الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مما كان يخل ظاهر (عَلَى لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ) من هذيانات المرضى وخرافاتهم واختلاف حالاتهم (كما يعتري غيره من البشر) ممن نزل به شيء منها من شدة الألم وقوة الضرر (ممّا نأخذ بعد) أي نشرع بعد هذا (في بيانه) أي في بيان شأنه وتبيين برهانه.
فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سحر]
(فإن قلت فقد) ويروى قد (جاءت الأخبار الصّحيحة) والآثار الصريحة (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم سحر) أي أثر عليه السحر (كما حدثنا الشّيخ أبو محمّد العتّابي) بفتح العين وتشديد المثناة فوق وبعد الألف موحدة فياء نسبة (بقراءتي عليه قال حدثنا حاتم بن محمد) وهو الطرابلسي (حدثنا أبو الحسن عليّ بن خلف) وهو الحافظ القابسي المعافري القروي (حدثنا محمّد بن أحمد) وهو أبو يزيد المروزي (حدثنا محمّد بن يوسف) وهو الفربري (حدثنا البخاريّ) وهو الإمام محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح (حدثنا عبيد بن إسماعيل) أي الهباري يروي عن ابن عيينة وطبقته (قال حدثنا أبو أسامة) هو الحافظ حماد الكوفي يروي عن الأعمش وغيره وعنه أحمد وإسحاق وابن معين وكان حجة عالما أخباريا عنده ستمائة حديث عن هشام بن عروة عاش ثمانين سنة وتوفي سنة إحدى ومائتين أخرج له الأئمة الستة (عن هشام بن عروة عن أبيه) سبق الكلام عليهما (عن عائشة رضي الله عنه قالت سحر رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فعل الشّيء) وفي رواية الفعل أي من الجماع وغيره (وما فعله) جملة حالية وهذا الحديث ساقه القاضي كما ترى من عند البخاري وقد أخرجه مسلم أيضا فهو حديث متفق عليه كما سيأتي قريبا في كلام المصنف (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنّه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ) أي يظن أنه واقعهن والحال أنه لم يجامعهن (الحديث) قال الحكيم الترمذي ولما سحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى عجز عن نسائه وأخذ بقلبه لبث في ذلك ستة أشهر فيما روي في الخبر ثم نزلت المعوذتان انتهى كذا في تفسير البغوي وسيأتي عن عائشة أنه لبث سنة قال عبد الرزاق حبس عنها خاصة حتى أنكر بصره قال ابن الملقن في شرح البخاري في تفسير قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ورواية ثلاثة أيام أو أربعة أيام هو أصوب وسنة بعيد أقول ولعله عليه الصلاة والسلام كان سحره شديدا عليه في تلك الأيام ثم خف عنه إلى نصف سنة ولم يتعارف منه إلا بعد كمال سنة (وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ عَلَى المسحور فكيف حال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك) الوقت المذكور (وكيف جاز عليه) أي السحر وأن يكون في مقام موهوم (وَهُوَ مَعْصُومٌ فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هذا الحديث) الذي أسندناه إلى عائشة (صحيح متّفق عليه) لا شبهة لديه (وقد طعنت فيه الملحدة) أي الطائفة الملاحدة الزائغة بالعقيدة الفاسدة (وتذرّعت) بذال معجمة من الذريعة توسلت (به) إلى التشكيكات الكاسدة وفي نسخة بدال مهملة أي تسلحت به لإظهار الحجج الداحضة الشاردة (لسخف عقولها) بضم السين
المهملة وسكون الخاء أي رقتها وضعفها (وتلبيسها) أي تخليطها (على أمثالها) أي اشباهها من ضعفاء اليقين في أمر الدين (إلى التّشكيك) أي إيقاع الشك ويروى التشكك أي قبول الشك (في الشّرع) أي في أمور الشرع المبين (وقد نزّه الله الشّرع) أي الشريف المكرم (والنبيّ) المعظم صلى الله تعالى عليه وسلم (عمّا يدخل) أي عن شيء يدخل (في أمره لبسا) بفتح أوله أي خلطا واشتباها (وَإِنَّمَا السِّحْرُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَعَارِضٌ مِنَ العلل) أي من جملة الأعراض (يجوز) وقوعه (عليه كأنواع الأمراض ممّا لا ينكر) بالإجماع (ولا يقدح في نبوّته) من غير النزاع. (وَأَمَّا مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي يقع في خيال باله (أنه فعل الشّيء) من أفعاله (ولا يفعله) في حاله ويروى وما فعله (فليس في هذا) التخيل (ما يدخل عليه داخلة) أي ريبة وتهمة (في شيء من تبليغه) أي لأمته (أو شريعته) أي بيان أحكام ملته (أو يقدح في صدقه) وفي نسخة في شيء من صدقه (لقيام الدّليل) من أنواع المعجزة (والإجماع) من علماء الأمة (على عصمته من هذا) أي من إدخال فساد في الحال (وإنّما هذا) ويروى وإنما هو أي التخيل (فيما يجوز طروّه عليه في) وفي نسخة من (أَمْرِ دُنْيَاهُ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِسَبَبِهَا وَلَا فضّل) على غيره (من أجلها) ما يشير إليه قوله أنتم اعلم بأمر دنياكم وإنما فضل بالوحي الإلهي وما يتعلق بالأمر الديني والأخروي كما يومي إليه قوله تَعَالَى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (وهو) صلى الله تعالى عليه وسلم (فيها) أي في أمور دنياه (عرضة للآفات) أي هدف للعاهات (كسائر البشر) في جميع الحالات وإذا كان الأمر كذلك (فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا ما لا حقيقة له) في صدورها (ثمّ ينجلي عنه) أي ينكشف الأمر (كما كان) على وجه ظهورها كسحابة عارضة مانعة عن شعاع الشمس ونورها (وأيضا فقد فسّر هذا الفصل) أي الكلام المجمل (الحديث الآخر) المفصل (مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أهله) من النساء (ولا يأتيهنّ) فإن اتيانهن من جملة أمور دنياه ولا ضرر من هذه الأحوال في دينه وأخراه (وقد قال سفيان) أي الثوري وقال الدلجي الظاهر أنه ابن عيينة إذ هو المراد بالإطلاق عند أئمة الحديث وجزم الحلبي وقال هو ابن عيينة لأنه المذكور في السند في الصحيح (وهذا) النوع (أشدّ ما يكون من السّحر) وإلا لم يعرض له هذا التخيل ويشير إلى كلامه قوله تعالى فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (ولم يأت في خبر منها) أي من أحاديث سحره عليه الصلاة والسلام أو من الأخبار الصحيحة (أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِخِلَافِ مَا كَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ) والمعنى أنه لم ينقل عنه أنه قال حال سحره فعلت كذا والحال أنه لم يفعله لعصمته من الخلف في الأخبار لأمته (وإنّما كانت) هذه السوانح واللوائح (خواطر) أي خطرات (وتخييلات) في صورة تسويلات ويروى بموحدة وتحتية. (وقد قيل إنّ المراد بالحديث) أي حديث حتى يخيل إليه (أنه كان يتخيّل الشّيء) ويروى يتخيل إليه الشَّيْءَ (أَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَا فَعَلَهُ لَكِنَّهُ تَخْيِيلٌ لا يعتقد) هو بنفسه (صحّته) وفي نسخة بصيغة المجهول أي كل أحد يدرك عدم حقيقته كما يستفاد من نفس التخيل
وصيغته واشتقاق بنيته (فتكون اعتقاداته كلّها) أي سواء تعلقت بأمور دنياه أو بأحوال أخراه (على السّداد) أي الصواب ومنهج الرشاد (وأقواله على الصّحّة) التي تصلح للاعتماد، (هذا ما وقفت عليه لأئمّتنا) أي الأشعرية أو المالكية أو أئمة أهل السنة والجماعة (من الأجوبة على) وفي نسخة عن (هذا الحديث) أي حديث سحره عليه الصلاة والسلام (مع ما أوضحنا من معنى كلامهم) وبيناه على مبنى مرامهم (وزدناه بيانا من تلويحاتهم) أي من إشاراتهم من غير تصريح عباراتهم (وكلّ وجه منها) أي من الوجوه المذكورة (مقنع) بضم الميم وكسر النون ويجوز فتحهما على أنه مصدر للمبالغة أو اسم مكان وهو من قنع بالكسر قناعة إذا رضي ويقال فلان مقنع في العلم وغيره على وزن جعفر أي مرضي فيه وليس المراد به أنه دليل اقناعي وإن كان يشير إليه قوله (لكنّه قد ظهر لي في الحديث) هذا (تأويل أجلى) بالجيم أي أظهر وأوضح من التأويلات السالفة (وأبعد من) وفي نسخة عن (مطاعن ذوي الأضاليل) جمع ضليل مبالغة في الضلال ومنه قول علي رضي الله تعالى عنه وقد سئل عن أشعر الشعراء فقال الملك الضليل يعني امرأ القيس وكان يلقب به وقيل هو جمع أضلولة وهو ما يضل من ركبه (يستفاد) أي ذلك التأويل الأجلى (من نفس الحديث) ويروى من تفسير الحديث (وهو أنّ عبد الرّزّاق) وهو الحافظ الصغاني (قد روى هذا الحديث) في مصنفه عن معمر عن الزهري (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وَقَالَ) أي عبد الرزاق (فيه) أي في حديثه (عنهما) أي ابن المسيب وعروة (سحر يهود بني زريق) بضم الزاء وفتح الراء (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجعلوه) أي ما سحروه به (في بئر) وهي بئر ذروان (حتّى كاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قارب (أن ينكر بصره) لضعف حدته أو لأمر تخيله (ثمّ دلّه الله على ما صنعوا) أي اليهود (فاستخرجه) بنفسه أو بمأموره (من البئر، وروي نحوه) بصيغة المجهول (عن الواقديّ) قاضي العراق وقد سبق ذكره (وعن عبد الرّحمن بن كعب) أي ابن مالك السلمي يروي عن أبيه وعائشة وعنه الزهري وهشام بن عروة ثقة مكثر أخرج له أصحاب الكتب الستة (وعمر بن الحكم) بفتحتين تابعي جليل (وذكر) بصيغة المجهول (عن عطاء الخراسانيّ) من أكابر التابعين روى عنه الأوزاعي ومالك وشعبة قال ابن جابر كنا نغزو معه وكان يحيي الليل صلاة إلى نومة السحر أخرج له الأئمة الستة (عن يحيى بن يعمر) بفتح الياء والميم وقد يضم وحكي عن البخاري وهو غير مصروف للعلمية ووزن الفعل قاضي مرو يروي عن عائشة وابن عباس مقرئ ثقة أخرج له الأئمة الستة قال هارون بن موسى أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر قال الذهبي يقال توفي سنة تسعين وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن عطاء (حبس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن عائشة) بصيغة المجهول أي منع من قربانها (سنة فبيننا هو نائم أتاه ملكان) وهما جبريل وميكائيل كما في سيرة الدمياطي (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ الحديث) أي فقال أحدهما ما له فقال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم في جف طلعة ذكر نخل في بئر ذروان وروى عن
ابن عباس وعائشة أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام فدنت إليه اليهود فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها فنزلت السورتان فيه وعن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طب أي سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئا وما صنعه وأنه دعا ربه ثم قال اشعرت أن الله قد افتاني فيما استفتيته فيه قالت عائشة وما أدراك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الاعصم قال فيماذا قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال وأين هو قال في ذروان وذروان بئر في بني زريق قالت عائشة فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قالت فقلت له هلا أخرجته قال أما أنا فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس من شرا وروي أنه كان تحت صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة وإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه وعن زيد بن أرقم قال سحر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل من اليهود قال فاشتكى لذلك أياما قال فأتاه جبريل عليه السلام فقال رجل من اليهود سحرك وعقد لك عقدا فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قط قال مقاتل والكلبي كان في وتر عقد إحدى عشرة عقدة وقيل وكانت مغروزة بالإبر فأنزل الله عز وجل هاتين السورتين وهي إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها فقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال قال البغوي وروي أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال فنزلت المعوذتان؛ (قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بعد أن سحر (عن عائشة خاصّة) دون غيرها من نسائه (سنة) وطالعت المدة (حتّى أنكر بصره) أي من ضعف بصره أو من تخيل بعض أمره؛ (وروى محمد بن سعد) بفتح وسكون وهو كاتب الواقدي وصاحب الطبقات وكذا رواه البيهقي بسند ضعيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فحبس عن النّساء) أي منع عنهن وحيل بينه وبينهن (والطّعام والشّراب) أي وعن تكثيره منهما كما هو عادته فيهما (فهبط) بفتح الموحدة أي نزل (عليه ملكان) أي بصورة رجلين فعقد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه (وذكر القصّة) أي إلى آخرها على ما قدمناه ويروي القضية؛ (فَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ مَضْمُونِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَجَوَارِحِهِ) أي من جهة منع جماعة ونقصان أكله وشربه (لا على قلبه واعتقاده وعقله) وكذا سلم منه آلة لسانه الذي هو عمدة بيانه وزبدة برهانه (وأنّه إنّما أثّر) أي السحر بعض اثره (في بصره) من ضعف نظره أو تخيل أثره (وحبسه) أي منعه (عن وطء نسائه وطعامه) أي