المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات] - شرح الشفا - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثّاني

- ‌[المقدمة]

- ‌(الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ مِنْ حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ [فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طاعته واتّباع سنّته]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وتصديقه فيما جاء به]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالُ سُنَّتِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ]

- ‌فصل [وأما وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ]

- ‌فصل [وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ مُتَوَعَّدٌ من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب]

- ‌الباب الثاني [في لزوم محبته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [في ثواب محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [فِيمَا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحقيقتها]

- ‌فصل [في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ [فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبره]

- ‌فصل [في عادة الصحابة في تعظيمه عليه الصلاة والسلام وتوقيره وإجلاله]

- ‌فصل [واعلم أن حرمة النبي بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم]

- ‌فصل [فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رسول الله وسنته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبره بر آله]

- ‌فصل [ومن توقيره وبره توقير أصحابه عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه]

- ‌الباب الرابع [في حكم الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم]

- ‌فصل [اعلم أن الصلاة على النبي فرض في الجملة]

- ‌فصل [في المواطن التي تستحب فيها الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويرغب فيها]

- ‌فصل [في كيفية الصلاة عليه والتسليم]

- ‌فصل (في فضيلة الصلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم عليه والدّعاء له)

- ‌فصل (فِي ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وإثمه)

- ‌فصل [في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بتبليغ صلاة من صلى عليه صلاة أو سلم من الأنام]

- ‌فصل (فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

- ‌فصل (فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ

- ‌فصل (فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من الأدب)

- ‌الْقِسْمُ الثَّالِثُ [فِيمَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وما يستحيل في حقه وما يمتنع]

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ نَبِيِّنَا عليه الصلاة والسلام وَسَائِرِ الأنبياء صلوات الله عليهم

- ‌فصل (فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (وأمّا عصمتهم من هذا الفنّ)

- ‌فصل [قال القاضي أبو الفضل قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان]

- ‌فصل [وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ من الشيطان إلى آخره]

- ‌فصل [وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت الدلائل إلى آخره]

- ‌فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات]

- ‌فصل [فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ]

- ‌فصل (فإن قلت فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث السّهو)

- ‌فصل (وأمّا ما يتعلّق بالجوارح)

- ‌فصل [وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النبوة]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً ويدخل تحت التكليف]

- ‌فصل (فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهَا السَّهْوُ

- ‌فصل (فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم الذّنوب)

- ‌فصل [قد استبان لك أيها الناظر بما قررناه ما هو الحق من عصمته عليه السلام]

- ‌فصل (في القول في عصمة الملائكة)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ]

- ‌فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سحر]

- ‌فصل [هذا حاله عليه الصلاة والسلام في جسمه]

- ‌فصل [وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره]

- ‌فصل [وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ]

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَقَرَّرَتْ عِصْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ)

- ‌فصل (فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ أَيْضًا الَّذِي حدّثناه الفقيه أبو محمد الخشنيّ)

- ‌فصل (وأمّا أفعاله عليه الصلاة والسلام الدّنيويّة)

- ‌فصل [فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ وشدتها عليه عليه الصلاة والسلام]

- ‌الْقِسْمُ الرَّابِعُ (فِي تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تنقّصه أو سبّه عليه الصلاة والسلام

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبٌّ أَوْ نَقْصٌ مِنْ تَعْرِيضٍ أو نصّ)

- ‌فصل (فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم اليهوديّ الّذي قال له)

- ‌فصل (قَالَ الْقَاضِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لسبّه)

- ‌فصل [أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله إلى آخره]

- ‌فصل (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ)

- ‌فصل [أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا ولا سبا لكنه ينزع إلى آخره]

- ‌فصل [أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ وآثرا عن سواه]

- ‌فصل [أن يذكر ما يجوز على النبي أو يختلف في جوازه عليه]

- ‌فصل (وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وما لا يجوز)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِي حُكْمِ سَابِّهِ وَشَانِئِهِ وَمُتَنَقِّصِهِ ومؤذيه]

- ‌فصل (إذا قلنا بالاستتابة حيث تصحّ)

- ‌فصل (هذا حكم من ثبت عليه ذلك)

- ‌فصل [هذا حكم المسلم]

- ‌فصل (فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وغسله والصلاة عليه)

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ (فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأزواجه وصحبه

- ‌فصل (وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ)

- ‌فصل [فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ قَدْ ذكرنا مذاهب السلف وإكفار أصحاب البدع والأهواء]

- ‌فصل (فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْمَقَالَاتِ كُفْرٌ وَمَا يُتَوَقَّفُ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بكفر)

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ السَّابِّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الذمي الخ]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ الخ]

- ‌فصل (وأمّا من تكلّم من سقط القول)

- ‌فصل (وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وملائكته)

- ‌فصل (واعلم أن من استخفّ بالقرآن)

- ‌فصل [من سب آل بيته وأزواجه وأصحابه عليه الصلاة والسلام وتنقصهم حرام ملعون فاعله]

- ‌ نظم

- ‌فهرس محتويات الجزء الثاني من شرح الشفا

الفصل: ‌فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات]

إني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليكم لأبلّغكم) بالتشديد والتخفيف أي لأخبركم (مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ أُبَيِّنُ لَكُمْ مَا نزّل عليكم) بالبناء للفاعل مخففا أو المفعول مثقلا لتفوزوا بكرم السيادة وعظم السعادة (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ) أي ما هو (إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فَاسْتَوى [النجم: 3- 4] قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) كما في آية أخرى، (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ونحو هذا من الآيات من الكتاب؛ (فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِي هَذَا الباب) أي في باب البلاغ عن ربه (خبر بخلاف مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة أي ما أخبر به (على أيّ وجه كان) من قصد أو غيره، (فلو جوّزنا عليه الغلط والسّهو) أي نسبتهما إليه (لما تميّز لنا) أي لما امتاز خبره (من غيره) أي من خبر غيره قال الحجازي سياق الكلام يدل على أن الضمير في ذلك عائد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وَلَا اخْتَلَطَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ؛ فَالْمُعْجِزَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تصديقه جملة واحدة من غير خصوص) بتقييد حاله (فتنزيه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما طريقه البلاغ (عن ذلك كلّه) أي عن الاخبار بشيء منه بخلاف ما هو به قصدا وسهوا وغلطا (واجب برهانا) أي دليلا عقليا (وإجماعا) أي اتفاقا نقليا (كما قاله أبو إسحاق) أي الإسفراييني على ما تقدم والله أعلم.

‌فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات]

(وقد توجّهت ههنا) أي في هذا المبحث (لبعض الطاعنين) أي في الدين (سؤالات) أي من الملحدين (منها ما روي) أي فيما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو حاتم بسند منقطع عن سعيد بن جبير (من أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا قرأ سورة والنّجم) أي سورته (وقال) أي وقرأ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ) صنم كان لثقيف بالطائف أو بنخلة من قريش وهي مؤنثة من لوى لأنهم كانوا يلوون على طاعتها ويعكفون على عبادتها أو يلتوون عليها أي يطوفون لديها وقيل مؤنث لفظه الجلالة (وَالْعُزَّى) تأنيث الأعز شجرة كانت لغطفان تعبدها بعث إليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها (وَمَناةَ) بالقصر ويمد صخرة كانت لهذيل وخزاعة تعبدها وتتقرب بها وتعتكف لديها (الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) صفتان للتأكيد (قال) أي جرى على لسانه أو حكى الشيطان بعد بيانه (تلك الغرانيق العلى) جمع غرنوق بضم المعجمة والنون وبكسرها وفتح النون ويقال غرنيق بضمها وفتح النون وسكون الراء والياء ويقال كقنديل وهي في الأصل الذكور من طير الماء طويل العنق قيل هو الكركي ويقال للشاب الممتلئ شبابا وحسنا وبياضا أريد بها ههنا الأصنام إذ كانوا يزعمون أنها تقربهم إلى الله تعالى وشفعاؤهم عند الله فشبهوها بالطير الذي يعلو في الهواء ويرتفع إلى السماء (وإن شفاعتها) ويروى وأن شفاعتهن (لترتجى) بصيغة المجهول أي تتوقع وتؤمل في التجاوز عن الذنب والزلل (ويروى ترتضى) أي بدل ترتجى أي تقبل، (وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ شَفَاعَتَهَا

ص: 225

لترتجى، وإنّها لمع الغرانيق العلى) بضم العين أي العالية (وفي أخرى والغرانقة العلى) والغرانقة أيضا جمع غرنيق (تلك الشّفاعة ترتجى، فلمّا ختم) أي النبي عليه الصلاة والسلام (السّورة) أي سورة النجم (سجد) أي لله امتثالا لأمر ربه (وسجد معه) أي جميع من كان حاضرا (المسلمون) أي الأبرار (والكفّار) أي الفجار (لمّا سمعوه) بفتح اللام وتشديد الميم أو بكسر اللام وتخفيف الميم (أثنى على آلهتهم) أي بقوله تلك الغرانيق إلى آخره (وما وقع) أي ومنها ما وَقَعَ (فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَاهَا) أي الكلمات السابقة في مدح الآلهة (على لسانه) أي وجرى على لسانه من غير شعور له على بيانه والأظهر أنه كان على حكاية لسانه ومنوال بيانه (وأنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتمنّى) أي فيما خطر بباله (أن لو نزل) ويروى أنزل (عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنْ لَا يَنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ينفّرهم عنه) بتشديد الفاء أي يبعدهم عن قربه حتى ينفعهم برسالة ربه (وذكر) أي صاحب تلك الرواية (هذه القصّة) ابتلاء للمحنة المشتملة على الغصة ويروى هذه السورة (وأنّ جبريل عليه السلام جاءه فعرض عليه السّورة) ويروى هذه السورة أي سورة النجم (فلمّا بلغ الكلمتين) أي وجرى ما سبق من إحدى الحالتين (قَالَ لَهُ مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ، فَحَزِنَ لِذَلِكَ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) خشية الفتنة في حق الأمة (فأنزل الله تعالى) أي عليه (تَسْلِيَةً لَهُ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج: 52] الآية) فقد روى ابن جرير وسعيد بن منصور عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في ناد لقريش كثير أهله فتمنى أن لا يأتيه من الله تعالى ما يفرقهم عنه فأنزل الله تعالى وَالنَّجْمِ فقرأها فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى القى الشيطان عليه عليه الصلاة والسلام تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فتكلم بها ثم مضى يقرأ حتى ختمها فسجد وسجدوا معه جميعا ورضوا بما تكلم به فلما أمسى أتاه جبريل فعرضها عليه فلما بلغ تلك الغرانيق العلى قال ما جئتك به قال افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ فما زال مغموما حتى نزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ فطابت نفسه وفي هذه الرواية ألفاظ ما تصح بحسب الدراية (وقوله) أي ومنها قوله أو أنزل عليه أيضا قوله (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء: 73] ) أي أن الشأن قاربوا أي ليضلونك (الآية) أي عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لا تخذوك خليلا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً وردت فيما أرادته قريش منه عليه الصلاة والسلام أن يبدل الوعد وعيدا أو الوعيد وعدا بقولهم لهم اجعل لنا آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك وكذا ما اقترحه ثقيف عليه من أن يضيف إلى الله تعالى ما لم ينزل عليه بقولهم له لا ندخل في أمرك حتى تعطينا ما نفتخر به على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نتحنى في صلاتنا وكل ربا لنا فهو لنا وكل ربا لغيرنا فهو موضوع عنا وإن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها

ص: 226

بأيدينا عند رأس الحول بل ترسل أنت إليها من يكسرها وأنت تمنع من قصد وادي وج يعضد شجرة فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك فقل أمرني الله تعالى به ثم جاؤوا بكاتب فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تعشرون ولا تحشرون فقالوا ولا تنحنون وهو ينظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقام عمر فسل سيفه وقال أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله تعالى قلوبكم نارا فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمدا فنزلت (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ لَنَا فِي الْكَلَامِ على مشكل هذا الحديث) أي الوارد في قصة سورة النجم (مأخذين) أي طريقين نمنع بهما من يتشبث بهذه الروايات أو يثق بها من الحكايات (أحدهما في توهين أصله) أي تضعيف نقله (والثّاني على تسليمه) أي على تقدير وقوعه، (أمّا المأخذ الأوّل) والمخلص المعول (فيكفيك) في توهينه ورد تبيينه (أنّ هذا حديث) أي منكر من جهة الرواية والدراية حيث (لم يخرّجه أحد من أهل الصّحّة) كأصحاب الكتب الستة (ولا رواه ثقة) أي عن ثقة (بسند سليم) أي سالم من الاضطراب والعلة بل ولا رواه ثقة بسند (متّصل) أي مرفوعا أو موقوفا بل رواه جماعة بأسانيد ضعيفة واهية مقطوعة أو موضوعة أو مرفوعة (وإنّما أولع) بصيغة المجهول أي تولع (به و) تعلق (بمثله المفسّرون) أي المعتمدون على أقاويل ضعيفة (والمؤرّخون) بتشديد الراء المكسورة بعد همزة وتبدل واوا أي أرباب التواريخ (المولعون) بضم الميم وفتح اللام أي الحريصون (بكلّ غريب) أي بنقل كل مروي فيه غرابة (المتلقّفون) أي المبتلعون وفي نسخة الملفقون بتشديد الفاء المكسورة بعدها قاف أي المرقعون الملقطون (من الصّحف) من دون سماع رواية وتصحيح دراية (كلّ صحيح وسقيم) أي ثابت وضعيف ثم اعلم أن أبا الفتح اليعمري قال في سيرته الكبرى ما لفظه بلغني عن الحافظ عبد العظيم المنذري أنه كان يرد هذا الحديث من جهة الرواة بالكلية وكان شيخنا الحافظ عبد المؤمن بن خلف يخالفه في ذلك انتهى وذكر الحلبي أنه قال بعض شيوخي فيما قرأته عليه حين ذكر هذا الكلام أنه باطل لا يصح منه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل (وَصَدَقَ الْقَاضِي بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ الْمَالِكِيُّ حَيْثُ قال لقد بلي) بضم الموحدة وكسر اللام أي ابتلي (النّاس) وامتحنوا (ببعض أهل الأهواء) أي المبتدعة وفي نسخة بتقصي أهل الأهواء أي بتقصصهم على ما ذكره الأنطاكي (والتّفسير) أي أهل التفسير بالآراء المخترعة (وتعلّق بذلك) أي بحديث سورة النجم (الملحدون) أي المائلون عن الحق (مع ضعف نقلته) أي رواته (واضطراب رواياته) أي من جهة اختلاف عباراته وفي نسخة روايته (وانقطاع إسناده) الموجب لعدم اعتماده وفي نسخة أسانيده (واختلاف كلماته) المقتضية لتفاوت دلالاته ويروى كلمته (فقائل) أي منهم (يقول إنّه) أي النبي عليه الصلاة والسلام قرأها (في الصّلاة، وآخر يقول قالها) أي المقالة حين قرأها (في نادي قومه) أي مجلسهم ومتحدثهم (حين أنزلت عليه السّورة) أي سورة النجم؛ (وآخر يقول قالها وقد

ص: 227

أصابته سنة) بكسر سين وتخفيف نون أي نعاس، (وآخر يقول بل حدّث نفسه) أي خطر في باله تلك المقالة (فسها) أي فجرى على لسانه ما حصل له به الملالة، (وآخر يقول من الشّيطان قالها على لسانه) أي حاكيا صوته في تقرير بيانه وهذا أقرب الأقوال بالنسبة إلى نزاهة شأنه لكن يشكل قوله (وأنّ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيلَ قَالَ مَا هَكَذَا أَقْرَأْتُكَ؛ وَآخَرُ يَقُولُ بَلْ أَعْلَمَهُمُ الشّيطان) أي وسوس لهم (أنّ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهَا؛ فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ذلك) أي اعلام الشيطان وإغواءه (قال والله ما هكذا نزلت) بصيغة المجهول مشددا أو المعلوم مخففا؛ (إلى غير ذلك) أي مع غير ما ذكر من الحكايات الناشئة عن اضطراب الروايات (من اختلاف الرّواة) أي الذين يقال في حقهم إنهم غير الثقات والحاصل أن الاضطراب وقع من جميع الجهات؛ (وَمَنْ حُكِيَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ) أي المعتبرين كابن جرير وأبي حاتم وابن المنذر (والتّابعين) أي المعتمدين كالزهري وقتادة وأمثالهما (لم يسندها أحد منهم) أي إسناده متصلا يصلح اعتمادا (ولا رفعها إلى صاحب) أي للرواية (وأكثر الطّرق) أي الأسانيد (عنهم فيها ضعيفة واهية) أي منكرة جدا ولو كانت متصلة (والمرفوع فيه) أي قليل ويروى فيها وفي رواية منه (حديث شعبة) وهو إمام جليل (عن أبي بشر) بكسر موحدة وسكون شين معجمة تابعي صدوق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة (عن سعيد بن جبير) من اجلاء التابعين (عن ابن عباس قال) كذا في نسخة (فيما أحسب) أي أظن (الشّكّ في الحديث) جملة معترضة من كلام المصنف يعني شك الراوي بقوله فيما أحسب في نفسه الحديث لا في كونه مرويا عن ابن عباس والحاصل أن سعيد بن جبير وإن كان معتمدا لكن تردد (أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بمكّة) في هذه القضية أو بغيرها والسورة مكية بلا خلاف فيها (وذكر القصّة) وكان حق المصنف أن يذكر القصة كما ثبت في الرواية وقد بينها الدلجي بقوله أي قصة نزول سورة النجم وهو في نادي قومه بعد تمنيه أن لا ينزل عليه ما يفرق قومه عنه أو ينزل عليه ما يطيب نفوسهم به عسى أن يؤمنوا فنزلت عليه سورة النجم فقرأها فلما بالغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال تلك الغرانيق العلى ففرح المشركون ثم ختمها وسجد وسجد من حضر المسلمون والكفار (قال أبو بكر البزّار) بتشديد الزاء وراء في آخره حافظ مشهور (هذا الحديث لا نعلمه روي) أي لا نعرف أنه روي (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بإسناد متّصل يجوز ذكره) أي ويعتمد عليه في الجملة (إلّا هذا) أي الإسناد إلى ابن عباس (ولم يسنده) أي الحديث (عن شعبة إلّا أميّة بن خالد) ثقة توفي سنة إحدى ومائتين أخرج له مسلم (وغيره) أي غير أمية ممن رواه (يرسله عن سعيد بن جبير) أي بحذف رجاله من أصحابه كابن عباس (وإنمّا يعرف) أي اتصال سنده (عن الكلبيّ) وهو محمد بن السائب المفسر الأخباري النسابة والأكثرون على أنه غير ثقة خصوصا إذا روى (عن أبي صالح عن ابن عبّاس) أي موقوفا عليه وأبو صالح

ص: 228

هذا يروي عن مولاته أم هانئ وعن علي وعنه السدي والثوري وعدة وأخرج له أصحاب السنن الأربعة قال أبو حاتم وغيره لا يحتج به وقد تقدم أنه لم يسمع من ابْنِ عَبَّاسٍ (فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ أَبُو بَكْرٍ) أي البزار (رحمه الله تعالى) جملة دعائية (أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ سوى هذا) أي سوى طريق شعبة لقوة إسناده إذ كل رجاله ثقات (وفيه) أي في حديث شعبة (من الضّعف ما نبّه عليه) أي البزار وغيره من اختلاف عباراته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده وإرساله واختلاف مواطن حالاته (مع وقوع الشّكّ فيه) أي مع ما وقع له فيه من الشك (كما ذكرناه) من أنه (الذي لا يوثق به) الذي صفة للشك والضمير في به يعود إليه أي مع وقوع الشك الذي لا يوثق به (ولا حقيقة) لصحة الحديث (مَعَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْكَلْبِيِّ فَمِمَّا لَا تَجُوزُ الرّواية عنه) أي عن الكلبي مطلقا (ولا ذكره) أي لهذا الحديث أصلا (لقوّة ضعفه وكذبه) أي وكثرة كذبه ولذا ضعفه الجمهور (كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَزَّارُ رحمه الله وَالَّذِي منه) أي من حديث سورة النجم (في الصّحيح) من رواية الشيخين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ والنّجم) أي من غير زيادة (وهو بمكّة) أي قبل الهجرة (فسجد معه المسلمون والمشركون) ولم يبين ما سبب سجدة المشركين (والجنّ والإنس) أي الحاضرون، (هذا) أي الذي ذكرناه (توهينه) أي تضعيفه (مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى) أي الذي يدركه العقل (فقد قامت الحجّة) أي القاطعة (وأجمعت الأمّة على عصمته صلى الله تعالى عليه وسلم ونزاهته) أي براءة ساحته (عن مثل هذه الرّذيلة) أي الخصلة الدنية ويروى النقيصة أي المنقصة (قبل النبوة) ولو قبل البلوغ فكيف يتصور وقوعها بعد تمام النبوة ونظام الرسالة لا سيما وقت التلاوة ودرجها في القراءة والحاصل أن له عليه الصلاة والسلام عصمة ثانية (إِمَّا مِنْ تَمَنِّيهِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِثْلُ هذا من مدح آلهة غير الله تعالى وهو) أي مثل هذا التمني (كفر) فلا يصح نسبته إليه صلى الله تعالى عليه وسلم إلا أن يكون وقعت خطرة لديه (أو أن يتسوّر) أي أو من أن يتسلط (عليه الشّيطان) من تسور تصعد السور وهو الحائط المرتفع ومعناه هنا التسلط مجازا (ويشبّه) بتشديد الموحدة أي يلبس (عليه القرآن) ويخلط عليه الفرقان (حتّى يجعل فيه ما ليس منه) أي ولا يصح أن يكون منه (ويعتقد النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ منه) أي حقيقة (حتّى ينبّهه جبريل عليهما السلام مع أن ذلك من الواضحات عند كل مؤمن موحد أنه ليس من الآيات البينات (وذلك) أي ما ذكر من التمني والتسور والاعتقاد (كلّه ممتنع في حقّه عليه الصلاة والسلام أو يقول) أي أو من أن يتفوه (ذلك النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل نفسه عمدا) أي حال كونه ذا عمد (وذلك) أي تعمده (كفر أو سهوا) أي حال كونه ساهيا (وهو معصوم من هذا كلّه) أي مما يكون كفرا سواء حال عمده أو سهوه بخلاف سهوه في غير الكفر أو المعصية فإنه يجوز جريانه عليه (وقد قرّرنا) أي مرارا (بالبراهين) أي الأدلة الواضحة (والإجماع) أي اتفاق جميع الأمة (عصمته عليه الصلاة

ص: 229

والسلام من جريان الكفر على قلبه) أي باعتقاد جنانه (أو لسانه) أي جريانه بموجب عصيانه (لا عمدا ولا سهوا) تأكيدا لما أفاده ما قبله من نفي جريان الكفر عليه مطلقا (أو أن يتشبّه) أي أو من أن يتلبس (عليه ما يلقيه الملك) أي يوحيه إليه من ربه (ممّا يلقي الشّيطان) ويوسوس إليه من نكره ويروى مما يلقيه الشيطان (أو يكون) أي أو من أن يكون (للشّيطان عليه سبيل) أي بالتسلط وقد قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (أو أن يتقوّل) أي أو من أن يفتري (على الله تعالى) وهو لا يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ (لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا ما لم ينزل عليه) بصيغة المجهول أو المعروف (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الحاقة: 44] ) أي افترى علينا مما لم يوح إليه بالفرض والتقدير (الآية) أي لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين وقد سبق ما يتعلق بمعناه وقيل في تحقيق مبناه إن من صلة أي لأخذناه والأولى أن يقال فيه تضمين والتقدير لانتقمنا منه باليمين أي بالقوة القاهرة والقدرة الباهرة؛ (وقال) أي الله سبحانه وتعالى (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) أي قاربت تميل أدنى ميل (إِذاً) أي حينئذ (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ [الإسراء: 75] ) أي عذابا مضاعفا في الدنيا وبعد الوفاة (الآية) أي ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً أي معينا يكون دافعا عنا العقوبة؛ (ووجه ثان) لتوهين هذه القضية (وهو استحالة هذه القصّة نظرا) أي من جهة دلالة العقل لعصمته من مدح الآلهة وإثبات شفاعتها (وعرفا) أي من جهة استبعاد العادة أن يصدر عن الأنبياء مدح الشرك مع ذمهم له وحثهم على التوحيد على وجه التأكيد (وذلك) أي بيانه (أنّ هذا الكلام) أي المنقول في هذا المقام (لو كان) أي بالفرض والتقدير (صحيحا كما روي) أي كما نقلوه صريحا (لكان بعيد الالتئام) بل عديم النظام (لكونه متناقض الأقسام) أي متباين المرام (ممتزج المدح بالذّمّ) في الشرك بأن ذم الكفر في آيات بينات ومدح في هذه الآيات المخترعات مع أنه خلاف إجماع الأنبياء والمرسلين في جميع الحالات (متخاذل التّأليف) بالخاء والذال المعجمتين متفاعل من الخذلان وهو ترك النصرة أي متخالفة في ارتباط المرام (والنّظم) أي ونظم الكلام وقد قال تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فمعناه أنه من عند الله ولم يجدوا فيه اختلاف كثيرا ولا يسيرا (ولمّا) بفتح لام وتخفيف ميم (كان النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي من أكابر الصحابة (وصناديد المشركين) أي رؤسائهم في مكة من قريش وغيرهم (ممّن يخفى عليه ذلك وهذا) أي ومثله (لا يخفى على أدنى متأمّل) أي من أفراد الموحدين (فكيف ممن) وفي نسخة بمن (رجح) بفتح الجيم المخففة أي غلب (حمله) أي تأنيه وتثبته في أمر الدين أو عقله (واتّسع في باب البيان) أي بيان المرام (ومعرفة فصيح الكلام علمه) بقوة فطرة وقدرة فطنة، (ووجه ثالث) في توهين هذه القصة (أنّه) أي الشأن (قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْمُنَافِقِينَ وَمُعَانِدِي الْمُشْرِكِينَ) وفي نسخة ومعاندة وفي أخرى ومعاداة الْمُشْرِكِينَ (وَضَعَفَةِ الْقُلُوبِ وَالْجَهَلَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

ص: 230

نفورهم) بالرفع نائب فاعل علم أي تنفر المذكورين (لأوّل وهلة) أي في أول ساعة في دعوى النبوة (وتخليط العدوّ) أي وعلم انقلابهم (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لأقلّ فتنة) أي لأدنى ما يؤدي إلى فساد ومحنة (وتعييرهم) أي وعلم تعييبهم (المسلمين) بمتاركة المشركين (والشّماتة بهم) أي وعلم شماتة الكافرين بالمؤمنين (الفينة بعد الفينة) بالفاء والنون المفتوحتين بينهما تحتية ساكنة أي الحين بعد الحين والساعة بعد الساعة ويقال بال وبدونها وضبط الحلبي الشمات بضم الشين المعجمة وتشديد الميم وهو جمع شامت جمع تكسير وأما الشمات بكسر الشين وتخفيف الميم الخائنون بلا واحد قال في القاموس وهو من الشماتة التي هي الفرح ببلية العدو وفي نسخة الشمات بفتح الشين وتخفيف الميم وهو جنس الشماتة (وارتداد من في قلبه مرض) أي وعرف هذا أيضا (ممّن أظهر الإسلام لأدنى شبهة) علة للردة (ولم يحك أحد في هذه القصّة سببا) أي للطعن والمذمة مع العلل المتقدمة (سوى هذه الرّواية الضّعيفة الأصل) المخالفة للنقل والعقل (ولو كان ذلك) أي صحيحا فيما ذكر هنالك (لوجدت قريش) أي كفارهم (بها) أي بهذه القصة (على المسلمين الصّولة) أي الاستطالة والغلبة (ولأقامت بها اليهود عليهم الحجّة) أي في أن هذه غير الطريقة المحجة كيف وقال تعالى ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (كما فعلوا) أي أنكروا كفار قريش (مكابرة) أي معاندة (فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ حَتَّى كَانَتْ فِي ذَلِكَ) أي في إظهار ما ذكر فيها (لبعض الضّعفاء ردة) أي سبب ارتداد وفتنة مع أنه لم يكن فيه ما يوجب كفرا وإنما كان يتوهم منه أن يكون كذبا لوقوعه عجبا وهو مقتضى خوارق العادات مطلقا (وكذلك ما روي) يروى ما ورد (في قصّة القضيّة) أي في أمر قضية الحديبية وذلك أنه عليه الصلاة والسلام رأى رؤيا عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فصده المشركون فرجع إلى المدينة فكان رجوعه بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم قال تَعَالَى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أي امتحانا لشأنهم واختبارا في ضعف إيمانهم حيث قال بعض المنافقين والله ما رأينا المسجد الحرام وقوة إيمان الصحابة برهانهم حيث قال الصديق ما أخبرنا أنا ندخلها هذه السنة وأنا سندخلها إن شاء الله من غير شك وشبهة (وَلَا فِتْنَةَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ لَوْ وجدت) أي لو صحت هذه القضية (ولا تشغيب) بالشين والغين المعجمتين أي لا تهييج للشر والفتنة والفساد (للمعادي) أي للعدو من أهل العناد (حِينَئِذٍ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَوْ أَمْكَنَتْ) أي وقوعها في الجملة (فَمَا رُوِيَ عَنْ مُعَانِدٍ فِيهَا كَلِمَةٌ وَلَا عن مسلم) وروي عن متكلم وهو أولى (بسببها بنت شفة) أي لفظة تخرج من الشفة (فدلّ على بطلها) بضم أوله مصدر أي على بطلان هذه الرواية (واجتثاث أصلها) أي استئصال نقلها لمخالفة الدراية (وَلَا شَكَّ فِي إِدْخَالِ بَعْضِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى بَعْضِ مُغَفَّلِي المحدّثين) بفتح الفاء المشددة أي الغافلين عن الدراية في الرواية (ليلبّسن به

ص: 231

على ضعفاء المسلمين) أي ما يوجب الفتنة وقد قال تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم أنه قال سيكون في آخر الزمان ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم وعنه عليه الصلاة والسلام يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم. (ووجه رابع) أي في توهين هذه القصة (ذكر الرّواة لهذه القصة) وفي نسخة لهذه القضية أي الواقعة في سورة النجم (أَنَّ فِيهَا نَزَلَتْ وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الْإِسْرَاءِ: 73] ) أي ليضونك (الآيتين) أي عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ الْآيَتَيْنِ، (وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَرُدَّانِ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَوْهُ) أي تنافيانه وتعارضانه (لأنّ الله تعالى ذكر أنّهم كادوا ليفتنونه) أي قاربوا (حتّى يفتري) أي فلم يقع شيء (وأنّه) أي الله سبحانه وتعالى (لولا أن ثبّته لكاد) ويروى لقد كان أن (يركن إليهم) أي وقد ثبته فلم يقرب أن يميل إليهم أدنى ميل فلم يتحقق شيء (فمضمون هذا) أي ما ذكر من الآيتين (وَمَفْهُومُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْ أَنْ يفتري وثبّته حتّى لم يركن) يروى حتى لم يكن يَرْكَنْ (إِلَيْهِمْ قَلِيلًا فَكَيْفَ كَثِيرًا وَهُمْ يَرْوُونَ) الواو للحال أي وهم راوون (في أخبارهم الواهية) أي الضعيفة المنكرة (أنّه زاد على الرّكون) أي الميل إليهم (والافتراء) أي على الله تعالى بتبديل الوعد والوعيد عليهم (بمدح آلهتهم وأنه) أي ويروون أنه (قال عليه الصلاة والسلام حين قال له جبريل ما جئتك بهذا (افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ) أي اعترافا بذنبه وتصديقا لكلام ربه (وهذا) الذي ذكروه من الرواية (ضدّ مفهوم الآية) أي من عدم ركونه إليهم بحسب الدراية (وهي) أي الآية بصريح مفهومها (تضعّف الحديث) وتدفعه (لو صحّ) لأن دلالة القرآن قطيعة ورواية الحديث ظنية (فكيف ولا صحة له) أي لأصل هذه القضية (وهذا) أي مفهوم هذه الآية (مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ

) أي بالنبوة والعصمة (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ

) أي من المنافقين (أَنْ

) عن القضاء بالحق بين الخلق (يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ

[النساء: 113] ) ولأن وبال ضلالهم راجع إليهم وضرر شرهم عائد عليهم (وقد روي عن ابن عبّاس) كما رواه ابن أبي حاتم وغيرهم (كلّ ما في القرآن كاد) أي بمعنى قارب (فهو ما لا يكون) يروى ما لم يكن أي إذا كان الكلام موجبا لأن نفس المقاربة تدل على عدم المواقعة ففي القاموس كاد يفعله قارب ولم يفعل مجردة تنبئ عن نفي الفعل ومقرونة بالجحد تنبئ عن وقوعه (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [النور: 43] ولم يذهب) أي بها ويروى لم يذهبها وكذا قوله تعالى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ولم يخطفها (وقال) أي الله سبحانه (أكاد أخفيها ولم يفعل) وفيه بحث إذ ما أظهرها الله لأحد كما يدل عليه سائر الآيات نحو إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ

ص: 232

عِلْمُ السَّاعَةِ وقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها وقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ نعم قيل في الآية أَكادُ أُخْفِيها عن نفسي فيصح قوله ولم يفعل لأنه لم يتصور وإنما ذكره للمبالغة فتدبر أو يقال أكاد أخفي مجيئها فلا أقول هي آتية للمبالغة في إرادة إخفائها فيصح قوله ولم يفعل حينئذ أيضا وقد يقال أخفيها بمعنى أظهرها لأنه من الأضداد والله سبحانه وتعالى أعلم بما اراد هذا وقال في القاموس وقد يكون كاد بمعنى أراد ومنه قوله أَكادُ أُخْفِيها أي أريد اخفاءها عن غيري، (وقال القشيريّ القاضي) مر ذكره (ولقد طالبته) يروى ولقد طالبه (قريش) أي كفارهم (وثقيف) أي قبيلتهم من أهل الطائف (إذ مرّ بآلهتهم) أي معرضا عنها غير مقبل عليها (أن يقبل بوجهه إليها) ويلتفت ببصره إليها (ووعدوه الإيمان به) أي والحال أنهم وعدوه الإيمان به بسبب إقباله (إن فعل فما فعل) أي الإقبال الصوري في الحال الضروري (وما كان) وفي نسخة ولا كان أي ما صح منه (ليفعل) أي الإقبال المذكور أو ما كان الله بحسب تقديره أن يفعل بنبيه الرفيع هذا الفعل الشنيع نقلا وعقلا في تصويره فكيف يتصور مدحها في صلاة أو غيرها وإدراجها في سورة وآيها، (قال ابن الأنباريّ) وهو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي كان من أعلم الناس بالأدب والنحو ولد سنة إحدى وسبعين ومائتين روى عنه الدارقطني وابن حيوة والبزار وغيرهم كان صدوقا دينا من أهل السنة صنف التصانيف الكثيرة وصنف في القرآن والغريب والمشكل والوقف والابتداء روي عنه أنه قال احفظ ثلاثة عشر صندوقا وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها وقيل إنه يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن وقد أملى كتاب غريب الحديث قيل إنه خمس وأربعون ألف ورقة وكتاب شرح الكافي وهو نحو ألف ورقة وكتاب الأضداد وهو كبير جدا وكتاب الجاهليات في سبعمائه ورقة وكان رأسا في نحو الكوفيين توفي ليلة عيد النحر ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (ما قارب الرّسول) أي الركون إلى الكفرة (ولا ركن) أي ولا مال إليهم فيما قصدوه لثبوت تثبيت الله تعالى إياه المفهوم من لولا الامتناعية في الآية (وقد ذكرت) بصيغة المجهول (في معنى هذه الآية) أي آية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ (تفاسير أخر) أي ضعيفة سخيفة (مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ اللَّهِ عَلَى عِصْمَةِ رسوله تردّ سفسافها) أي رديئها وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل والتراب إذا أثير (فلم يبق في الآية) أي في معناها (إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى رَسُولِهِ بعصمته وتثبيته مما) وفي نسخة بما (كاده به الكفّار) أي مكروا (وراموا من فتنته) أي وقصدوا بعض محنته وبليته ليفتري على ربه ما يخالف مقتضى نبوته ورسالته (ومرادنا من ذلك) أي ما ذكرناه كله (تنزيهه) أي براءة ساحته (وعصمته) أي حمايته بما يجب من الرعاية (وهو مفهوم الآية) عند أرباب العناية وأصحاب الهداية؛ (وأمّا المأخذ الثّاني) أي في الكلام على مشكل هذا الحديث (فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ) أي إسناده (وقد أعاذنا الله تعالى) أي

ص: 233

أجارنا (من صحّته) أي تصحيحه (ولكن على كلّ حال) وفي نسخة ولكن على ذلك من حال (فقد أجاب عن ذلك) أي عما نسب إليه من مدح الآلهة ويروى عَلَى ذَلِكَ (أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا الْغَثُّ) بفتح معجمة وتشديد مثلثة أي الضعيف مما لا يجدي نفعا (والسّمين) أي القول الذي يدفع الشبهة دفعا (فمنها) أي من الأجوبة (ما روى قتادة ومقاتل) قال الحلبي مقاتل اثنان مفسران لكل منها تفسير وينقل عنهما فأما الأول فهو مقاتل بن حيان البلخي الخراساني الخراز أحد الأعلام روى عن الضحاك ومجاهد وعكرمة والشعبي وخلق وعنه ابن المبارك وآخرون عابد كبير القدر صاحب سنة وصدوق وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما وقال النسائي ليس به بأس وروى أبو الفتح اليعمري عن وكيع أنه قال ينسب إلى الكذب قال الذهبي وأحسبه التبس عليه مقاتل بن حيان بمقاتل بن سليمان فإن ابن حيان صدوق قوي الحديث والذي كذبه وكيع فابن سليمان مات قبل الخمسين ومائة أخرج له مسلم والأربعة وأما ابن سليمان فروى عن مجاهد والضحاك قال ابن المبارك ما أحسن تفسيره ولو كان ثقة وقال ابن حبان كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان يسبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث توفي مقاتل بن سليمان سنة خمسين ومائة انتهى ولا يدري من أراد القاضي منهما والحاصل أن قتادة ومقاتل رويا (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أصابته سنة) بكسرة ففتحة أي نوم وغفلة (عند قراءته هذه السّورة) أي النجم (فجرى هذا الكلام) أي مدح الآلهة (على لسانه بحكم النّوم) أي غلبته عليه (وهذا لا يصحّ) أي أصلا لا في النوم ولا في اليقظة (إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مثله) أي مثل ما نسب إليه (في حالة من أحواله) إذ ثبت أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وأيضا فإن كل إناء يترشح بما فيه فمثل هذا لا يتصور من النبي النبيه (ولا يخلقه الله على لسانه) ما لا يناسب عظمة شأنه (ولا يستولي الشّيطان عليه في نوم) ولذا لم يكن يحتلم (ولا يقظة) بالأولى (لعصمته في هذا الباب) أي باب الكفر والمعصية ولو صورة وقال الأنطاكي يريد فيما كان طريقه البلاغ عن الله تعالى (من جميع العمد والسّهو) إجماعا (وفي قول الكلبيّ) وهو محمد بن السائب مات سنة ست وأربعين ومائة وسبق ذكره قريبا (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حدّث نفسه) أي خطر في خاطره (فقال ذلك الشّيطان) أي الملقى في نفسه (على لسانه) أي سهوا قال الدلجي وهو باطل إذ لم يجعل الله للشيطان عليه كغيره من الأنبياء سبيلا وأقول لا يبعد أن يكون مراد الكلبي أن الشيطان قال ذلك على لسانه وفق صوته وحكاية بيانه، (وفي رواية ابن شهاب) أي الإمام الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرّحمن) أي ابن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي أحد الفقهاء السبعة على قول يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعائشة ولد زمن عمر وكف بصره بآخره ويسمى الراهب أخرج له الأئمة الستة توفي سنة أربع وتسعين (قال وسها) أي النبي عليه الصلاة والسلام فيما جرى على لسانه أو سها عن بيان حاله وألقاه الشيطان في

ص: 234

مقاله ويؤيده ظاهر قوله (فَلَمَّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الشّيطان) أي من القائه وكان المصنف ذهب إلى أن المعنى من وسوسته ولذا قال (وكلّ هذا) أي جميع ما ذكرناه أي بحسب ظاهره (لا يصحّ أن يقوله عليه الصلاة والسلام لَا سَهْوًا وَلَا قَصْدًا وَلَا يَتَقَوَّلَهُ الشَّيْطَانُ على لسانه) أي حقيقة (وقيل لعلّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله أثناء تلاوته على تقدير التّقرير) أي التسليم في صحته أو على تقدير استفهام الإنكار المقصود منه حمل المخاطب على الإقرار بأن الذي يضر وينفع إنما هو الإله الواحد القهار (والتّوبيخ للكفّار كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام هذا رَبِّي [الأنعام: 76] ) أي هذا الحقير أو المخلوق مثل ربي (على أحد التّأويلات) في تلك الحالات (وكقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] ) أي على وجه التورية التي هي من معاريض الكلام ففيها غنية عن الكذب في المرام (بعد السّكت) وهو وقفة لطيفة على فعله كما اختاره بعض أرباب الوقوف (وبيان الفصل بين الكلامين) أي السابق واللاحق وفي رواية بين الكلمتين إشارة إلى أن التقدير بل فعله فاعله مطلقا أو فاعله الذي تعرفونه ثم قال مبتدأ كبيرهم هذا وجعل الدلجي هذا من المتن وقال ما عزى لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعد السكت أي بينه وبين ما تلاه قبله وبيان الفصل بين الكلامين أي كلام الله تعالى وما عزى إليه ويؤيده قوله (ثمّ رجع إلى تلاوته) أي بقية السورة (وهذا) التأويل (ممكن مع بيان الفصل) بين الكلامين (وقرينة) أي ومع قرينة (تدلّ على المراد) أي من أنه إنما قاله توبيخا وتقبيحا لقولهم وتقريعا وتسفيها لعقولهم (وأنّه ليس من المتلو) أي من القرآن (وهذا) أي التأويل وفي نسخة صحيحة وَهُوَ (أَحَدُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) أي الباقلاني أو ابن العربي المالكيان (وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كان في الصلاة) أي والكلام مبطل فيها (فقد كان الكلام قبل) أي قبل النهي عنه (فيها غير ممنوع) منه كما قرر في حديث ذي اليدين حتى نزل قوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أي ساكتين (والّذي يظهر ويترجّح في تأويله) أي في تأويل ما عزى إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (عنده) أي عند القاضي أبي بكر (وعند غيره من المحقّقين) أي من سائر العلماء المجتهدين المدققين (على تسليمه) أي فرض وقوعه (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان كما أمره ربّه) أي بقوله وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (يرتّل القرآن ترتيلا) أي يقرأه مترسلا (ويفصّل الآي تفصيلا) أي ويبينها تبيينا مبينا (في قراءته) أي من كمال تؤدته (كما رواه الثّقات عنه) يروى كما قال الثقات فعن عائشة وقد سئلت عن قراءته لو أراد سامعها أن يعد حروفها لعدها (فيمكن ترصّد الشّيطان لتلك السّكتات) أي خلال تلاوة الآيات (ودسه) أي إدخاله على وجه الخفاء (فيها) أي في السكتات أو في اثناء القراآت (مَا اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا نَغْمَةَ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي صوته ولهجته (بحيث يسمعه) من السماع أو الاسماع (من دنا إليه) أي قرب (من الكفّار) أي دون الأبرار (فظنّوها من قول النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأشاعوها) أي أفشوها بينهم (ولم يقدح ذلك عند

ص: 235

المسلمين لحفظ السّورة) باللام والباء أي بسبب حفظهم سورة النجم (قبل ذلك) أي قبل دس الشيطان ما هنالك (عَلَى مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَتَحَقُّقِهِمْ مِنْ حَالِ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذمّ الأوثان وعيبها) أي وعيبه إياها (على ما عرف منه) ولا يخفى أن ما بين السكتات لا يتصور فيه جميع تلك الكلمات المختلقة ويبعد كون كل كلمة في حال سكتة فالظاهر أنه بعد قراءته عليه الصلاة والسلام ومذمته الأصنام بقوله تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى وقع له عليه الصلاة والسلام سكتة طويلة لعارض من نحو شغله أو فكره فانتهز الشيطان الفرصة والقى تلك الجملة وسمعها الكفار دون الأبرار وهذا ليس كما توهم الدلجي ورد قول المحققين بأن هذا قول غير مرضي لا يذانه بأن الشيطان كان له عليه سبيل بتمكنه من دسه خلال تلاوته كلام ربه انتهى هذا ولا يخفى أن شيخ الإسلام خاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري أطال في ثبوت هذه القصة وأن لها طرقا صحيحة وطرقا أخر كثيرة صريحة تدل على أصل القضية فلا بد من تأويلها وهذا أحسن ما قيل في التأويل إن الشيطان ألقى ذلك في سكتة من سكتاته ولم يتفطن له عليه الصلاة والسلام وسمعه غيره فأشاعه بين الأنام وأما ما ذكره البغوي من أن الأكثرين على أنها جرت على لسانه سهوا ونبه عليه وقرره الشيخ أبو الحسن البكري على ما نقله عنه شيخنا عطية السلمي أنه لا يقدح ذلك في العصمة لكونه من غير قصد كحركة المرتعش فقد رده صاحب المدارك من أئمتنا في تفسيره حيث قال إجراء الشيطان ذلك على لسانه صلى الله تعالى عليه وسلم جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه ممتنع لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره ففي حقه أولى والقول بأنه جرى ذلك على لسانه سهوا وغفلة مردود أيضا لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه حال تبليغ الوحي ولو جاز لبطل الاعتماد على قوله ثم اختار ما اختاره العسقلاني قال وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويسمع كلامه فقد روي أنه نادى يوم أحد إلا أن محمدا قد قتل وقال يوم بدر لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم (وقد حكى موسى بن عقبة) أي ابن أبي عياش (في مغازيه نحو هذا) أي نحو ما ذكر عن المحققين قال الحلبي هو مولى آل الزبير ويقال مولى أم خالد زوج الزبير روى عنها وعن علقمة بن وقاص وعروة وخلق وعنه مالك والسفيانان وجماعة ثبت ثقة أخرج له الأئمة الستة ومغازيه أصح المغازي كما قاله الإمام مالك بن أنس وهي مجلدة لطيفة وله أولاد فقهاء محدثون ووقع في بعض النسخ محمد بن عقبة والأول هو الصواب؛ (وَقَالَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسْمَعُوهَا وَإِنَّمَا أَلْقَى الشّيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم) أي صدور الشاكين (ويكون ما روي) أي فيما مر (من حزن النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذِهِ الْإِشَاعَةِ وَالشُّبْهَةِ وَسَبَبِ هَذِهِ الفتنة وقد قال الله تعالى) في هذه تسلية (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج: 52] الآية) أي إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في أثناء قراءته ما ليس من تلاوته (فمعنى تمنّى تلا) أي قرأ

ص: 236

والأمنية معناها التلاوة، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: 78] ) وهي جمع أمنية (أي تلاوة) أي مجرد قراءة خالية عن دراية (وقوله) أي في بقية الآية (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ [الْحَجِّ: 52] أَيْ يذهبه) أي يفنيه ويعدم اعتباره (ويزيل اللّبس به) بفتح اللام أي خلط الحق بالباطل بسببه (ويحكم آياته) في التنزيل ثم يحكم الله آياته أي يثبتها؛ (وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ هُوَ مَا يَقَعُ لِلنَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم من السّهو) أي الناشىء من النسيان (إذا قرأ فينتبه) من الانتباه أو التنبه أي فيتفطن (لذلك) ويتذكر لما هنالك (ويرجع عنه وهذا) التأويل (نَحْوُ قَوْلِ الْكَلْبِيِّ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ حَدَّثَ نَفْسَهُ وَقَالَ إِذَا تَمَنَّى أَيْ حَدَّثَ نَفْسَهُ) يعني على طريق السهو، (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نحوه) وهذا السهو بطريق النسيان الغالب على الإنسان أجمعوا على جوازه منه عليه الصلاة والسلام وقد قال تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (وهذا السّهو في القراءة إنّما يصحّ) أي صدوره عنه عليه الصلاة والسلام (فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ تَغْيِيرَ الْمَعَانِي وَتَبْدِيلَ الْأَلْفَاظِ) أي المباني (وزيادة ما ليس من القرآن) أي في وجوه السبع المثاني (بَلِ السَّهْوُ عَنْ إِسْقَاطِ آيَةٍ مِنْهُ أَوْ كلمة) أو انتقال من كلمة أو آية إلى أخرى لا يترتب عليه فساد المعنى (ولكنّه) أي مع هذا (لا يقرّ) بصيغة المجهول وتشديد الراء أي لا يترك (على هذا السّهو بل ينبّه عليه) من التنبيه من باب التفعيل بصيغة المجهول وكذا قوله (ويذكّر به) أي بما وقع له لينتهي عنه (للحين) أي في وقته (عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي حُكْمِ مَا يَجُوزُ عليه من السّهو وما لا يجوز) أي عليه من السهو (وَمِمَّا يَظْهَرُ فِي تَأْوِيلِهِ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا روى هذه القصّة والغرانقة العلى) بضم المهملة (فإن سلّمنا القصّة) أي صحتها (قلنا لا يبعد أنّ هذا) أي ما وقع فيها (كان قرآنا) أي ثم نسخ تلاوته (وَالْمُرَادُ بِالْغَرَانِقَةِ الْعُلَى وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى الْمَلَائِكَةُ على هذه الرّواية) أي رواية مجاهد الغرانقة العلى ولا يظهر وجه تخصيص هذا التأويل بهذه الرواية إذ يصح على ما تقدم من الروايات أيضا كما لا يخفى على أرباب الدراية (وبهذا فسّر الكلبيّ الغرانقة العلى) أي في روايته ولا يلزم منه أنه لا يجوز هذا التفسير لرواية غيره (أنّها الملائكة وذلك) أي الباعث له على تفسيرها بها هنالك (أنّ الكفار) أي من قريش وغيرهم (كانوا يعتقدون الأوثان) وفي نسخة أن الْأَوْثَانَ (وَالْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ تعالى عنهم) أي بقوله تعالى وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً الآية وذمهم بقوله أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وبقوله وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً وبقوله أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (وردّ عليهم في هذه السّورة) وهي النجم (بقوله أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى فأنكر الله كل هذا) أي الذي ذكره (مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَجَاءُ الشَّفَاعَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ صَحِيحٌ) وهذا التأويل وأمثاله يتعين لئلا يلزم كفر صريح وبه يندفع قول الدلجي وهذا التأويل وإن كان صحيحا في نفسه فمباين للمقام يأبى عن سياق الكلام قلت ويمكن تأويل سائر الروايات على وجه يحصل به الالتئام على أن التأويل من شأنه أن يكون

ص: 237

خلاف ظاهر المرام وإنما يحتاج إليه للتخلص عما يرد في الكلام من الملام (فلمّا تأوّله المشركون على) حسب غرضهم من فساد عقيدتهم (أنّ المراد بهذا) وفي نسخة بذلك (الذّكر آلهتهم) أي مدح آلهتهم ورجاء شفاعتهم (ولبّس) من التلبيس (عليهم الشّيطان) أي إبليس (ذلك) أي ما توهموه (وزيّنه في قلوبهم وألقاه إليهم) أي المراد به ما فهموه مما سمعوه (نسخ الله ما ألقى) ويروى ما يلقى (الشّيطان) أي أزال ما كان موجبا لإلقائه وباعثا لإغوائه (وأحكم آياته) أي أثبت بقية آياته (ورفع تلاوة تلك اللّفظتين) أي إحديهما وفي نسخة صحيحة تينك اللفظتين (اللّتين وجد الشّيطان بهما) أي بسبب ما يتوهم من ظاهرهما (سبيلا) ويروى سببا (للتلبيس) وفي نسخة للإلباس أي للشبهة المفتنة للناس والاشتباه والالتباس (كما نسخ كثير من القرآن) أي دراسته (ورفعت تلاوته) أي مع حكمه أو بدونه منها آية الرجم ومنها على ما ورد لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (وَكَانَ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ حِكْمَةٌ) وفي نسخة حكم أي له سبحانه وتعالى أيضا (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كما قال الله تعالى يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) أي الخارجين عن طريق وفاقه الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (ولِيَجْعَلَ) أي ليصير الله تعالى (ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أي مما يلبس به (فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي داء شك من المنافقين (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) من المشركين المعاندين (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) من الجنسين (لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) خلاف بعيد عن طريق سديد وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي من المؤمنين (أَنَّهُ) أي ما نزله ثم نسخه (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي زيادة على إيمانهم (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج: 53- 54] ) أي تطمئن زيادة على إيقانهم (الآية) أي وأن الله لهادي الذين آمنوا بالدين القويم إلى صراط مستقيم (وقيل إنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا قرأ هذه السّورة) أي النجم (وبلغ ذكر اللات) بالنصب على الحكاية وبالجر على الإعراب (وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى خَافَ الْكُفَّارُ أَنْ يأتي) أي النبي عليه الصلاة والسلام (بشيء من ذمّها) أي زيادة على عيبها (فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين) وفيه ما سبق أن الصواب كما في نسخة بتينك الكلمتين (ليخلّطوا) أي ليرموا (به) بالتخليط (في تلاوة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ويشغبوا) بتشديد الغين المعجمة أي يثيروا الشر ويهيجوا الفتنة وفي نسخة يشنعوا من التشنيع أي ليعيبوا ويعيروا (عليه على عادتهم وقولهم) أي وعلى منهج مقالتهم (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ) أي مهما قدرتم (وَالْغَوْا فِيهِ) أي تشاغلوا عند قراءته برفع أصواتكم إذا عجزتم (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] ) عليه في قراءته (ونسب هذا الفعل) يعني الالقاء (إلى الشّيطان) مع أنه فعلهم (لحمله لهم عليه) لأنه السبب الداعي إليه (وأشاعوا ذلك) أي ما سبقوا به إلى مدحها افتراء منهم (وأذاعوه) أي أفشوه فيما بينهم (وأنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله) أي هو الذي قاله افتراء منهم في نسبته إليه

ص: 238

(فَحَزِنَ لِذَلِكَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ فَسَلَّاهُ الله تعالى) عن حزنه (بِقَوْلِهِ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ [الْحَجِّ: 52] الْآيَةَ) إيماء إلى أن هذا من سنة الله التي قد خلت في عباده وإشعارا بأن الكفرة من شياطين الإنس وأنهم من اتباع شياطين الجن، (وبيّن) أي ميز الله تعالى (للنّاس الحقّ) المنزل (من ذلك) أي مما ذكره (من الباطل) الملقى (وحفظ القرآن) أي جميع كلماته (وأحكم آياته ودفع ما لبّس) بتشديد الموحدة (به العدوّ) من الإباطيل (كما ضمنه الله تعالى) أي تكلفه وتضمن حفظه المفهوم (من قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] ) أي من زيادة ونقص وتحريف وتبديل ولم يكل حفظه إلى غيره بل تولاه بنفسه بخلاف الكتب الإلهية المنزلة قبله فإنه لم يتول حفظها بل استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيها وحرفوها وبدلوها وهذا لا ينافي أن حفظ القرآن بحسب مبناه ومعناه فرض كفاية لأن المعنى أنه تعالى تكفل حفظ القرآن بهم وأنه لم يكلهم في مراعاته إلى أنفسهم بل يكون دائما في عون حماتهم (ومن ذلك) أي من سؤالات بعض الطاعنين في مراتب النبيين (ما روي من قصّة يونس) وفي نسخة في قصة يونس عليه السلام أنه وعد قومه العذاب عن ربّه) أي وخرج من عند قومه (فلمّا تابوا) أي بعد خروجه وظهور مقدمة وعيده (كشف عنهم العذاب) قيل يوم جمعة في عاشوراء (فقال لا أرجع إليهم كذّابا أبدا) أي ولو بحسب الصورة استحياء من قومه (فذهب مغاضبا) أي على هيئة الغضبان على قومه. أو على قوله وكان عليه أولا أي يصابرهم منتظرا من ربه الإذن له في خروجه وثانيا أن يرجع إليهم حيث تاب الله عليهم (فاعلم أكرمك الله تعالى) بالعقيدة الثابتة (أنه) أي الشأن وفي نسخة أَنْ (لَيْسَ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ في هذا الباب) لا في السنة ولا في الكتاب (أن يونس عليه السلام قال لهم إنّه) أي الله سبحانه وتعالى (مهلكهم) وفي نسخة يهلكهم وفي أخرى مهلككم وعلى التسليم فيكون مقيدا بما أن ثبتوا على كفرهم فلا يستقيم أن يقول لا أرجع إليهم كذابا أبدا إلا بظاهره (وإنّما فيه) أي وإنما الوارد في حقه من الأخبار (أنّه دعا عليهم بالهلاك) أي إن أصروا على الإشراك، (والدّعاء) إنما هو إنشاء بطلب (لَيْسَ بِخَبَرٍ يُطْلَبُ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ، لَكِنَّهُ) أي يونس (قَالَ لَهُمْ إِنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُكُمْ وَقْتَ كَذَا وكذا) فيه أن هذا اخبار لا انشاء (فكان ذلك) أي مجيئه لهم فيما هنالك وفي نسخة كذلك أي كما قال فلا يكون كذابا أبدا غايته أنه لما أغامت السماء غيما شديدا اسود بدخان سود سطوح بيوتهم لبسوا المسوح وعجوا في السوح مظهرين الإيمان والتوبة النصوح (ثمّ رفع الله عنهم العذاب وتداركهم) برحمته المخصوصة بهم في هذا الباب؛ (قال الله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) استثناء منقطع من القرى إذ المراد أهلها أي لكن قومه أو متصل من ضمير آمنت والجملة في معنى النفي أي ما آمنت قرية من القرى المحكوم على أهلها بالهلاك إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ (لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ [يونس: 98] الآية) أي في الحياة الدنيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (وروي في الأخبار) أي في بعض الآثار (أنهم رأوا دلائل

ص: 239

العذاب ومخايله) أي مظانه جمع مخيلة أي مظنة أو سحابة فيها عقوبة وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وفي رواية إذا رأى في السماء اختيالا تغير لونه خشية أن يكون عذابا أرسل كما وقع لقوم هود فإذا أمطرت سرى عنه، (قاله ابن مسعود) كما رواه ابن مردويه عنه مرفوعا وابن أبو حاتم موقوفا، (وقال سعيد بن جبير غشّاهم) أي غطاهم الله تعالى (العذاب كما يغشّي الثّوب القمر) وفي نسخة كما يغشي السحاب القمر.

(فإن قلت فما معنى ما روي) عن ابن جرير عن عكرمة مولى ابن عباس مِنْ (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَرْحٍ) بفتح السين المهملة وسكون الراء وفي آخره مهملة اسلم قبل الفتح وهاجر وكتب الوحي ثم ارتد ثم اسلم ومات ساجدا لله (كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ ارتدّ مشركا) ويروى ارتد كافرا (وسار) وفي نسخة وصار أي رجع (إلى قريش) أي بمكة (فقال لهم إني كنت أصرف محمدا) أي أغيره (حيث أريد) أي من تغيير كلامه وتعبير مرامه (كان يملي عليّ عزيز حكيم فأقول) أي استفهاما (أعلي حكيم) وفي نسخة فَأَقُولُ أَوْ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (فَيَقُولُ نَعَمْ كُلٌّ صواب) أي في نفس الأمر إذ نزل عليه بهذا كتاب فيكون من السبعة الأحرف التي نسخ من كل باب؛ (وفي حديث آخر) كما رواه ابن جرير عن السدي (فيقول له النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم اكتب كذا) كناية عما كان يأمره بكتابته في املاء نظرته (فيقول) أي ابن أبي سرح (أكتب كذا) بألف استفهام ملفوظة أو محذوفة وأغرب الدلجي في تقدير إنما أكتب كذا (فيقول) أي النبي عليه الصلاة والسلام كما في نسخة (اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ وَيَقُولُ اكْتُبْ عَلِيمًا حَكِيمًا فَيَقُولُ أَكْتُبُ سَمِيعًا بَصِيرًا؟ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ كيف شئت) وهذا على اطلاقه غير صحيح فقد روي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم بدل عزيز حكيم ولم يكن قارئا فأنكره وقال إن كان هذا كلام الله فلا يذكر الغفران عند الزلل لأنه اغراء عليه بالعمل؛ (وفي الصّحيح) أي في البخاري من طريق عبد العزيز وفي مسلم من طريق ثابت كلاهما (عن أنس رضي الله تعالى عَنْهُ أَنَّ نَصْرَانِيًّا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي ما أوحي إليه (بعدما أسلم) وقرأ البقرة وآل عمران (ثمّ ارتدّ) كافرا فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب فاعجبوا به فما لبث أن قسم الله عنقه فيهم الحديث (وكان يقول ما يدري محمّد ما كتبت) أي له كما في نسخة والمعنى ما يشعر بكتابتي فيما غيرت سهوا أو قصدا وفي نسخة مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ (فاعلم ثبّتنا الله وإيّاك على الحقّ) أي البين دليلا (ولا جعل للشّيطان وتلبيسه الحقّ) أي تخليطه (بِالْبَاطِلِ إِلَيْنَا سَبِيلًا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ) ولو على طريق الرواية (أَوَّلًا لَا تُوقِعُ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ رَيْبًا) أي شكا وشبهة (إِذْ هِيَ حِكَايَةٌ عَمَّنِ ارْتَدَّ وَكَفَرَ بِاللَّهِ) وفي حال كفره رواه (ونحن) أي معاشر المحدثين من علماء المسلمين (لا نقبل خبر المسلم المتّهم) أي في عدالته بالكذب والمعصية (فكيف بكافر) أي مستحق العقوبة (افترى هو ومثله) من الكفرة والفجرة (على الله ورسوله ما هو أعظم من هذا) الافتراء المروي عنهما فلا عبرة بهما

ص: 240

(والعجب لسليم العقل) وفي نسخة لسليم القلب (يشغل بمثل هذه الحكاية سرّه) أي إلا بإرادة أنه يدفع شره (وَقَدْ صَدَرَتْ مِنْ عَدُوٍّ كَافِرٍ مُبْغِضٍ لِلدِّينِ) اسم فاعل من أبغض ضد أحب وروي منغص من التنغيص وهو التكدير وروي بالقاف من النقض (مفتر على الله ورسوله ولم يرد) أي هذه الحكاية (عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا ذَكَرَ أَحَدٌ من الصّحابة أنّه شاهد) لا برؤية ولا بسماع قضية (ما قاله وافتراه على نبيّ الله وإنّما) كان حقه أن يقول وقد قال تعالى إِنَّما (يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) فيه اقتباس من القرآن الكريم اشعارا بأنه نزل ردا لقولهم إنما يعلمه بشر وإنه على الله مفتر، (وَمَا وَقَعَ مِنْ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ) ولو في الصحيح (وظاهر حكايتها) ولو بالتصريح (فليس فيه ما يدلّ على أنّه) أي إنسا (شاهده) أي الحاكي حال إسلامه وفي نسخة شاهدها أي الحكاية القضية (ولعلّه حكى ما سمع) أي من غيره وهكذا بغير انتهاء أمره إلى تحقيق سنده (وقد علّل البزّار حديثه ذلك) أي لذلك أو لعلة خفية فادحة في إسناد ذكر هنالك (وقال) أي البزار (رواه ثابت) وفي نسخة عنه أي عن أنس (عنه ولم يتابع عليه) بصيغة المجهول، (ورواه حميد) أي الطويل لطول كان في يده مات وهو قائم يصلي وثقوه على أنه كان يدلس (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال) أي البزار (وأظنّ حميدا إنّما سمعه من ثابت) أي فدلس وروي عن أنس؛ (قال القاضي الإمام) الظاهر أنه المصنف ويؤيده أنه في نسخة قال القاضي أبو الفضل رحمه الله (وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يُخَرِّجْ أَهْلُ الصّحيح) وفي نسخة أهل الصحة (حديث ثابت ولا حميد) فيه بحث إذ سبق أن حديثهما في الصحيحين وكأنه أراد غير هذا الحديث المتنازع فيه (والصّحيح حديث عبد الله بن عزيز بن رفيع) وهو تابعي جليل ثقة روى عن ابن عباس وابن عمر وعنه شعبة وأبو بكر بن عياش توفي سنة ثلاث ومائة وأخرج له الأئمة الستة (عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه الَّذِي خَرَّجَهُ أهل الصّحّة) أي كلهم (وذكرناه) أي سابقا (وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَوْلُ شَيْءٍ مِنْ ذلك) أي مما حكى (مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ إِلَّا مِنْ حِكَايَتِهِ عَنِ المرتدّ النّصرانيّ) على ما تقدم والله تعالى أعلم (ولو) وفي نسخة فلو (كانت) أي تلك الرواية أو الحكاية (صحيحة) أي فرضا وتقديرا (لما كان فيها) أي في مضمونها (قدح) أي طعن له (ولا توهيم) أي نسبة إلى وهم وفي نسخة ولا توهين أي نسبة إلى وهن وضعف في ضبط (للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما أوحي إليه) أي من عند ربه (ولا جواز للنّسيان والغلط عليه والتّحريف) أي الزيغ والميل (فيما بلّغه) أو أوصله من الحق إلى الخلق (ولا طعن في نظم القرآن) أي لا من جهة مبانيه ولا من طريق معانيه (وأنّه من عند الله تعالى) أي العزيز الحميد (إذ ليس فيه) أي فيما قاله الكاتب (لو صحّ) أي قوله (أكثر من أنّ الكاتب قال له) أي للنبي عليه الصلاة والسلام (عليم حكيم أو كتبه) أي قبل أن يتم النبي عليه الصلاة والسلام كلامه وفي نسخة إذا كتبه (فقال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كذلك هو) أي مثل ما قلته أو كتبته (فسبقه لسانه أو قلبه لِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ مِمَّا

ص: 241

نَزَلَ عَلَى الرَّسُولِ قَبْلَ إِظْهَارِ الرَّسُولِ لَهَا) أي لتلك الكلمة (إِذْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا أَمْلَاهُ الرَّسُولُ يدلّ عليها) أو يشير إليها (ويقتضي وقوعها) أي في محلها اللائق بها (بقوّة قدرة الكاتب على الكلام) حيث كان من فصحاء الأنام (ومعرفته به) أي بالكلام نظما ونثرا في ترتيب المرام (وجودة حسّه) أي إدراكه ودرايته (وفطنته) أي سرعة فهمه عند سماع روايته ونظير ذلك ما وقع لعمر رضي الله تعالى عنه في موافقته حيث روي أنه لما نزل قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الآية فلما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال عمر رضي الله تعالى عنه فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام كذلك أنزلت (كما يتّفق ذلك للعارف) بأساليب الكلام (إذا سمع البيت) من الشعر (أن يسبق) فهمه لقوته (إلى قافيته) قبل التمام (أو مبتدأ الكلام) أي أو إذا سمع ابتداء الكلام (الحسن) في النثر فإنه يسبق طبعه (إلى ما يتمّ به) أي قبل تمام المرام كما في وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وفي إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها (ولا يتّفق ذلك) التوافق (في جملة الكلام) أي مما لا تدل فاتحته عل خاتمته (كما لا يتّفق ذلك في آية) أي كاملة (ولا سورة) أي شاملة؛ (وكذلك) أي يأول (قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن أبي سرح (كلّ صواب) أي كل ما قلته أو كتبته (إن صح) سنده ويروى إن صحت أي أسانيده (فَقَدْ يَكُونُ هَذَا فِيمَا) كَانَ (فِيهِ مِنْ مقاطع الآي) أي رؤوسها وموافقتها ويروى الآيات (وجهان) أي جائزان في صدر الإسلام (وقراءاتان) أي متواتران (أنزلتا جميعا على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) إلا أن إحديهما صارت شاذة (فأملى إحداهما وتوصّل الكاتب بفطنته) ببركة صحبته وانعكاس مرآته (ومعرفته بمقتضى الكلام) وما يتعلق بفصاحته وبلاغته (إلى الأخرى) أي قبل ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لها كما في نسخة (فذكرها) أي الكاتب (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ذكره لها) كما قدمناه على ما يشير إليه قَوْلِهِ تَعَالَى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ عند ظهور الإيمان يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ كعمر يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ كابن أبي سرح وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ بل له نار في غاية من ظهور والأمور مخبوءة تحت حجب ظلال وستور (فصوّبها) أي القراءة الأخرى (له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بحسب الموافقة (ثمّ أحكم الله من ذلك) أي مما ذكر من عليم حكيم بدل غفور رحيم ونحوه مما تقدم هنالك (ما أحكم) أي أثبته (ونسخ ما نسخ) أي أزاله لحكمه اقتضت هنالك كقوله تعالى (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) وقوله وبلغوا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا نزل فيمن قتل ببئر معونة من القرآن ثم نسخ (كما قد وجد ذلك) الاختلاف الآن أيضا (في بعض مقاطيع الْآيِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) أي القوي القادر على ثوابهم وعقابهم (الْحَكِيمُ [المائدة: 118] ) في إرادته من تعذيبه وإثابته

ص: 242