَّهُ وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز إلى عامله بالكوفة) قال الحلبي هذا الرجل لا أعرفه وقال التلمساني هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (وقد استشاره) أي ذلك العامل عمر بن عبد العزيز (فِي قَتْلِ رَجُلٍ سَبَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه) الظاهر أن المراد به ابن الخطاب لأنه الفرد الأكمل في هذا الباب ولا يبعد أن يراد به عمر بن عبد العزيز (فكتب إليه عمر) أي ابن عبد العزيز (إنّه لا يحلّ قتل امرىء مسلم بسبّ أحد من النّاس) ولو بلا موجب وسبب (إِلَّا رَجُلًا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ سَبَّهُ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ) أي إجماعا وذلك لخروجه عن دينه قطعا، (وسأل الرّشيد) وهو هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقد بويع له سنة سبعين ومائة في الليلة التي مات فيها أخوه الهادي لاثنتي عشرة ليلة بقيت من الربيع الأول وهو ابن احدى وعشرين سنة وشهرين وحج بالناس ست حجات ولم يزل واليا إلى أن مات بطوس من خراسان وهنالك قبره وذلك ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن سبع وأربعين سنة وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وسبعة عشر يوما وكان يحج عاما ويغزو عاما وهو آخر خليفة حج في خلافته حج بعده كثير من قبل ولايتهم والحاصل أنه سأل (مالكا) إمام المذهب ما تقول (في رجل شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بخصوصه أو أحدا من جنسه (وذكر له) أي الرشيد (أنّ فقهاء العراق) أي الكوفة والبصرة أو فقهاء العجم (أفتوه) إذا سألهم عنه أجابوه (بجلده) أي بضربه حدا لشتمه (فغضب مالك) لفتواهم بذلك (وَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقَاءُ الْأُمَّةِ) على الجادة (بعد شتم نبيّها) بهذه المثابة من عدم التفرقة بينه وبين غيره في تفاوت الرتبة (مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ قُتِلَ وَمَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أحدا منهم (جلد) أي ضرب جلد الفرية. (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) أي المصنف (كذا وقع في هذه الحكاية) أي أن فقهاء العراق افتوا الرشيد بجلده (رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَنَاقِبِ مَالِكٍ) ممن اعتنى بجمعها وفي نسخة ممن ذكر مناقب مالك (ومؤلّفي أخباره وغيرهم) من رواة سيره وآثاره (وَلَا أَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ أفتوا الرّشيد بما ذكر) من أنه يجلد ولا يقتل (وقد ذكرنا مذهب العراقيّين) وفي نسخة مذاهب العراقيين (بقتله ولعلّهم) أي من افتاه بجلده دون قتله (ممن لم يشتهر) وفي نسخة ممن لم شهر (بعلم) وهذا بعيد جدا وكذا قوله (أو ممن) وفي نسخة أَوْ مَنْ (لَا يُوثَقُ بِفَتْوَاهُ أَوْ يَمِيلُ به هواه) فأن مثل هؤلاء لا ينقل الرشيد عنهم فيتعين قوله (أو يكون ما قاله) أي نقله الرشيد (يحمل على غير السّبّ) الموجب لقتله (فيكون الخلاف) جاريا فيه (هل هو سبّ) فيقتل (أو غير سبّ) فيجلد (ويكون) أي الساب (رجع وتاب عن سبّه)

ص: 409

وفي نسخة من سبه وهذا هو الأظهر لأنه الموافق لمذهب الكوفيين على ما تقرر (فلم يقله) أي لم ينقله الرشيد (لمالك) فلم يقله مالك (على أصله) أي حقيقة وقوعه (وإلّا فالإجماع على قتل من سبّه) أي في الجملة (كما قدّمناه) وإن كان منهم من قال فإن تاب قبلت توبته بل يجب أو يستحب أن يستتاب والله تعالى اعلم بالصواب (ويدلّ على قتله من جهة النّظر) أي نظر العقل (والاعتبار) أي طريق القياس (أنّ من سبّه أو تنقّصه عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء الكرام (فقد ظهرت علامة مرض قلبه) أي من سوء اعتقاده بربه (وبرهان سرّ طويّته) أي ودليل خبث باطنه وفي نسخة وبرهان لسوء طويته أي فساد نيته (وَكُفْرِهِ، وَلِهَذَا مَا حَكَمَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ العلماء بالرّدّة) الصواب ما قاله التلمساني أن ما زائدة أو موصولة بخلاف قول الدلجي حيث جعلها ناقية وقال لعدم قطعهم بكفره وأن حكم به ظاهرا انتهى وهو خلاف مذهبهم لأنهم قالوا بكفره قطعا إلا أنهم يقبلون التوبة منه خلافا لمالك على ما تقدم ويدل عليه قوله (وهي) أي الردة (رِوَايَةُ الشَّامِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة والكوفيّين) أي وسائرهم (والقول الآخر) أي الرواية الأخرى عن مالك (أنه) أي سبه (دليل على الكفر) أي بحسب ظاهر الأمر (فَيُقْتَلُ حَدًّا وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْكُفْرِ) قطعا وقال التلمساني ومعناه أنه مسلم انتهى فيتفرع عليه أنه يغسل ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين ونحو ذلك (إلّا أن يكون متماديا) أي مصرا مستمرا (على قوله غير منكر له) أي لمضمونه (ولا مقلع عنه) بتركه (فهذا كافر) وفي نسخة كفر أي بلا خلاف فقتله يكون كفرا كالزنديق لأحدا كالمرتد عنده، (وقوله) أي الذي تمادى منه (إمّا صريح كفر كالتّكذيب به) عليه الصلاة والسلام أو بما جاء به عن ربه (ونحوه) كنسبة إبليس ربه تعالى إلى الجور والظلم إذ أمره بالسجود لآدم عليه السلام زاعما أنه خير من آدم (أو من كلمات الاستهزاء والذّمّ) مما هو غير صريح كفر في مقام الفهم (فَاعْتِرَافُهُ بِهَا وَتَرْكُ تَوْبَتِهِ عَنْهَا دَلِيلُ اسْتِحْلَالِهِ لذلك وهو) أي استحلال المعصية (كفر أيضا فهذا) المستحل (كافر بلا خلاف) أي إذا لم يتب وفيه دليل على أنه ممن يستتاب في مذهب مالك أيضا فعنه روايات والله تعالى اعلم بالصواب وقال الأئمة إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف فلا يجوز للمفتي أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمر بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين والحاكم كالمفتي سواء وكذلك لا يأخذ في أمر نفسه بالتخفيف ويشدد على الناس بل الأولى له العكس وروي أن العبد يسأل عن فتواه هل أفتى بعلم أو جهل وهل فتواه نصيحة أو خذلان وهل أراد وجه الله تعالى أو الرياسة كذا ذكره التلمساني وقال بعض علمائنا إذا وجدت رواية واحدة بعدم تكفير مسلم وتسع وتسعون رواية بتكفيره فينبغي للمفتي أن يختار تلك الرواية لأن إبقاء ألف كافر في الدنيا أهون من أفناء مسلم من أمر العقبى (قال الله تعالى في مثله) أي مثل هذا المعترف بكلمات الاستهزاء والذم (يَحْلِفُونَ) أي المنافقون (بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ

ص: 410

[التوبة: 74] ) أي أظهروا كفرهم بعد إظهار إسلامهم (قال أهل التّفسير هي) أي كلمة الكفر (إن كان ما يقول محمد) من أنه سيفتح قصور الشام (حقّا) أي صدقا (لنحن) أي وأشرافنا المتخلفون (شرّ من الحمير) والقائل الجلاس بن سويد فسمعه عامر بن قيس الأنصاري فقال أجل والله أن محمدا صادق وأنت شر من الحمار فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فحلف بالله ما قال فصدقه النبي عليه الصلاة والسلام فجعل عامر يدعو ويقول اللهم انزل على نبيك من الصادق منا فنزلت فتاب وحسنت توبته (وقيل بل) هي (قول بعضهم) وهو عمل النفاق ورأس أهل الشقاق عبد الله بن أبي ابن سلول إذ لقي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بني المصطلق بالمريسيع ماء لهم فهزمهم منهم وأزدحم جهجاه بن سعد أجير عمر بن الخطاب وسنان حليف بن أبي واقتتلا فصاح جهجاه يا للمهاجرين وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا فقال ابن أبي لجعال وأنت هناك أي أنت في تلك المنزلة بحيث تلطم حليفي ثم قال ما صحبنا محمدا إلا لتلطم (مَا مِثْلُنَا وَمِثْلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَوْلُ الْقَائِلِ) في المثل السائر يضرب لمن يحسن إلى أحد فيسيء إليه (سمّن كلبك يأكلك) وقال لأصحابه لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا فرده الله تعالى بقوله وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (و) قال أيضا (لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ) يريد نفسه الخبيثة (مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: 8] ) يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرد الله تعالى عليه بقوله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ روي أنه قال لقومه ماذا فعلتم بأنفسكم انزلتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا وشكوا أن يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فسمع ذلك زيد بن أرقم فقال والله انت الذليل المبغض في قومه ومحمد في عز من الرحمن وقوة من أصحابه فقال له ابن أبي إنما كنت ألعب فأخبر زيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال اذن ترعد أنف كثيرة بيثرب قال فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر أنصاريا قال فكيف أذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ثم قال عليه الصلاة والسلام لابن أبي أنت صاحب الكلام الذي بلغني قال والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك الباب وأن زيدا لكاذب فقال من حضر شيخنا وكبيرنا لا نصدق عليه قول غلام عسى أن يكون قدوهم فلما نزلت تكذيبا لابن أبي لحق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيدا فعرك أذنه وقال له وفت أذنك يا غلام أن الله قد صدقك وكذب المنافق ولما أراد أن يدخل المدينة قال له ابنه وكان مؤمنا مخلصا وراءك يا منافق والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله هو الأعز وأنا الأذل فلم يزل به حتى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خله يدخل وقيل قال له ابنه لئن لم تقر لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك فقال ويحك أفاعل أنت قال نعم فلما رأى منه الجد قال

ص: 411