المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل [هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد وهو ما يسمى معصية ويدخل تحت التكليف] - شرح الشفا - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثّاني

- ‌[المقدمة]

- ‌(الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ مِنْ حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ [فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طاعته واتّباع سنّته]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وتصديقه فيما جاء به]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالُ سُنَّتِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ]

- ‌فصل [وأما وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ]

- ‌فصل [وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ مُتَوَعَّدٌ من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب]

- ‌الباب الثاني [في لزوم محبته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [في ثواب محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [فِيمَا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحقيقتها]

- ‌فصل [في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ [فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبره]

- ‌فصل [في عادة الصحابة في تعظيمه عليه الصلاة والسلام وتوقيره وإجلاله]

- ‌فصل [واعلم أن حرمة النبي بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم]

- ‌فصل [فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رسول الله وسنته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبره بر آله]

- ‌فصل [ومن توقيره وبره توقير أصحابه عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه]

- ‌الباب الرابع [في حكم الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم]

- ‌فصل [اعلم أن الصلاة على النبي فرض في الجملة]

- ‌فصل [في المواطن التي تستحب فيها الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويرغب فيها]

- ‌فصل [في كيفية الصلاة عليه والتسليم]

- ‌فصل (في فضيلة الصلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم عليه والدّعاء له)

- ‌فصل (فِي ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وإثمه)

- ‌فصل [في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بتبليغ صلاة من صلى عليه صلاة أو سلم من الأنام]

- ‌فصل (فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

- ‌فصل (فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ

- ‌فصل (فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من الأدب)

- ‌الْقِسْمُ الثَّالِثُ [فِيمَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وما يستحيل في حقه وما يمتنع]

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ نَبِيِّنَا عليه الصلاة والسلام وَسَائِرِ الأنبياء صلوات الله عليهم

- ‌فصل (فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (وأمّا عصمتهم من هذا الفنّ)

- ‌فصل [قال القاضي أبو الفضل قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان]

- ‌فصل [وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ من الشيطان إلى آخره]

- ‌فصل [وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت الدلائل إلى آخره]

- ‌فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات]

- ‌فصل [فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ]

- ‌فصل (فإن قلت فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث السّهو)

- ‌فصل (وأمّا ما يتعلّق بالجوارح)

- ‌فصل [وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النبوة]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً ويدخل تحت التكليف]

- ‌فصل (فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهَا السَّهْوُ

- ‌فصل (فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم الذّنوب)

- ‌فصل [قد استبان لك أيها الناظر بما قررناه ما هو الحق من عصمته عليه السلام]

- ‌فصل (في القول في عصمة الملائكة)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ]

- ‌فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سحر]

- ‌فصل [هذا حاله عليه الصلاة والسلام في جسمه]

- ‌فصل [وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره]

- ‌فصل [وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ]

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَقَرَّرَتْ عِصْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ)

- ‌فصل (فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ أَيْضًا الَّذِي حدّثناه الفقيه أبو محمد الخشنيّ)

- ‌فصل (وأمّا أفعاله عليه الصلاة والسلام الدّنيويّة)

- ‌فصل [فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ وشدتها عليه عليه الصلاة والسلام]

- ‌الْقِسْمُ الرَّابِعُ (فِي تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تنقّصه أو سبّه عليه الصلاة والسلام

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبٌّ أَوْ نَقْصٌ مِنْ تَعْرِيضٍ أو نصّ)

- ‌فصل (فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم اليهوديّ الّذي قال له)

- ‌فصل (قَالَ الْقَاضِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لسبّه)

- ‌فصل [أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله إلى آخره]

- ‌فصل (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ)

- ‌فصل [أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا ولا سبا لكنه ينزع إلى آخره]

- ‌فصل [أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ وآثرا عن سواه]

- ‌فصل [أن يذكر ما يجوز على النبي أو يختلف في جوازه عليه]

- ‌فصل (وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وما لا يجوز)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِي حُكْمِ سَابِّهِ وَشَانِئِهِ وَمُتَنَقِّصِهِ ومؤذيه]

- ‌فصل (إذا قلنا بالاستتابة حيث تصحّ)

- ‌فصل (هذا حكم من ثبت عليه ذلك)

- ‌فصل [هذا حكم المسلم]

- ‌فصل (فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وغسله والصلاة عليه)

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ (فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأزواجه وصحبه

- ‌فصل (وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ)

- ‌فصل [فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ قَدْ ذكرنا مذاهب السلف وإكفار أصحاب البدع والأهواء]

- ‌فصل (فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْمَقَالَاتِ كُفْرٌ وَمَا يُتَوَقَّفُ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بكفر)

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ السَّابِّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الذمي الخ]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ الخ]

- ‌فصل (وأمّا من تكلّم من سقط القول)

- ‌فصل (وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وملائكته)

- ‌فصل (واعلم أن من استخفّ بالقرآن)

- ‌فصل [من سب آل بيته وأزواجه وأصحابه عليه الصلاة والسلام وتنقصهم حرام ملعون فاعله]

- ‌ نظم

- ‌فهرس محتويات الجزء الثاني من شرح الشفا

الفصل: ‌فصل [هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد وهو ما يسمى معصية ويدخل تحت التكليف]

للآخرين (فِي قَوْلِهِ: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النحل: 123] ) لأن أمره باتباعها إنما كان بعد الوحي إليه والكلام قبله (للآخر) أي وَلَا لِلْآخَرِينَ (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشُّورَى: 13] ) فإذا أيضا بعد الوحي ومع هذا (فمحمل هذه الآية) وفي نسخة فمحتمل وفي أخرى فتحمل هذه الآية كما قبلها (على اتّباعهم في التّوحيد) أي توحيد الذات وتفريد الصفات وما يتعلق به من أمور النبوات والفروع الكليات المجمع عليها في جميع الحالات لاختلاف كل نبي فيما جاء كما قال الله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وهذا (كقوله تعالى: أُولئِكَ) أي المذكورون من الأنبياء والاصفياء (الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) أي هداهم واجتباهم واصطفاهم ومن متابعة الهوى زكاهم ونجاهم وعن المعاصي عصمهم ونحاهم (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] ) بسكون الهاء للسكت وفي قراءة بكسر الهاء وفي رواية بإشباعها والضمير إلى المصدر فتدبر (وقد سمّى الله تعالى فيهم) أي في الذين هدى الله (من لم يبعث) أي بالنبوة (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ شَرِيعَةٌ تَخُصُّهُ كَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ برسول) وهذا مردود بقوله تعالى وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ الآية نعم لم يعرف له شريعة تخصه وهو ليس من لوازم الرسالة (وقد سمّى الله تعالى جماعة منهم) أي من الأنبياء (في هذه الآية شرائعهم) وفي نسخة وشرائعهم (مختلفة لا يمكن الجمع بينها) أي من الأحوال المؤتلفة، (فدلّ) أي اختلافهم (أنّ المراد) يهديهم (مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ تعالى) بنعت التفريد ولا يبعد أن يكون بعض الشرائع المجمع عليها داخلا في الأمر بالاقتداء بجميع أفراد الأنبياء (وبعد هذا) الذي تقرر وتحرر (فَهَلْ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِمَنْعِ الِاتِّبَاعِ هَذَا القول) بالرفع (في سائر الأنبياء غير نبيّنا) عليه وعليهم الصلاة والسلام (أو يخالفون بينهم) أي ويفرقون بينه وبينهم ففيه تفصيل مبني على أصولهم (أمّا من منع الاتّباع عقلا فيطّرد) بتشديد الطاء أي فيستمر (أصله) ولم يختلف نقله من منعه (في كلّ رسول) من غير تفرقة (بلا مرية) بكسر الميم ويضم أي بغير شك وشبهة (وَأَمَّا مَنْ مَالَ إِلَى النَّقْلِ فَأَيْنَمَا تُصُوِّرَ له) بصيغة الفاعل وقيل بالمفعول (وتقرّر اتّبعه) وعمل كما يقتضي أمره، (ومن قال) ويروى من يقول (بالوقف فعلى أصله) من غير مفارقة لفصله، (ومن قال بوجوب الاتّباع) أي قبل الوحي (لمن قبله) من الأنبياء (فيلتزمه) أي القول بموجبه (بمساق حجّته في كلّ شيء) وفي نسخة في كل نبيّ.

‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً ويدخل تحت التكليف]

(هذا) الذي قدمناه من فصل العصمة (حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ) المنكرات الصادرة (عن قصد) أي تعمد (وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً وَيَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ) أي ويؤاخذ به فاعله؛ (وأمّا ما يكون) أي المخالفة فيه من الأعمال (بغير قصد وتعمّد كالسّهو) وهو الذهول بالغفلة في الجملة (والنّسيان) وهو الذهول بالمرة والكلية (في الوظائف الشّرعيّة)

ص: 267

سواء يكون من ارتكاب المنهيات أو اجتناب المأمورات (مِمَّا تَقَرَّرَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ وترك المؤاخذة عليه) كالسهو في الصلاة والكلام والنسيان في الصيام وجواب أما قوله (فَأَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ وَكَوْنِهِ ليس بمعصية لهم مع أممهم سواء) كما يشير إليه قوله تعالى رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا وحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما استكرهوا عليه كما رواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا بسند صحيح (ثمّ ذلك) أي عدم المؤاخذة بالسهو والنسيان (على نوعين) أحدهما (ما طريقه البلاغ وتقرير الشّرع) فيما يعمل به من الأصل والفرع (وتعلّق الأحكام) أمرا ونهيا وحدا وسائر شرائع الإسلام (وتعليم الأمّة بالفعل) أي جنسه (وأخذهم باتّباعه) ويروى باتباعهم (فيه) أي في ذلك الفعل ونحوه (وما هو) أي وثانيهما ما هو (خارج عن هذا) الذي طريقه البلاغ (ممّا يختصّ بنفسه) من واجبات ومندوبات ومباحات ومكروهات ومحرمات، (أمّا الأوّل) أي من النوعين وهو ما طريقه البلاغ من الأحكام عملا وقولا (فحكمه) أي في إلمام السهو به (عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ حُكْمُ السَّهْوِ فِي القول في هذا الباب) أي باب ما طريقه البلاغ، (وقد ذكرنا الاتّفاق) من العلماء (على امتناع ذلك) أي امتناع المخالفة في القول (في حقّ النبيّ عليه الصلاة والسلام أي من الأنبياء (وَعِصْمَتَهُ مِنْ جَوَازِهِ عَلَيْهِ قَصْدًا أَوْ سَهْوًا) بالأولى؛ (فكذلك) أي فمثل ما قالوا في باب القول بعصمة النبي من امتناع جواز ذلك (قَالُوا الْأَفْعَالُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَجُوزُ طروّ المخالفة) بضم الطاء والراء فواو ساكنة فهمزة وقد تبدل مشددة أي طريانها وجريانها وحدوثها وعروضها (فيها) أي في الأفعال (لا عمدا ولا سهوا لأنّها) أي الأفعال منهم (بمعنى القول) الصادر عنهم (من جهة التّبليغ والأداء) إذ الأمم مأمورون بمتابعات الأنبياء قولا وفعلا ولا محيص لهم عن الموافقة أصلا (وطروّ هذه العوارض) أي من السهو والخطأ والنسيان (عليها) أي على أفعال الأنبياء (يوجب التّشكيك) للأمم الموافقة (ويسبّب المطاعن) من الطوائف المخالفة والمطاعن جمع مطعن محل الطعن وفي نسخة ويسبب الطاعن اسم فاعل من طعن فيه وعليه إذا عاب وقدح، (واعتذروا) أي هؤلاء العلماء (عن أحاديث السّهو) أي في بعض صلواته عليه الصلاة والسلام (بتوجيهات نذكرها بعد هذا) في فصل على حدة (وإلى هذا) أي منع طرو المخالفة (مال أبو إسحاق) أي الإسفراييني، (وذهب الأكثر من الفقهاء) أي من أرباب الفروع والأصول (والمتكلمين) أي من أصحاب الأصول (إِلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْأَفْعَالِ الْبَلَاغِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشّرعيّة) أي من الأمور العلمية والعملية (سهوا) تمييز أو منصوب بنزع الخافض أي عن سهو (وعن غير قصد) عطف بيان (منه) أي من النبي (جائز عليه) أي وقوعه منه (كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَحَادِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ) أي الثابتة في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة قال النووي وهذا هو الحق (وفرقوا) أي المجوزون له (بين ذلك) الفعل من الأفعال الشرعية (وَبَيْنَ الْأَقْوَالِ الْبَلَاغِيَّةِ لِقِيَامِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ في القول) أي من حيث شهد الله بأن صدق عبدي (ومخالفة ذلك) الصدق ولو سهوا (تناقضها) أي تعارض المعجزة (وأمّا

ص: 268

السّهو في الأفعال فغير مناقض لها) أي المعجزة لأنه ليس من جنسها (ولا قادح) أي وغير طاعن (في النّبوّة) لثبوتها مع وقوعه منها لعدم منافاته لها (بَلْ غَلَطَاتُ الْفِعْلِ وَغَفَلَاتُ الْقَلْبِ مِنْ سِمَاتِ البشر) بكسر السين أي علاماته وذلك لأن الإنسان مشتق من النسيان وأول الناس فقد قال الله تعالى في حق آدم عليه الصلاة والسلام فَنَسِيَ (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّما أنا بشر أنسى) بفتح أوله (كما تنسون فإذا نسيت فذكّروني) رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (نعم) ليس نسيانه كنسيان غيره من كل وجه (بل حالة النّسيان والسّهو) أي نسيانه وسهوه (هنا) أي في هذا المحل بخصوصه (في حقّه عليه الصلاة والسلام سبب إفادة علم) لأمته (وتقرير شرع) لملته (كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث الموطأ بلاغا لم يعرف وصله (إنّي لأنسى) بفتح الهمزة والسين أي بإنسائه سبحانه كما قال تعالى فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ انساءك إياه (أو أنسّى) بصيغة المفعول مشددا ويجوز مخففا أي ينسيني الله تعالى (لأسنّ) يفتح الهمزة وضم السين وتشديد النون أي لأبين لكم ما يفعله أحد منكم نسيانا لتأنسوا بي وتقتدوا بفعلي (بل قد روي لست أنسى) أي حقيقة (ولكن أنسّى) بصيغة المجهول كما مر (لأسنّ) وهذا نظير قوله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى إيماء إلى مقام الجمع (وهذه الحالة) أي من نسيانه ليسن (زيادة له في التّبليغ) أي تبليغ الرسالة (وتمام عليه في النّعمة) حيث أمر الأمة بأن يقتدوا به فيما صدر عنه على جهة السهو والغفلة ولعل فيه إيماء إلى قوله تعالى وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (بعيدة عن سمات النّقض) بالضاد المعجمة أي عن ورود النقض من جواز وجود السهو والخطأ ووجوب الاقتداء (واعتراض الطّعن) أي به وبغيره على ألسنة السفهاء وفي نسخة صحيحة بعيدة عن سمات النقص بالصاد المهملة أي النقصان وأغراض الطعن أي على مجرد وقوع السهو والنسيان حيث تبين الحكمة الإلهية في ذلك الشأن (فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِتَجْوِيزِ ذَلِكَ يَشْتَرِطُونَ أَنَّ الرُّسُلَ لا تقرّ) بضم التاء وفتح القاف وتشديد الراء أي لا تبقى ولا تترك (على السّهو والغلط بل ينبّهون عليه) لينتبهوا ويتداركوا ما وقع لهم من السهو (ويعرفون) بصيغة المجهول مشدد الراء (حكمه) أي حكم السهو وما يترتب عليه (بالفور) في الحال أي من غير تراخ (عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ) أو قبل موته (عَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ وَأَمَّا مَا لَيْسَ طَرِيقُهُ البلاغ) أي تبليغ شرائع الإسلام (وَلَا بَيَانَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ أُمُورِ دينه) أي أسرار ربه (وأذكار قلبه) أي أنوار لبه (ممّا لم يفعله ليتّبع فيه) بل لينتفع به في زيادة قربه عند ربه (فالأكثر من طبقات علماء الأمّة) وكذا من طوائف مشايخ الملة (على جواز السّهو) أي الذهول والغفلة (والغلط عليه) لغلبة الاستغراق لديه (فيها) أي في أفعاله حين نزول الواردات إليه ولا يلحقه بذلك معرة ولا منقصة (ولحوق الفترات) أي الزلات بالنسبة إلى علو الحالات (والغفلات) لعوارض الحادثات (بقلبه) المستغرق في بحر حب ربه (وذلك) أي الحال الذي يعتبر به هنالك (بما كلفه) بصيغة المجهول أي بما طوقه

ص: 269

الحق ويروى بما تكلفه (من مقاساة الخلق) أي مكابدتهم (وسياسة الأمّة) أي محافظتهم ويروى وسياسات الأمة (ومعاناة الأهل) من عانه قاساه أي ملاحظة أحوالهم ومراعاة أفعالهم رفقا بهم وعونا لهم (وملاحظة الأعداء) أي مراقبتهم ومحاذرتهم وهذا كله من حيث هو مما يشغل القلب عن تجرده للرب ويوجب فتورا يقتضي في الجملة قصورا (ولكن ليس) صدور ذلك وظهور ما هنالك (على سبيل التّكرار) أي المفضي إلى حال الاكثار (ولا الاتصال) أي ولا على سبيل الاتصال في مقام الانفصال (بل على سبيل النّدور) أي القلة في الانتقال عن مشاهدة جمال ذي الجلال على وجه الكمال (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّه) أي الشأن (ليغان على قلبي) بصيغة المفعول والمعنى قد يحجب قلبي عن مشاهدة ربي بالاشتغال بأمره والانتقال إلى إمضاء حكمه (فأستغفر الله) أي في اليوم سبعين مرة أو مائة مرة وهذا من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار بل كان في كل وقت وحالة مترقبا إلى مقام ومرتبة بعد الحال الأولى بالنسبة إلى المرتبة الثانية العليا والمنزلة الأولى سيئة ومنقصة يحتاج فيها إلى الأوبة وطلب المغفرة مما فيه صورة الحوبة كما يشير إليه قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (وليس في هذا) أي فيما ذكر (شيء يحطّ) أي يصنع (من رتبته ويناقض معجزته) أي يعارض من كرامته (وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى مَنْعِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَالْغَفَلَاتِ والفترات في حقّه عليه الصلاة والسلام جملة) أي من غير استثناء حالة (وهو مذهب جماعة المتصوّفة) أي متكلفي طريق التصوف ومنتحلي سبيل التعرف (وأصحاب علم القلوب) بالحالات السنية الجليلة (والمقامات) البهية العلية ويمكن الجمع بين كلام المثبتين للسهو والنافين للغلط واللهو أن ما وقع من أفعاله عليه الصلاة والسلام في صورة الغفلات وهيئة الفترات ليست على حقيقتها المترتب عليها نقصان مرتبة من الحالات أو قصور في رتبة علو المقامات فإن سيئات أرباب السعادة حسنات وحسنات أرباب الشقاوة سيئات كما أشار إليه بعضهم بقوله:

من لم يكن للوصال أهلا

فكل طاعاته ذنوب

والحاصل أن ضعف بنية البشرية لا يقوى على مداومة تجليات الإلهية فتارة يكون في حالة الصحو وأخرى في حالة المحو وكذا تختلف المقامات بتفاوت غلبة الفناء ورجعة البقاء حتى يترتب عليه السكر والشكر والفكر والذكر والترقي والتدلي مع أن مقام جمع الجمع يقتضي أن لا تمنع الكثرة عن الوحدة ولا الوحدة عن الكثرة فلا يتصور في حق الكمل منهم صدور الغفلة بالمرة فإن اتباعهم ببركة اتباعهم وصلوا إلى حد لو أرادوا أن يتركوا طاعة أو يغفلوا ساعة لم يقدروا على ذلك عكس حال أرباب الدنيا واصحاب الحجاب عن المولى فسبحان من أقام العباد فيما أراد وقد علم كل اناس مشربهم وعرف كل حزب مذهبهم (ولهم في هذه الأحاديث) أي الواردة في باب السهو (مذاهب نذكرها) وفي نسخة سنذكرها (بعد هذا) أي من غير تراخ في الفصل الذي يليه (إن شاء الله تعالى) .

ص: 270