المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل (فإن قيل فما وجه حديثه أيضا الذي حدثناه الفقيه أبو محمد الخشني) - شرح الشفا - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثّاني

- ‌[المقدمة]

- ‌(الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ مِنْ حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ [فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طاعته واتّباع سنّته]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وتصديقه فيما جاء به]

- ‌فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالُ سُنَّتِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ]

- ‌فصل [وأما وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ]

- ‌فصل [وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ مُتَوَعَّدٌ من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب]

- ‌الباب الثاني [في لزوم محبته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [في ثواب محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [فِيمَا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌فصل [في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحقيقتها]

- ‌فصل [في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم]

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ [فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبره]

- ‌فصل [في عادة الصحابة في تعظيمه عليه الصلاة والسلام وتوقيره وإجلاله]

- ‌فصل [واعلم أن حرمة النبي بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم]

- ‌فصل [فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رسول الله وسنته عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبره بر آله]

- ‌فصل [ومن توقيره وبره توقير أصحابه عليه الصلاة والسلام]

- ‌فصل [ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه]

- ‌الباب الرابع [في حكم الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم]

- ‌فصل [اعلم أن الصلاة على النبي فرض في الجملة]

- ‌فصل [في المواطن التي تستحب فيها الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويرغب فيها]

- ‌فصل [في كيفية الصلاة عليه والتسليم]

- ‌فصل (في فضيلة الصلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم عليه والدّعاء له)

- ‌فصل (فِي ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وإثمه)

- ‌فصل [في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بتبليغ صلاة من صلى عليه صلاة أو سلم من الأنام]

- ‌فصل (فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

- ‌فصل (فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ

- ‌فصل (فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من الأدب)

- ‌الْقِسْمُ الثَّالِثُ [فِيمَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وما يستحيل في حقه وما يمتنع]

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ نَبِيِّنَا عليه الصلاة والسلام وَسَائِرِ الأنبياء صلوات الله عليهم

- ‌فصل (فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (وأمّا عصمتهم من هذا الفنّ)

- ‌فصل [قال القاضي أبو الفضل قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان]

- ‌فصل [وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ من الشيطان إلى آخره]

- ‌فصل [وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت الدلائل إلى آخره]

- ‌فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات]

- ‌فصل [فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ]

- ‌فصل (فإن قلت فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث السّهو)

- ‌فصل (وأمّا ما يتعلّق بالجوارح)

- ‌فصل [وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النبوة]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً ويدخل تحت التكليف]

- ‌فصل (فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهَا السَّهْوُ

- ‌فصل (فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم الذّنوب)

- ‌فصل [قد استبان لك أيها الناظر بما قررناه ما هو الحق من عصمته عليه السلام]

- ‌فصل (في القول في عصمة الملائكة)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ]

- ‌فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سحر]

- ‌فصل [هذا حاله عليه الصلاة والسلام في جسمه]

- ‌فصل [وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره]

- ‌فصل [وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ]

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَقَرَّرَتْ عِصْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ)

- ‌فصل (فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ أَيْضًا الَّذِي حدّثناه الفقيه أبو محمد الخشنيّ)

- ‌فصل (وأمّا أفعاله عليه الصلاة والسلام الدّنيويّة)

- ‌فصل [فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ وشدتها عليه عليه الصلاة والسلام]

- ‌الْقِسْمُ الرَّابِعُ (فِي تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تنقّصه أو سبّه عليه الصلاة والسلام

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبٌّ أَوْ نَقْصٌ مِنْ تَعْرِيضٍ أو نصّ)

- ‌فصل (فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم)

- ‌فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم اليهوديّ الّذي قال له)

- ‌فصل (قَالَ الْقَاضِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لسبّه)

- ‌فصل [أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله إلى آخره]

- ‌فصل (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ)

- ‌فصل [أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا ولا سبا لكنه ينزع إلى آخره]

- ‌فصل [أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ وآثرا عن سواه]

- ‌فصل [أن يذكر ما يجوز على النبي أو يختلف في جوازه عليه]

- ‌فصل (وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وما لا يجوز)

- ‌الْبَابُ الثَّانِي [فِي حُكْمِ سَابِّهِ وَشَانِئِهِ وَمُتَنَقِّصِهِ ومؤذيه]

- ‌فصل (إذا قلنا بالاستتابة حيث تصحّ)

- ‌فصل (هذا حكم من ثبت عليه ذلك)

- ‌فصل [هذا حكم المسلم]

- ‌فصل (فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وغسله والصلاة عليه)

- ‌الْبَابُ الثَّالِثُ (فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأزواجه وصحبه

- ‌فصل (وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ)

- ‌فصل [فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ قَدْ ذكرنا مذاهب السلف وإكفار أصحاب البدع والأهواء]

- ‌فصل (فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْمَقَالَاتِ كُفْرٌ وَمَا يُتَوَقَّفُ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بكفر)

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ السَّابِّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الذمي الخ]

- ‌فصل [هَذَا حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ الخ]

- ‌فصل (وأمّا من تكلّم من سقط القول)

- ‌فصل (وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وملائكته)

- ‌فصل (واعلم أن من استخفّ بالقرآن)

- ‌فصل [من سب آل بيته وأزواجه وأصحابه عليه الصلاة والسلام وتنقصهم حرام ملعون فاعله]

- ‌ نظم

- ‌فهرس محتويات الجزء الثاني من شرح الشفا

الفصل: ‌فصل (فإن قيل فما وجه حديثه أيضا الذي حدثناه الفقيه أبو محمد الخشني)

أي الامتحان ليظهر منهم حسن الاختيار (هل يتّفقون على ذلك) فيكتب لهم (أم يختلفون) فيتركه، (فلمّا اختلفوا تركه) ويروى تركهم ولا يبعد أن يكون الامتحان ليعلم أنهم إلى الآن محتاجون إلى الكتاب والبيان أو هم متيقنون في أحكام الأديان ولا يفتقرون إلى زيادة التبيان فلما تبين من كلام عمر ومن تبعه أنهم في مقام العيان وفي غاية من كمال الإيمان وجمال الإيقان والاتقان من منازل الإحسان ترك ما أراد كتابته مجملا لظهور أمرهم مفصلا (وقالت طائفة أخرى: إنّ معنى الحديث) المذكور (أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان مجيبا في هذا الكتاب) أي في قصده أو أمره (لما طلب منه) ببيان القال أو بلسان الحال (لا أنه ابتدأ بالأمر به) من غير السؤال (بل اقتضاه) أي طلبه واستدعاه (منه بعض أصحابه) أي المخصوصين من أقاربه وأحبابه (وأجاب رغبتهم) وأطاب طلبتهم (وكره ذلك غيرهم للعلل الّتي ذكرناها) عن عمر وغيره مما اقتضت حكمتهم فلما تعارضا تساقطا؛ (واستدلّ) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي استدل القائل (في مثل هذه القصّة) المشتملة على الغصة (بقول العباس لعليّ رضي الله تعالى عنهما انطلق بنا) أهل البيت أو معشر بني هاشم الذين هم أفضل من سائر قريش وقد ورد أن الخلافة في قريش (إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن كان الأمر) أي أمر الخلافة بعده (فينا) خصوصا (علمناه) ولا ينازعنا فيه أحد، (وكراهة عليّ هذا) القول من عمه العباس (وقوله) لعمه (والله لا أفعل- الحديث) كما في البخاري (واستدلّ) كما تقدم وأغرب الدلجي حيث قال واستدل علي (بقوله دعوني) أي اتركوني (فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ) أَيِ الَّذِي أنا فيه من الإعراض عن الدنيا والإقبال على العقبى والتوجه إلى المولى خير وأبقى مما تدعونني إليه (من إرسال الأمر) بلا كتابة (وترككم) أي وخير من تركي إياكم (وكتاب الله) أي معه إذ ربما اختلفتم فيه كما اختلف في قبلكم (وأن تدعوني) بفتح الدال قال الدلجي عطف على دعوني والظاهر أنه عطف على ترككم أي وإن ترككم لي (ممّا طلبتم) ويروى من الذي طلبتم مني من كتابتي لكم كتابا خير أيضا هذا، (وذكر) أي روي (أنّ الّذي طلب) أي المطلوب (كتابته) خبر أن قوله (أمر الخلافة) منصوب على المفعولية (بعده) وكذا قوله (وتعيين ذلك) أي أمر الخلافة وفي نسخة كتابة أمر الخلافة بالإضافة وفي نسخة كفاية بدل كتابة فهي مرفوعة على أنها اسم أن وكذا تعيين بالعطف عليها.

‌فصل (فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ أَيْضًا الَّذِي حدّثناه الفقيه أبو محمد الخشنيّ)

بضم الخاء وفتح الشين المعجمة (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عبد الغافر الفارسيّ) بكسر الراء (حدّثنا أبو أحمد الجلوديّ) بضم الجيم واللام (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن الحجّاج) صاحب الصحيح (حدّثنا قتيبة) أي ابن سعيد (حدّثنا ليث) وهو ابن سعد (عن سعيد بن أبي سعيد) هو المقبري (عن سالم مولى النّصريين) بالنون والصاد المهملة أي ابن

ص: 357

عبد الله النصري (قال سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول اللهمّ إنّما محمد) وفي نسخة أن محمدا (بشر يغضب كما يغضب البشر) وإن كان غضبه لله بخلاف من سواه (وإنّي قد اتّخذت عندك عهدا) يحتمل أن يكون إخبارا وأن يكون ابتداء انشاء (لن تخلفنيه) أي أبدا فأسألك الوفاء بعهدك (فأيّما مؤمن آذيته) بنوع من الأذى (أو سببته) بلساني (أو جلدته) أي ضربته بيدي أو بأمري (فاجعلها) أي تلك الأذية أو الأمور المذكورة (له كفّارة) لذنبه كيلا يقع في الندامة (وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة) أي قربة رتبه ومكانة. (وفي رواية) أي عن أنس كما صرح به الحلبي فكان ينبغي من جهة الصناعة أن يقول وفي رواة لأنس (فأيّما أحد دعوت عليه دعوة) أي إلى آخره، (وفي رواية ليس) أي المدعو عليه (لها بأهل) أي مستحق، (وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ) أي شتمته (أو لعنته) لساني أو طردته عن مكاني (أو جلدته) أي ضربته بالجلد وغيره (فاجعلها له زكاة) أي طهارة من سيئته أو بركة في معيشته (وصلاة) أي ووصلة لقربه (ورحمة) ينشأ منها نعمة (وكيف) أي على أي حال (يصحّ أن يلعن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من لا يستحقّ اللّعن) أي عمدا وقصدا (ويسبّ من لا يستحقّ اللّعن وَيَجْلِدُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَلْدَ أَوْ يَفْعَلُ مثل ذلك عند الغضب وهو معصوم) بعناية الرب (من هذا) الذي ذكر (كُلِّهِ فَاعْلَمْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَكَ أَنَّ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام أَوَّلًا لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَيْ عِنْدَكَ يَا ربّ في باطن أمره فإن حكمه عليه الصلاة والسلام على الظّاهر) من حاله (كما قال) فيما ورد عنه عليه الصلاة والسلام نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر (وللحكمة الّتي ذكرناها) من أن أحكامه إنما كانت جارية على موجبات غلبات ظنه لتقتدي به أمته في حكمه (فحكم عليه الصلاة والسلام فيما ظهر له من قرائن المقام (بجلده أو أدّبه بسبّه) أي بشتمه (أو لعنه) بصيغة المصدر أو الخبر (بما اقتضاه) من جواز ذلك (عنده حال ظاهره) بالرفع على أنه فاعل لاقتضاه أو بالنصب على الظرفية وفي نسخة عند حال ظاهره (ثمّ دعا له عليه الصلاة والسلام على وجه الإبهام (لشفقته على أمّته ورأفته ورحمته للمؤمنين) أي شدة رأفته لخاصتهم وإرادة نعمته لعامتهم (الّتي وصفه الله بها) أي في قوله سبحانه وتعالى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (وحذره) أي ولاحترازه (أن يتقبّل الله فيمن دعا عليه دعوته) أي في دعوته عليه وفي نسخة فيمن دعا عليه دعوته على أنها مفعول يتقبل وقوله (أن يجعل) متعلق بقوله فيما سبق ثم دعا له أي بدل ما دعا عليه أن يجعل (دعاءه) أي عليه (ولعنه له رحمة) نازلة عليه وواصلة إليه وحاصلة لديه (فهو معنى قوله) عليه الصلاة والسلام (ليس) أي المدعو عليه (لها بأهل) ولذا ورد في دعائه اللهم ما لعنت من لعن فعلى من لعنت وما صليت من صلاة فعلى من صليت أنت ولي في الدنيا والآخرة، (لا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يحمله الغضب) أي يبعثه (ويستفزّه) بتشديد الزاء أي ويستخفه (الضّجر) بفتحتين ضيق الصدر وعدم الصبر (لأن يفعل مثل هذا) الذي ذكر من اللعن والضرب والشتم (بمن) وفي نسخة لمن أي لأجل من (لا

ص: 358

يستحقّه من مسلم، وهذا معنى صحيح) وفي المدعي صريح لا ينبغي أن يفهم منه غيره؛ (وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البشر أنّ الغضب) الذي يعتري ابن آدم من ثوران الدم وهو من خصال تذم (حمله على ما لا يجب) أي لا ينبغي أن يفعله (بل يجوز أن يكون المراد بهذا) الذي ذكر مِنْ قَوْلِهِ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ (أَنَّ الغضب لله تعالى) هو الذي (حمله على معاقبته بلعنه أو سبّه) أو ضربه إذ ورد كما مر أنه ما انتقم رسول الله لنفسه قط إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْتَقِمُ له وقد قال له صحابي أوصني يا رسول الله فقال لا تغضب وكلما أعاد السؤال أجاب له بهذا الجواب فلا يتصور أنه ينهى آحاد أمته عن الغضب وهو على منوالهم يغضب (وأنّه) أي غضبه عليه الصلاة والسلام (ممّا كان يحتمل) تحمله من الخلق تواضعا مع الحق واختيارا لصفة الحلم الناشىء عن كمال العلم (ويجوز عفوه) عليه الصلاة والسلام (عنه) أي عن من عاقبه بلعن أو غيره من الإيلام (أو كان) ذنب المغضوب عليه (مِمَّا خُيِّرَ بَيْنَ الْمُعَاقَبَةِ فِيهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ) وفي نسخة أو العفو عنه ولكنه كان قد اختار المعاقبة لما رأى فيها من الحكمة والمصلحة، (وقد يحمل) أي دعاؤه عليه الصلاة والسلام لمن عاقبه (أنّه خرج مخرج الإشفاق) أي إظهار الشفقة أو الخوف على من عاقبه بلعن أو غيره (وَتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ الْخَوْفَ وَالْحَذَرَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ الله تعالى) شفقة منه عليهم أن يعاقب أحدا منهم واحتراسا لهم مما يصدر عنهم (وَقَدْ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ دُعَائِهِ هُنَا) أي في مواضع المعاقبة ومقام الغضب طلبا لرضى الرب (ومن دعواته على غير واحد) أي على كثيرين (في غير موطن) أي في مواضع كثيرة (على غير العقد) أي عقد القلب بالعزم (والقصد) أي قصد المعاقبة بالجزم (بل) كانت صادرة منه من غير الغضب (بما جرت) أي على وفق ما جرت (به عادة العرب) حيث لا يريدون وقوع الأمر وإنما يقصدون به الأدب أو الملاطفة في مقام الطلب إذ قد يشنعون اللفظ وكله ود وينفونه وما من فعله بد يقولون للشيء إذا مدحوه قاتله الله ولا اب له ولا أم له ولا يريدون به الذم وفي الحديث ويل أمه مسعر حرب فلك أن تنظر إلى القول وقائله والقرينة الدالة على حاله ومآله بحسب اختلاف شمائله فإن كان وليا فهو الولاء وإن خشن وإن كان عدوا فهو البلاء وإن حسن فضرب الحبيب حلو كالزبيب بخلاف دعاء الرقيب (وليس المراد بها) أي بدعواته عليه الصلاة والسلام غلى غير واحد من الصحابة الكرام (الإجابة كقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان لعائشة وفي رواية لأم سلمة (تربت يمينك) بكسر الراء أي خشرت وقيل امتلأت ترابا وقيل استغنت والظاهر أن أتربت بمعنى استعنت على أن الهمزة للسلب وروي يدك ويداك، (ولا أشبع الله بطنك) قاله لمعاوية لكن بلفظ لا أشبع الله بطنه كما في نسخة هنا وهو في مسلم في كتاب الأدب من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتواريت خلف باب فجاء فخطاني خطوة وقال اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله

ص: 359

تعالى بطنه زاد البيهقي في الدلائل فما شبع بطنه أبدا وهذا يشير إلى أنه كان دعاء عليه وقد استجاب الله تعالى لديه، (وعقرى حلقى) قاله لصفية بنت حيي بن أخطب في حجة الوداع كما رواه الشيخان أي عقرها الله تعالى وحلقها أي عقر الله تعالى جسدها وأصابها بوجع في حلقها قيل وقد جعلها الله كذلك كذا رواه المحدثون غير منون لجريانه على مؤنث كغضبي والمعروف في اللغة التنوين لأنه من مصادر حذفت أفعالها لفظا أي عقرها وحلقها حلقا ويقال للأمر المتعجب منه عقرا حلقا وكذا للمرأة المؤذية المشؤمة وقيل يقال لطويلة اللسان وقيل عقرى عاقر لا تلد وقيل عقرا حلقا مصدران أو الألف للتأنيث وقد روت عائشة أن صفية حاضت ليلة النفر فقالت ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عقرى حلقى أطاقت يوم النحر قيل نعم قال فانفري (وغيرها من دعواته) مما لا يريد هو وغيره إجاباته كقول بعضهم أنعم صباحا تربت يداك فإنه دعاء له بقرينة ما قبله، (وقد ورد في صفته) أي نعته (في غير حديث) أي في أحاديث كثيرة من شمائله (أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن فحّاشا) أي منسوبا إلى قوله الفحش وفعله بل كان أقواله وأفعاله كلها مستحسنة، (وقال أنس) كما رواه البخاري (لم يكن سبّابا) أي كثير السب والشتم (ولا فحاشا) وفي نسخة صحيحة ولا فاحشا وهو أولى صيانة لساحة رفيع جنابه أن يوجد نوع من الفحش في بابه (ولا لعّانا) أي كثير اللعن (وكان يقول لأحدنا عند المعتبة) بفتح الفوقية ويكسر أي عند العتب في مقام الأدب (ما له) وفي نسخة ما باله (ترب جبينه) وفي العدول عن الخطاب التفات حسن في الآداب وقد قيل أراد به دعاء له بكثرة السجود وبتواضعه للرب المعبود وقيل يسقط في الأرض فيترب جبينه وأما قوله لبعض أصحابه ترب نحرك فقتل شهيدا فدعاء له لا عليه كما وهم الدلجي وقال فهو محمول على ظاهره وأغرب منه قوله (فيكون حمل الحديث) أي حديث ترب جبينه (على هذا المعنى) من أن يقتل والصواب أن قوله فيكون حمل الحديث أعم حديث تربت يمينك على هذا المعنى أي على معنى ترب جبينه إذ قوله ترب نحرك ليس مذكورا في كلام المصنف فكيف يحمل عليه المعنى من غير ذكر المبنى ولا يبعد أن يراد بتربت يمينه وترب جبينه اختيار غاية الفقر ونهاية المسكنة لصاحبه كما يشير إليه قوله تعالى أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ فيكون في الحقيقة دعاء له لا عليه؛ (ثمّ) أي مع هذا كله (أشفق عليه الصلاة والسلام أي خاف على من جرى في شأنه هذا الكلام (من موافقة أمثالها) وفي نسخة مواقعة أمثالها أي الدعوات التي لم يرد بها وقوعها (إجابة) مفعول أشفق أي أن يجيبها الله في الدنيا والآخرة فتداركه (فعاهد ربّه كما قال في الحديث) السابق (أن يجعل ذلك) الدعاء (للمقول له زكاة) أي طهارة (ورحمة) عليه (وقربة) تقربه إليه، (وقد يكون ذلك) الدعاء (إشفاقا على المدعوّ عليه وتأنيسا له) أي تلطفا بحاله وتداركا لمقاله (لئلا يلحقه) أي المدعو عليه (من استشعار الخوف) أي إدراكه من الله تعالى (والحذر من لعن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) له (وتقبّل دعائه) في حقه (ما يحمله على

ص: 360

اليأس) من رحمة الله تعالى في الدنيا (والقنوط) في العقبى وهو بضم القاف أشد اليأس؛ (وقد يكون ذلك) الدعاء (سؤالا منه) أي من النبي عليه الصلاة والسلام (لربّه) جل جلاله وعز كماله (لمن جلده) أي ضربه (أو سبّه) أي شتمه أو لعنه (على حقّ) أي أمر يستحقه (وبوجه صحيح) وفق شرعه (أن يجعل ذلك) الجلد ونحوه (له كفّارة لما أصابه) من الذنوب (وتمحية) مصدر محى مشددا للمبالغة أي وكثرة محو (لما اجترم) أي اكتسبه من العيوب وفيه أنه يأباه ظاهر رواية ليس لها بأهل اللهم إلا أن يقال ليس للعقوبة بأهل على جهة الدوام بأن يكون من أهل الإسلام (وَأَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُ لَهُ فِي الدُّنْيَا سَبَبَ العفو) عن تقصيراته (والغفران) لسيئاته في العقبى (كما جاء في الحديث الآخر) مما رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ليلة العقبة بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفي منكم بذلك فأجره على الله (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ) أي فجوزي به (في الدّنيا فهو كفّارة له) وفي نسخة فهو له كفارة أي في العقبى وتمام الحديث ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه (فإن قلت فما معنى حديث الزّبير) أي ابن العوام أحد العشرة المبشرة (وقول النّبيّ) أي وما معنى قوله (صلى الله تعالى عليه وسلم له) أي للزبير (حين تخاصمه) بصيغة المصدر أي وقت تنازعه واختلافه (مع الأنصاريّ) أي المنسوب إلى الأنصار فإنه قيل إنه كان منافقا فهو من نسبهم لا من حسبهم وقيل غير ذلك واختلف في تعيين قائله هنالك (في شراج الحرّة) بكسر الشين المعجمة جمع شرجة وهي مسيل الماء إلى السهل من الحرة وهي موضع من المدينة فيه حجارة سود (اسق) أي حديقتك وهو بكسر همزة الوصل أو بفتح همزة القطع (يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ فَقَالَ لَهُ الأنصاريّ أن) وفي نسخة أنه (كان يا رسول الله ابن عمّتك يا رسول الله) وهو علة لقوله اسق أي حكمت للزبير لأجل أن كان ابن عمتك وهي صفية بنت عبد المطلب وقيل الرواية بمد الهمزة بناء على أنه بهمزتين والثانية ومنهما مبدلة ممدودة وهو وجه من الوجوه في اجتماع الهمزتين للقراء السبعة ورواتهم (فتلوّن) أي فتغير حيث احمر واصفر (وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) غضبا لله وتنزيها لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مما نسب إليه (ثمّ قال اسق يا زبير) أي حديقتك كما ذكر (ثمّ احبس) الماء وامنعه عن غيرها أو اصبر على جريانه (حتّى يبلغ الجدر) أي جدر الحديقة أو أصول الكرم وهو بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وروي بضم أوله جمع جدار وبذال معجمة من جذر الحساب بالفتح أو الكسر أراد به مبلغ تمام التقي استيفاء لحق الزبير رضي الله تعالى عنه (الحديث) بطوله والمقصود حل مشكله (فالجواب أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم منزّه أن) وفي نسخة عن أن (يقع بنفس مسلم) أي في خاطره (منه) أي من جهة أمره عليه الصلاة والسلام (في هذه القصّة) وفي نسخة القصة (أمر يريب) بضم أوله وفتحه أي شيء يوقع في

ص: 361

الريبة والشك والتهمة (ولكنّه صلى الله تعالى عليه وسلم ندب) أي الزبير كما في نسخة أي أمره أمر ندب وإحسان ودعاء (أوّلا) أي في أول أمره حيث أشار (إلى الاقتصار) للزبير (على بعض حقّه على طريق التّوسّط) أي مراعاة الجانبين (والصّلح) الذي هو موجب صلاح العباد وفلاح البلاد (فلمّا لم يرض بذلك الآخر ولجّ) بتشديد الجيم أي وبالغ في طلب الحكم المقرر (وقال ما لا يجب) أي لا ينبغي في ذلك المقر (استوفى) جواب لما أي أخذ (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم للزّبير حقّه) وافيا ثانيا (ولهذا ترجم البخاريّ) أي عنون في صحيحه (على هذا الحديث باب إذا) بالإضافة منصوبا على أنه مفعول ترجم وضبط باب بالرفع منونا فيكون محكيا والنصب محليا أو التقدير هذا باب فيما إذا (أشار الإمام بالصّلح فأبى) أي الخصم به (حكم عليه) بالبناء للمفعول أو الفاعل (بالحكم) أي البين كما في البخاري وتركه المصنف لوضوحه (وذكر) أي البخاري (في آخر الحديث فاستوّعى) أي استوفى كما في نسخة أي استوعب (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حينئذ للزّبير حقّه) ووقع في أصل الحلبي والتلمساني حقه للزبير فقالا فيه تقديم وتأخير أو التقدير استوعى حق الزبير للزبير يعني وقد سبق في الحديث ذكر الزبير فالمرجع موجود وقال الحلبي وكذا في نسخة صحيحة عندي بالبخاري. (وقد جعل المسلمون هذا الحديث) أي حديث الزبير مع الأنصاري (أصلا في قضيّته) أي في مثل حكم الزبير؛ (وفيه) أي وفي الحديث (الاقتداء) أي أخذ الاقتداء والاهتداء (به صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا فَعَلَهُ فِي حال غضبه ورضاه وأنّه) عليه الصلاة والسلام (وإن نهى) فيما رواه الشيخان عن أبي بكرة (أن يقضي القاضي وهو غضبان) جملة حالية أفادت أن غيره من القضاة غير معصوم فلا يقضي حال غضبه بخلافه عليه الصلاة والسلام (فَإِنَّهُ فِي حُكْمِهِ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَالرِّضَى سواء لكونه فيها) أي في الغضب والرضى وفي نسخة فيها أي في حالهما (معصوما) من الخطأ في القضاء، (وغضب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا) أي في أمر الزبير مع خصمه (إِنَّمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِنَفْسِهِ كَمَا جاء في الحديث الصحيح) من أنه لم يكن يغضب لنفسه وإنما كان يغضب لربه هذا ولو صدر مثل هذا الكلام الذي خاطبه عليه الصلاة والسلام به من إنسان اليوم من نسبته عليه الصلاة والسلام إلى هوى وغرض في الأحكام كان ارتدادا عن الإسلام فيجب قتله بشرطه المعتبر عند الإعلام وقد قال العلماء إنما تكره عليه الصلاة والسلام لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس في الكلام ويدفع بالتي هي أحسن في ذلك المقام ويصبر على أذى المنافقين في تلك الأيام وهذا كقول الآخر هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى فإنه نسب الغرض في العطية إليه عليه الصلاة والسلام ولم يأمر بقتله فأقرب أمره أن يكون منافقا أو حديث عهد بجاهلية أو بدويا في غلظة طبعهم وجهالة شأنهم وجفاؤه لسانهم، (وكذلك الحديث) الذي ورد في الحلية لأبي نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (في إقادته) بالقاف من القود أي في قصاصه (عكاشة) يضم العين وتشديد الكاف وتخفف وهو

ص: 362

ابن محصن الأسدي صحابي جليل رضي الله تعالى عنه والمعنى أن يقتص لنفسه (من نفسه) عليه الصلاة والسلام (لم يكن) أي ضربه عليه الصلاة والسلام له (لتعدّ) بتشديد الدال أي لتجاوز حد وفي نسخة صحيحة لتعمد أي لقصد (حمله الغضب عليه) أي على ضربه (بل وقع في الحديث) أي في حديث قود عكاشة (نفسه أن عكاشة قال له) عليه الصلاة والسلام (وضربتني بالقضيب) أي العصا، (فلا أدري أعمدا) كان ضربك لي (أم أردت ضرب النّاقة) فوقع علي (فقال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أعيذك بالله) أي أجعلك في حفظه (يا عكاشة أن يتعمّدك رسول الله) وفي نسخة أن يتعمدك نبيك (صلى الله تعالى عليه وسلم) وحاصل الجواب أنه وقع منه خطأ وهو جواب حسن صواب يصلح أن يكون جوابا عن الإشكال الأول في الحديث الآخر أيضا وهو أيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته بمعنى ضربته أو شتمته سهوا أو خطأ والله تعالى اعلم هذا وفي حاشية الحلبي أن حديث عكاشة في قادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه عليه الصلاة والسلام دفع القضيب إلى عكاشة ليقتص منه ذكره ابن الجوزي في موضوعاته مطولا وقال في آخره هذا حديث موضوع لا محالة كافأ الله تعالى من وضعه وقبح من شين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد والكلام الذي لا يليق بالرسول ولا بالصحابة والمتهم عبد المنعم بن إدريس قال أحمد بن حنبل كان يكذب على وهب وقال يحيى كذاب خبيث وقال ابن المديني وأبو داود ليس بثقة وقال ابن حبان لا يحل الاحتجاج به وقال الدارقطني في ميزانه فيه مشهور قصاص ليس يعتمد عليه تركه غير واحد ثم ذكر كلام أحمد فيه وقال قال البخاري ذاهب الحديث ثم قال وله عن ابيه عن وهب عن جابر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما خبر إقادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طويل وأنه دفع القضيب إلى عكاشة ليقتص منه وقال قال ابن حبان كان يضع الحديث على أبيه وعلى غيره (وكذلك) الكلام (في حديثه الآخر) قال الدلجي لا أعرف من رواه (مع الأعرابيّ) قال الحلبي هذا الأعرابي لا أعرفه (حين طلب عليه الصلاة والسلام الاقتصاص منه) أي من نفسه الشريف للأعرابي؛ (فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد ضربه) أي الأعرابي (بالسّوط لتعلّقه بزمام ناقته) بكسر الزاء أي يخطامها (مرّة بعد أخرى) علة لضربه (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ينهاه) كل مرة عن تعلقه بزمامها (ويقول له تدرك حاجتك وهو يأبى) قبول قوله ذلك (فضربه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ثلاث مرّات) من نهيه وابائه عن قبوله ووقع في أصل الدلجي فضربه ثلاث مرات بعد وقال ظرف غائي قطع عما أضيف هو إليه منويا أي بعد نهيه له وهذا خطأ فاحش لأن الضرب لم يقع ثلاث مرات بل مرة واحدة بعد نهيه ثلاث مرات ثم لا يتوهم أن ضربه له كان انتقاما لنفسه بل كان تأديبا وتشريعا له ولغيره للاجتناب عن مثل ذلك لقبحه، (وهذا) أي ضربه الذي وقع عليه (منه عليه الصلاة والسلام لمن لم يقف عند نهيه) ولم ينزجر بردعه (صواب وموضع أدب) وهما خبران لقوله وهذا وقد وهم الدلجي حيث قال ويروى أنه صواب وموضع أدب

ص: 363

يقتبس منه ويستضاء به، (لكنّه عليه السلام أشفق) أي خاف مقام ربه (إذ كان حظ نفسه) وفي نسخة حق نفسه والجملة تعليلية اعتراضية بين اشفق ومتعلقه أعني (من الأمر) أي لأجل أمر ضربه (حتّى عفا عنه) الأعرابي غاية لطلبه الاقتصاص منه والحاصل أن اقتصاصه إنما كان لكمال خوفه من ربه حيث كان ظاهر ضربه على صورة حظ نفسه مع ما يتضمنه من تعليم أمته عدم المسامحة والمساهلة في حقوق العباد قبل يوم المعاد (وأما حديث سواد) بفتح السين المهملة وتخفيف الواو (ابن عمرو) أي ابن عطية الأنصاري رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وابن سعد وعبد الرزاق في جامعه عن الحسن (أتيت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وقال ابن عبد البر سوادة بزيادة تاء ابن عمرو الأنصاري ويقال سواد بن عمرو وحديثه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أقاده من نفسه روى عنه الحسن ومحمد بن سيرين أنه قال اتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وأنا متخلّق) أي متلطخ بالخلوق من الطيب يقال خلقه تخليقا طيبه فتخلق كما في القاموس (فقال عليه الصلاة والسلام ورس ورس) وهو نبت أصفر يصبغ به ومعناه التهديد في النهي عن لبسه أو تطيبه وكرر للتأكيد كقوله (حطّ حطّ) بضم الحاء وتشديد الطاء المهملتين أي ضع عنك هذا بلبس غيره أو بغسله ويجوز في طائه الحركات الثلاث لأنه أمر مضاعف كمد فيجوز الفتح للخفة والضم للاتباع والكسر للأصل في تحريك الساكن أما قول الحلبي الظاهر إن هذا أمر بالحط وكذا رأيته مضبوطا بحط بإسكان الطاء فسهو قلم منه فإنه إذا كان الأمر بالحط فالإسكان خطأ في الخط هذا وقال التلمساني وروي بسكون سين ورس وفتح طاء حط ساكنين وروي بتنوين السين وسكون الطاء انتهى وخلله مما لا يخفى نعم وجه السكون هو الوقوف ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي أهذا ورس أو بفعل محذوف أي أيفعل ورس يعني يصبغ به ويلبس وأما على التنوين فظاهر إعرابهما قال التلمساني ولعله كان محرما فنهاه عنه لانه لا يلبسه المحرم أقول لبس الأصفر والأحمر مكروه عندنا مطلقا وكذا التطيب بطيب فيه لون لأنه تشبه بالنساء وقال الدلجي الخلوق طيب مركب من زعفران وغيره وقد ورد الخبر بإباحته وبالنهي عنه وهو أكثر والظاهر أنه ناسخ لاباحته لأنه من طيب النساء وهن أكثر استعمالا له (وغشيني) وفي نسخة فغشيني أي فلحقني (بقضيب في يده) أي موقعا ضربه (في بطني فأوجعني) ولعله كان بعد امتناعه عن امتثال الأمر واجتناب النهي ثم رأيت في حاشية الشمني أنه روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه نهى عن الخلوق مرتين أو ثلاثا وأنه رآه متخلقا فطعنه في بطنه بجريدة في يده، (قلت القصاص) بالنصب مفعول لمحذوف نحو اسألك أو أطلب منك (يا رسول الله) ولعله ظن أنه عليه الصلاة والسلام ضربه بغير ما يستحقه من الآثام؛ (فكشف لي عن بطنه) تواضعا لربه وتنزلا مع قومه (إنّما) جواب أما فحقه أن يقول فإنما (كان ضربه إياه) وفي نسخة إنما ضربه النبي عليه الصلاة والسلام (لمنكر رآه به) وفي نسخة رآه عليه وقد نهاه عنه وهو على حاله (وَلَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ بِضَرْبِهِ بِالْقَضِيبِ إِلَّا تَنْبِيهَهُ) بضرب لطيف في مقام

ص: 364