الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان يقول ذلك) أي السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (إذا فرغ من تشهّد وأراد أن يسلّم) أي ليخرج من صلاته (واستحبّ مالك في المبسوط) وفي نسخة في المبسوطة (أن يسلّم بمثل ذلك) أي استحب فيها أن يقال ما رواه ابن عمر (قبل السّلام) أي من صلاته قال الدلجي وليس هذا من مشهور مذهبه (قال محمد ابن مسلمة أراد) أي مالك (ما جاء عن عائشة وابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ عِنْدَ سَلَامِهِمَا السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى عباد الله الصّالحين؛ السّلام عليكم) أي ورحمة الله (واستحبّ أهل العلم أن ينوي الإنسان) أي المصلي إماما أو مأموما أو منفردا (حين سلامه) أي من صلاته عن يمينه ويساره وفي نسخة عند سلامه (كلّ عبد) وفي نسخة على كُلَّ عَبْدٍ (صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنَ الملائكة وبني آدم والجنّ) أي ممن حضره فإن أصحاب أبي حنيفة على أن الإمام ينوي بطرفيه من ثمه من الملك والبشر وكذا المقتدي إلّا أنه ينوي إمامه أيضا في تسليمة واحدة إذا كان في أحد طرفيه وفيهما إذا كان محاذيا والمنفرد ينوي الملك فقط وذكر الدلجي أن أصحاب الشافعي على أن الإمام ينوي بسلامه المقتدين به وهم ينوون بسلامهم الرد عليه وغيره ينوي به من عن يمينه ويساره وهو الرد (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَأُحِبُّ لِلْمَأْمُومِ إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصّالحين السّلام عليكم) قال الدلجي وهذا غريب ليس من مشهور مذهبه ثم اعلم إن مواطن الصلاة عليه تزيد على أربعين موضعا ولعله سبحانه وتعالى إن وفقني على جمعها أجعلها في رسالة مستقلة مع ما ورد فيها من الأدلة.
فصل [في كيفية الصلاة عليه والتسليم]
(في كيفية الصلاة عليه والتسليم) أي بألفاظ وردت عليه الصلاة والسلام وثبتت عند العلماء الأعلام (قال) كذا في نسخة أي المصنف (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ بقراءتي عليه حدّثنا القاضي أبو الأصبغ) بفتح الهمزة والموحدة فغين معجمة عيسى بن سهل (حدثنا أبو عبد الله بن عتّاب) بتشديد الفوقية (حدّثنا أبو بكر بن واقد) بالقاف المكسورة (وغيره) أي من المشايخ (حدّثنا أبو عيسى) المفهوم من كلام الدلجي إنه الإمام الترمذي وهو الظاهر عند إطلاقه وقال الحلبي هو يحيى بن عبد الله بن يحيى بن كثير ووافقه الانطاكي ويؤيده قوله (حدّثنا عبيد الله) قال الحلبي هذا عم أبي عيسى الذي قبله وهو عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي (حدّثنا يحيى) هذا هو يحيى بن يحيى الليثي أحد رواة الموطأ عن مالك (حدّثنا مالك) وهو الإمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حزم) وفي نسخة أبي بكر بن عمرو بن حزم روى عنه السفيانان (عن أبيه عن عمرو بن سليم) بالتصغير (الزّرقيّ) بضم الزاء وفتح الراء مخففة فقاف فياء نسبية أنصاري يروي عن أبي قتادة وأبي هريرة رضي الله تعالى
عنهما وعنه الزهري وطائفة (أنه قال أخبرني أبو حميد) بالتصغير (الساعديّ) منسوب إلى بني ساعدة من الأنصار خزرجي مدني له صحبة بقي إلى حدود ستين (أنهم) أي بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ) وهو مطلق يشمل حال الصلاة وغيرها (فقال قولوا) ربما يستدل به على فريضة الصلاة عليه في الصلاة لأن الأصل في الأمر الوجوب والإجماع على عدم وجوبها في غير الصلاة ولعل الجمهور حملوه على الاستحباب مطلقا إلّا إنها في الصلاة آكد والله أعلم (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صلّيت على آل إبراهيم) قيل الآل مقحمة وقيل المراد آل إبراهيم معه والتشبيه من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر لا من باب إلحاق الناقص بالكمال فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم أكمل الخلق فالصلاة المطلوبة له من الحق محمولة على الأفضل فالمعنى صل عليه صلاة مشهورة كشهرة صلاة الملائكة على إبراهيم لقوله تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وقد ورد في بعض طرق الحديث زيادة إنك حميد مجيد (وبارك) وفي رواية اللهم بارك (على محمّد) أي اثبت وأدم ما منحته إليه وأنعمته عليه (وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنّك حميد) أي محمود بذاتك وصفاتك سواء حمدت أو لم تحمد على لسان مخلوقاتك أو حامد بكلماتك على ما أظهرت من آلائك في مصنوعاتك فهو الحامد والمحمود سبحانه وتعالى لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وأسنده إليه بنحو قوله فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (مجيد) أي كريم كثير الإحسان عظيم كبير الامتنان والحديث قد أخرجه القاضي من موطأ يحيى بن يحيى كما ترى وقد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم عن مالك به فإن قيل لم عدل عن أخراجه من الكتب والمذكورة فالجواب أنه يقع له من الموطأ أعلى لأن بينه وبين مالك فيه ستة أشخاص من غير إجازة في الطريق (وفي رواية مالك) أي في الموطأ (عن أبي مسعود الأنصاري) رضي الله تعالى عنه أي البدري لنزوله بدرا وقيل لحضوره إياه وأبو مسعود هذا هو عقبة بن عمر وقد تقدم (قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله) أي آل محمد (كما صلّيت على آل إبراهيم) وهو صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا من أشرف آله فتكون الصلاة مضاعفة عليه في حاله وإذا دخل في الآل يرتفع ما سبق في التشبيه من الإشكال والله أعلم بالحال. واعلم أنه استشكل هذا الحديث بناء على القاعدة الأغلبية من أن المشبه به يكون أفضل من المشبه فقبل إن ذلك كان قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم عليهما السلام وقيل صدر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم تواضعا عند ربه أو هضما لنفسه أو تأدبا مع جده وقيل سأل صلاة يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وهذا لا يتم إلا بما قيل من أنه أراد المشابهة في أصل الصلاة لا قدرها كما في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وقيل التشبيه وقع في الصلاة على الآل والكلام تم عند قوله صل على محمد وقوله وعلى آل محمد كلام مستأنف
والمعنى وصل على آل محمد كما صليت ويحكى هذا عن الشافعي لكن تكلفه لا يخفى وقيل هو على ظاهره والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة كصلاة إبراهيم وآله فالمسؤول مقابلة الجملة بالجملة لأن المختار من القول في الآل إنهم جميع الأتباع فيدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء وكذا ذكره الانطاكي ولا يحتاج إلى تفسير الآل بالاتباع لأن الأنبياء عليهم السلام بعد إبراهيم كلهم من ذريته فأنبياء بني اسرائيل من نسل إسحاق ونبينا من نسل إسماعيل فهو صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة آله فآله باعتبار هذا المعنى ومآله أعظم والله أعلم (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حميد) أي في جميع الأحوال (مجيد) أي كثير البر والنوال (والسّلام كما قد علّمتم) بكسر لام مخففة مع فتح أوله أو مشددة مع ضم أوله أي كما عرفتم في التشهد (وفي رواية كعب بن عجرة) بضم مهملة وسكون جيم وهو من أصحاب الشجرة روى عنه الشعبي وابن سيرين وغيرهما مات سنة إحدى وخمسين والحديث رواه الأئمة الستة عنه مرفوعا (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صلّيت على إبراهيم) وفي نسخة على آل إِبْرَاهِيمَ (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد) أي مبالغ في المجد والشرف والكرم وعن علي كرم الله وجهه أما نحن بنو هاشم فأنجاد أمجاد أي أشراف كرام (وعن عقبة بن عمرو) أي كما رواه مسلم وغيره عنه مرفوعا (فِي حَدِيثِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأمّيّ) أي الذي على أصل خلقته لم يتعلم قراءة ولا كتابة بعد ولادته فيكون ظهور كمال علمه من خوارق عاداته (وعلى آل محمد) قال الشافعي رحمه الله هم من حرمت عليهم الزكاة قال الدلجي ويؤيده قول الحسين بن علي إنا آل محمد لا نأكل أو لا يحل لنا الصدقة والأظهر أن المراد جميع أقاربه وأهل بيته وقيل أزواجه وذريته أو جميع أمته ورجحه النووي في شرح المهذب وقيده القاضي حسين بالأتقياء منهم في حديث البخاري وربما يقال أمة الإجابة كلهم اتقياء فإن التقوى ترك الشرك وقد ورد كل تقي آلى نعم على قدر مراتب التقوى تحصل المشاركة في المقام الأعلى (وفي رواية أبي سعيد الخدريّ) رضي الله تعالى عنه (اللهمّ صلّ على محمد عبدك) أي الأكمل (ورسولك) أي الأفضل فالإضافة للتعظيم والتكريم أو للعهد المخرج توهم التعميم وفيه إيماء إلى الاعتراف بالعبودية والتحدث بنعمة رسالة الربوبية (وذكر معناه) أي معنى الحديث ومبناه ويروى وذكر بمعناه (وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ سَمَاعًا عليه وأبو عليّ الحسن بن طريف) بفتح مهملة (النّحويّ) أي المنسوب إلى النحو لمهارته في علمه وشهرته في فنه (بقراءتي عليه قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حدثنا (أبو عبد الله بن سعدون) بفتح سين وضم دال مهملتين ممنوع وقيل مصروف (الفقيه) أي العالم بالفقه (حدّثنا أبو بكر المطّوعيّ) بفتح الواو مشددة (قال حدّثنا أبو عبد الله الحاكم) أي النيسابوري شيخ أهل الحديث في عصره وصاحب التصانيف في دهره ولد سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة في ربيع الأول وطلب من صغره الحديث باعتناء أبيه وخاله فسمع سنة
ثلاثين وثلاثمائة ورحل إلى العراق وهو ابن عشرين وحج ثم جال في خراسان وما وراء النهر وسمع من ألفي شيخ تقريبا وفي مستدركه أحاديث ضعيفة وموضوعة أيضا لا يخفى بطلانها على من له معرفة بها وقد وثق جماعة قد ضعفهم هو في مواضع أخر وذكر أنه تبين جرحهم بالدليل توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة (عن أبي بكر بن أبي دارم) بكسر الراء (الحافظ) أي السبيعي التميمي محدث الكوفة سمع إبراهيم بن عبد الله بن القصّار وأحمد بن موسى الحمار وغيرهما روى عنه الحاكم وتكلم فيه أبو بكر بن مردويه وآخرون وكان موصوفا بالحفظ لكن كان يترفض واتهم بالكذب توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة (عن عليّ بن أحمد العجليّ) بكسر مهملة وسكون جيم (عن حرب) بالموحدة وفي نسخة حارث بالمثلثة (ابن الحسن) وهو الطحان قال الأزدي ليس حديثه بذاك قاله في الميزان قال الحلبي لكن ذكره ابن حبان في ثقاته (عن يحيى بن المساور) بضم الميم وكسر الواو قال الذهبي فيه عن جعفر الصادق قال الأزدي كذاب (عن عمرو بن خالد) هو أبو خالد القرشي مولى بني هاشم كوفي نزل واسط يروي عن حبيب بن أبي ثابت وزيد بن علي وأبي جعفر الباقر وجماعة وعنه حجاج بن أرطأة وإسرائيل وإسماعيل بن أبي عياش وخلق كذاب له ترجمة قبحة في الميزان (عن زيد بن علي بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وهو أبو الحسين العلوي المدني أخو محمد الباقر وعبد الله وعمر وعلي وحسين روى عن أبيه وأبان بن عثمان وعروة بن الزبير وغيرهم وعنه الزهري وزكريا بن أبي زائدة وشعبة وعمرو بن خالد وخلق ذكره ابن حبان في الثقات وقال رأي جماعة من الصحابة استشهد سنة اثنتين وعشرين ومائة (عن أبيه عليّ) أبوه عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب زين العابدين يروي عن أبيه وعائشة وأبي هريرة وجمع وعنه بنوه محمد وزيد وعمر والزهري وأبو الزناد وخلق قال الزهري ما رأيت قريشا أفضل منه ثقة مأمون (عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب قال) أي علي (عدّهنّ) أي الكلمات الآتية فالضمير مبهم مفسر بما بعده (في يدي) وفي نسخة بصيغة التثنية (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) مرفوع على أنه فاعل عد (وقال) أي النبي عليه الصلاة والسلام (عدّهنّ في يدي جبريل وقال هكذا) أي الكلمات المعدودة (نزلت) بتسكين تاء التأنيث وفي نسخة نزلت بهن (مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آل إبراهيم) وفي نسخة ربنا أي ربنا (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) وهذا المقدار تقدم أنه صحيح رواه أصحاب الكتب الستة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم (اللهمّ وترحّم) بتشديد الحاء على صيغة الدعاء أي أظهر الرحمة الوافية والرأفة الكافية (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيد اللهم وتحنن) أي أظهر الحنان وهو على ما في القاموس كسحاب الرحمة والرزق والبركة والوقار والهيبة ورقة القلب والحنان كشداد من اسمائه سبحانه وتعالى ومعناه الذي يقبل على
من أعرض عنه فلا يبعد أن يقال المعنى على قصد التجريد في المبنى اللهم وأقبل (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ وَتَحَنَّنْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَحَنَّنْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد) قال الحلبي هذا الحديث مسلسل وقد رويته عن غير واحد مسلسلا وقال الدلجي ما أورده المصنف هنا عن أبي عبد الله الحاكم فقد قال النميري إسناده ذاهب وفيه عمرو بن خالد الواسطي وهو متروك لوضعه على أهل البيت وفيه حرب بن الحسين الطائي ويحيى بن المساور وهما مجهولان قلت غايته أن الحديث ضعيف وقد أجمع العلماء على أنه يعمل به في فضائل الأعمال (وعن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه أي برواية أبي داود عنه (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من سرّه) أي أعجبه (أن يكتال) بفتح الياء وروي بضمها أي يأخذ الأجر الأعلى (بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) بالنصب على المدح أو بتقدير يعني وفي نسخة بالجر على أنه بدل من الضمير في علينا (فليقل) أي صلاته أو في جميع حالاته (اللهمّ صلّ على محمد النبيّ) أي الموصوف بالرسالة (وأزواجه أمّهات المؤمنين) إيماء إلى قوله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ (وذرّيّته) أي أولاده وحفدته (وأهل بيته) أي أقاربه وهو تعميم بعد تخصيص مشيرا إلى قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (كما صلّيت على آل إبراهيم) أي بقولك رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ولهذا ختم بقوله (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ خارجة الأنصاريّ) وهو الخزرجي الحارثي المتكلم بعد الموت على الصحيح وقيل هو أبوه وذلك وهم لأنه قتل يوم أحد وهذا تكلم في زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال ابن منده شهد بدرا والحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس عنه (سألت النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَقَالَ صَلُّوا) أي الصلاة بشرائطها وأركانها وسننها (واجتهدوا في الدّعاء) أي بعد التحريمة وفي الركوع والسجود وفي آخر الصلاة (ثمّ قولوا) أي وقولوا وعبر بثم للترقي أو للتراخي في الأخبار ولا يبعد أن يراد بالاجتهاد في الدعاء المبالغة في الثناء بالتحيات الواردة عن سيد الأنبياء ثم قولوا بعد السلام المندرج في ضمن التحيات قبل السلام الصارف عن الصلاة (اللهمّ بارك) أي أكثر الصلاة والرحمة (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم إنّك حميد مجيد) وفي الحديث دليل على أنه يجوز الاكتفاء بهذا اللفظ الوارد وإن كان ما سبق أفضل وأكمل فتأمل (وعن سلامة الكنديّ) بكسر الكاف ذكره ابن حبان في الثقات (كان عليّ) رضي الله تعالى عنه (يعلّمنا) وفي رواية يعلم الناس (الصّلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لداخل الصلاة وخارجها وهو موقوف وقد صح سنده قال الدلجي لكن أعل وإن صحح سنده بأن روايته عنه مرسلة إذ لم يدركه انتهى وهو مردود بما ذكره ابن حبان أنه روى عن علي وروى عنه نوح بن قيس الطاحي انتهى ومثل هذا لا يقال في الإرسال ثم رأيت قال الشيخ ابن كثير في تفسيره روينا من طريق سعيد بن منصور
وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون ثلاثتهم عن نوح بن قيس حدثنا سلامة الكندي أن عليا كان يعلم الناس (اللهمّ داحي المدحوّات) بتشديد الواو وفي رواية المدحيات بتشديد التحتية فيهما اسما مفعول من دحا يدحو ويدحي أي يا باسط المبسوطات كالأرض إذ خلقها ربوة ثم دحاها أي بسطها ومدها مد الأديم قال تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ وفي الآيتين رد على أهل الهيئة القائلة بغير هذه الكيفية من الكرة المخالفة للأدلة النقلية بمجرد التوهمات العقلية (وبارىء المسموكات) من برأ الشيء أي خلقه بريئا من التفاوت قال تعالى ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ وفي قراءة من تفوت أي نقصان وزيادة وقصور في مادة أي خالق المرفوعات من سمكه إذا رفعه كالسموات فإنها مرتفعة عن السفليات مسيرة خمسمائة عام كما ثبت في الروايات وروي سامك المسموكات أي رافعها وما أحسن المناسبة بين الفقرتين فإن معنى الأولى واضعها وخافضها كما قال تعالى وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وفي العبارة ترق في الكلام وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى يرفع قوما ويضع آخرين كما تقتضيه اسماؤه الجمالية وصفاته الجلالية (اجعل شرائف صلواتك) أي خيارها وارفعها قدرا وأتمها نورا قيل للأعمش لم لم تستكثر من الرواية عن الشعبي فقال كان يحقرني كنت آتي مع إبراهيم النخعي فيرحب به ويقول لي اقعد ثمه أيها العبد ثم يقول
لا يرفع العبد فوق سنته
…
ما دام فينا بأرضنا شرف
ولعله كان يعمل بما روي نزل الناس على قدر منازلهم فلا يكون تحقيرا له (ونوامي بركاتك) الإضافة فيها وفيما قبلها من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي بركاتك النامية الزاكية الدائمة في الزيادة الكافية الوافية (ورأفة تحنّنك) أي اجعل رأفة تنشأ من تحيتك والرأفة أشد الرحمة وفي نسخة تحننك بتاء فوقية فمهملة فنونين أي رحمتك ومنه قوله تعالى وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا أي واجعل أشد تعطفك وترحمك (على محمد عبدك ورسولك) أي الجامع لوظيفة العبودية والقيام بحق الربوبية (الفاتح لما أغلق) بصيغة المجهول أي المبين لمشكلات الأمور قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فهو فاتح لما عسر من أبواب كنوز المبرات وأسباب رموز المسرات إذ قد فتح بإقامة الحجة وإشاعة المحجة أبواب الهداية وأسباب الرعاية المانعة عن الوقوع في الغواية وفي الحديث أوتيت مفاتيح خزائن السموات والأرض وكأنه أراد ما سهله الله تعالى له ولأمته من فتح البلاد وإخراج كنوزها للعباد وفي حديث آخر أوتيت مفاتيح الكلام أي ما منحه الله تعالى من البلاغة والبراعة والفصاحة والنصاعة بالوصول إلى حقائق المباني ودقائق المعاني مما أغلق على غيره من الخلق أجمعين (والخاتم) بكسر التاء وفتحها (لما سبق) أي من النبين والمرسلين وفيه تلويح إلى قوله تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ولا يبعد أن يراد بالفاتح الإسناد المجازي مشيرا إلى أنه الذي أفتتح به الوجودات وابتدىء به الكائنات كما قال أول ما خلق الله روحي أو نوري أو لأنه كالعلة الغائية في ظهور
المراتب الاسمائية كما ورد لولاك لما خلقت الأفلاك وكما قال تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وهو الأكمل في مقام العبادة وحالة العبودية (والمعلن الحقّ) بالجر على الإضافة وبالنصب على المفعولية بنزع الخافض أي المظهر لأمر الحق (بالحق) أي بطريق الصدق وليس المراد بهما معنى واحد حتى يصح للدلجي أن يقول وضعه موضعه ضميره قصدا لزيادة تمكينه وتلويحا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يعلن إلا به نعم يمكن أن يراد بالحق اسمه تعالى فالمعنى أنه مظهر للحق بمعاونة الحق إيماء إلى مقام الجمع من ملاحظة فنائه ويقائه (والدّامغ لجيشات الأباطيل) جمع جيشة وهو المرة من جاش إذا فار وارتفع والأباطيل جمع باطل على غير قياس وفي نسخة الأباطل بلا ياء وأصل الدمغ اصابة الدماغ وهو مقتل والمراد به هنا الدفع ومنه قوله تعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ أي القامع لظهورها والدافع لشرورها (كما حمل) بضم الحاء وتشديد الميم المكسورة وهو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الحال من وصفه صلى الله تعالى عليه وسلم بما ذكر من الكمال مثل حال وصفه بما حمله من أعباء الرسالة وأثقال النبوة (فاضطلع) بالضاد المعجمة افتعال من الضلاعة وهي القوة ومنها الاضلاع أي فقوي على ما حمله ونهض (بأمرك) أي بإذنك وتيسيرك وإعانتك إياه عليه وتوفيقك له أو فقام بمأمورك الذي كلفته حمله (لطاعتك) أي لأجلها أو ممتثلا لها وفي نسخة صحيحة بطاعتك فالباء للسببية فتشارك اللام في معناها (مستوفزا) بكسر الفا بعدها زاء أي منتصبا ناهضا أو قائما مستعجلا (في مرضاتك) أي لطلب ما فيه رضاك أو في تحصيل مرضاتك وزاد الدلجي في أصله بغير نكل في قدم بضم نون وسكون كاف وكسر قاف وسكون دال من نكل به إذا جعله عبرة لغيره ومنه قوله تعالى فَجَعَلْناها نَكالًا والمعنى بغير جبن في إقدام ولا وهن في عزم أي ولا ضعف في أمر حزم وحكم حتم وجزم وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر متى توتر قال أول الليل وقال لعمر متى توتر قال آخر الليل فقال لأبي بكر أخذت بالحزم ولعمر أخذت بالعزم ولا خير في عزم بلا حزم وأما قول المصنف (واعيا لوحيك) فهو من وعى يعي وعيا إذا حفظ وفهم ومنه قوله تعالى أُذُنٌ واعِيَةٌ
ويقال للإناء الوعاء لحفظه ما فيه من نحو الماء أي مراعيا لما أوحيته إليه وفاهما لما بينته لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (حافظا لعهدك) أي الذي عاهدك عليه من الإيمان بألوهيتك والإقرار بوحدانيتك والإخلاص في عبوديتك والقيام بحق رسالتك وفي هذا تلويح إلى قوله عليه الصلاة والسلام وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي مقيم عليهما ومتمسك بهما مدة استطاعتي وحالة طاقتي لعجزي عن بلوغ كنه ما أوجبته على من أطاعني في عبادتي وطاعتي أو عن دفع ما قضيته علي في سابق قضائك أي إن كنت قضيت علي أن انقض العهد وقتا ما فإني أتنصل منه معتذرا إليك (ماضيا) أي جاريا ومستمرا أو مقدما (على نفاذ أمرك) بالذال المعجمة على امضائه ترغيبا إليك وترهيبا لما لديك (حتّى أورى قبسا) من أوريت الزند إذا قدحته فأخرجت ناره والقبس بفتحتين ما اقتبس
أي أخذ من النار فهو شعلة منها ومنه قوله تعالى بِشِهابٍ قَبَسٍ واستعير النار هنا للنور والجملة غاية لما قبلها أي لم يزل مجاهدا في إبلاغ ما أمر به مرغبا في موافقته مرهبا من مخالفته حتى أظهر دينا بينا كالقبس نورا نيرا (لقابس) أي لطالب النور الموجب للحضور والسرور (آلاء الله) بالرفع مبتدأ أي نعمه (تصل بأهله أسبابه) بالنصب أي وسائله التي قدرها وذرائعه التي قررها وفي اللوح المحفوظ حررها وفي أصل الدلجي لقابس آلاء الله بالإضافة أي لمبتغي سوابغ نعمه ومواهب كرمه تصل بأهله أي بأهل القبس يعني بالمبتغين له أسبابه بالرفع أي وسائله الموصلة إليه من العناية وتوفيق الهداية من البداية إلى النهاية مما به الفوز أبدا معاشا ومعادا (به) أي به عليه الصلاة والسلام (هديت القلوب) بصيغة المفعول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي قلوب أهل الإسلام من بين الأنام فانقادت مذعنة لقبول الأحكام (بعد خوضات الفتن والآثام) أي بعد دخول القلوب في ميدان فتن الأيام وشروعها في مهاوي المعاصي أو الآثام (وأبهج) أي عين وبين (موضحات الأعلام) وسقط في أصل الدلجي لفظ وانهج فقال موضحات متعلق بهديت والأصل إلى موضحات فحذف الجار وأوصل الفعل أقول وعلى تقدير صحة ترك وانهج لا يبعد أن يقال المعنى حال كون تلك القلوب مبينات أعلام الغيوب وقال الأنطاكي هو بفتح الضاد على بناء المفعول أي فأصبحت القلوب بما رزقت من الهداية به عليه الصلاة والسلام منشورات الأعلام انتهى ولا يخفى أن ما قدمناه أولى وأنسب بقوله (ونائرات الأحكام) من نار لازما بمعنى ظهر أي واضحاتها وبيناتها وقول الحلبي نايرات بالنون أوله ومثناة تحتية بعد الألف محمول على ما قبل الاعلال وإلا فيقرأ بالهمزة فلا إشكال (ومنيرات الإسلام) من أنار متعديا أي ومظهرات أحكامه ورافعات أعلامه (فهو) بضم الهاء واسكانها لغتان مشهورتان وقراءتان متواترتان والضمير راجع إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (أمينك المأمون) أي حافظ دينك وعهدك الذي ائتمنته عليه وفوضت أمر بيانه إليه (وخازن علمك المخزون) أي وسائر ما استودعته من أسرار الربوبية التي تعجز عن إدراكها عامة أرباب العبودية كما قيل صدور الأحرار قبور الأسرار (وشهيدك) أي الشاهد عندك للأنبياء والأصفياء وعلى أممهم الأشقياء (يوم الدين) أي يوم الجزاء وفصل القضاء قال تَعَالَى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً فقيل المراد بالإشارة إلى هؤلاء أمته من العلماء والأولياء وهم شهداء على أمم سائر الأنبياء ويدل عليه قوله تَعَالَى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ولا منع من الجمع بين الشهادة للأصل والفرع (وبعيثك) أي مبعوثك الذي بعثته أي أرسلته (نعمة) أي للمؤمنين أي هداية ودلالة للكافرين (ورسولك بالحقّ) أي إلى الحق (رحمة) أي للعالمين لمن آمن في الدنيا والآخرة ولمن كفر في الدنيا لا في العقبى (اللهمّ أفسح له) أي وسع لأجله المقام الأعلى (في عدنك) أي في جنة عدنك ودار كرامتك فعدن علم لمعنى العدن وهو الإقامة من عدن بالمكان إذا أقام به ولم يبرح منه سمى بها جنتها لعلاقة الظرفية
قيل عدن اسم جنة من جملة الجنان فهو في الجنان كآدم في نوع الإنسان والصحيح أنه اسم لجملة الجنان فكلها جنات عدن قال تعالى جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ وقال جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وقال وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وجَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ والاشتقاق أيضا يدل على أنه أعم والله أعلم ويروى في عدتك ولعله بكسر العين وتخفيف الدال بمعنى وعدك أي في موضعه ومحله (واجزه) بهمزة وصل وسكون جيم فزاء مكسورة ومنه قوله تعالى وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً وهذا هو الأصل المطابق للرواية الموافق للدراية وكأنه تصحف على الدلجي حيث لم يذكر هذا الوجه الوجيه وقال يجوز أن يكون بهمزة قطع وجيم مكسورة وزاء من أجازه إذا أعطاه انتهى ولا يوجد في القاموس هذا المعنى ثم قال ويجوز أن يكون بوصل وجيم مضمومة وراء أي أعطه أجره فيه أنه لا يتعدى إلى مفعولين ويجوز في مضارعه الكسر والضم ويجوز قطع همزه ممدودا مع كسر جيمه يقال أجره يأجره ويأجره جزاء كآجره فيرجع إلى معنى الأول فتأمل ثم رأيت الحلبي قال في النسخة المذكورة بفتح الهمزة ثم جيم ساكنة ثم بالزاء المكسورة والصواب بوصل الهمزة انتهى وبه تبين خطأ الأنطاكي حيث قال هو بهمزة مفتوحة مقطوعة وقوله (مضاعفات الخير) أي أنواع الخير المضاعفة أضعافا كثيرة (من فضلك) إذ لا يجب عليك شيء من عندك (مهنّئات) بكسر النون المشددة وفي نسخة بفتحها وهو حال من مضاعفات من هنأني الطعام يهنأني إذا ساغ بلا تنغيص وكل ما أتاك بلا تعب كذا ذكره الدلجي وهو توهم أنه من الثلاثي المجرد وليس كذلك بل هو من باب التفعل (غير مكدّرات) بكسر الدال المشددة وفتحها صفة لمهنئات أي غير منغصات (من فوز ثوابك) بالزاء أي من أجل الظفر بأجرك (المحلول) أي الذي يحل فيه وفسر بالمنول وتصحف الفوز على الدلجي فقال من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة أي من سريع فضلك الذي لا بطء فيه (وجزيل عطائك) أي كثيره (المعلول) مأخوذ من العلل بفتحتين وهو الشرب ثانيا بعد النهل بفتحتين وهو الشرب أولا وقد وهم الدلجي حيث قال في الأول بفتحات ثلاث وفي الثاني بثلاث فتحات والمعنى عطاؤك المضاعف تعل به عبادك مرة بعد مرة أخرى فشبه وافر عطائه بمنهل عذب يرده العطاش ومنه قول كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه.
[كأنه منهل بالراح معلول](اللهمّ أعل) بفتح الهمزة وكسر اللام أمر من الاعلاء وفي نسخة عل بفتح العين وتشديد المكسورة أمر من التعلية أي ارفع (على بناء النّاس) وفي رواية على بناء البانين جمع بان اسم فاعل من بنى يبني بناء بالكسر (بناءه) والمعنى ارفع على عمل العاملين عمله أو على منازلهم في الجنة منزله أو اعل بناء دينه على بناء أديان سائر الناس فيكون إيماء إلى قوله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي ليعليه ويغلبه وفي نسخة بالمثلثة المفتوحة في الموضعين
بدل الموحدة المكسورة وقال الدلجي أو أطل على ذواتهم ذاته حتى لا يطوله أحد بشهادة قول سليمان عليه السلام من هدم بناء ربه تبارك وتعالى فهو ملعون يعني من قتل إنسانا ظلما من حيث إن أصل البناء ضم شيء إلى شيء وهو أجزاء خلقها الله تعالى مضموما بعضها إلى بعض مركبة فشبه بالبناء لذلك انتهى ولا يخفى أن هذا الدعاء إنما يناسب في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه كان لا يكتنفه طويلان إلا طالهما مع أنه كان ربعة أقرب إلى الطول في سائر أحواله المناسب إلى التوسط في اعتداله اللهم إلا أن يقال المراد بإطالة ذاته بقاء جسده الشريف بعد مماته على ما كان عليه مدة حياته فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام ويلائمه قوله (وأكرم مثواه لديك) أي منزله ومأواه عندك (ونزله) بضمتين ويسكن الزاء أي أجره وثوابه وجزاءه وهو في الأصل الطعام المهيأ للضيف (وأتمّ) بتشديد الميم المفتوحة وفي نسخة وأتمم (له نوره) أي الذي سألك أن تجعله في قلبه وبصره وسمعه وعن يمينه وعن شماله ليتحلى بأنوار المعارف ويتجلى بأسرار العوارف وفي الحديث تلميح إلى قوله تعالى رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا (واجره) بفتح الهمزة وسكون الجيم فراء أي جزاءه الذي يوجب سروره قال الحلبي الأجر معروف وهو منصوب معطوف على ما قبله من قوله نوره والمفهوم من قول الدلجي وأجزه الجزاء الأوفى أنه تصحف عليه الراء وأنه جعله أمرا معطوفا على أكرم أو أتم وكأنه تبع الحجازي في قوله ويروى واجزه بهمزة وصل من الجزاء (من ابتعاثك) مصدر من باب الانفعال من البعث أي من بعثك إياه وفي نسخة من الافتعال والجار متعلق بأكرم وهو أنسب أو بأتم وهو أقرب والمعنى لأجل اقامتك إياه من قبره (له مقبول الشّهادة) أي تزكية لأمته إذا شهدوا للأنبياء أنهم قد بلغوا أممهم الرسالة بعد ما جحدوا تبليغهم أي إياهم يوم القيامة ونصبه على الحال من ضمير له أو على المفعولية وكذا قوله (ومرضيّ المقالة) أي مقبول الشفاعة (ذا منطق عدل) مصدر سمي به فوضع موضع عادل مبالغة في جعل منطقه عدلا أي ذا منطق مستقيم وذا كلام قويم ووهم الدلجي حيث قال مبالغة في جعل نفسه عدلا فإنه لو أريد به هذا المعنى لنصب عدل في المبنى كما لا يخفى (وخطّة فصل) أي وذا خطة فصل والخطة بضم المعجمة وتشديد المهملة الأمر والحال والقصة والفصل والقطع أو الفرق أو بمعنى الفاصل أي ذا حالة رشد وهداية واستقامة والمعنى إذا ألم به خطب عظيم وأمر مشكل جسيم فصله برأي قويم وفي حديث الحديبية لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها (وبرهان عظيم) أي وذا دليل واضح وبيان قاطع عظيم في ميدان البيان بحيث يصير الشيء الغائب كالأمر العيان (وعنه) أي وعن علي كرم الله وجهه (أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي في جملة الفاظها الواردة عنه كرم الله وجهه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)[الْأَحْزَابِ: 56] أي فنحن أولى بذلك (الآية) يعني يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً يعني لا سيما وقد أمرنا بذلك تصريحا بعد ما أشير إليه تلويحا فيجب علينا أداء إجابته والقيام بحق
إطاعته بأن نقول (لبّيك) أي اقمنا مرة بعد أخرى بخدمتك ودمنا بحضرتك (اللهمّ) أي يا الله أمنا برحمتك وأقصدنا بمنتك ونعمتك (ربّي) أي يا ربي (وسعديك) أي نساعد عبادتك مساعدة بعد مساعدة في طاعتك (صلوات الله البرّ) بفتح الموحدة وتشديد الراء وهو أبلغ من البار ولذا لم يرد في أسمائه ومعناه كثير البر بعباده المؤمنين من أولي البر وفي الحديث تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة أي عليكم مشفقة كالوالدة البرة بولدها البار يعني أن منها خلقكم وفيها معاشكم ومنها بعد الموت معادكم وقد قيل البر أبر بأهله وقال تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً وأما البحر فإنه يغرق أهله ولا يفرق حزنه وسهله وقد ورد البحر من جهنم رواه الحاكم والبيهقي عن يعلى بن أمية (الرّحيم) أي كثير الرحمة بالمؤمنين وكبير العناية بالمحسنين (والملائكة المقرّبين) أي وصلواتهم (والنّبيّين) وهم أعم من المرسلين (والصّدّيقين) أي العلماء العاملين (والشّهداء والصّالحين) أي القائمين بحقوق الله تعالى وبحقوق الخلق أجمعين (وما سبّح لك من شيء) أي وصلوات جميع الأشياء فهذا تعميم بعد تخصيص كقوله سبحانه وتعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فما موصولة معطوفة على ما قبلها ومن بيانية لها وفي نسخة بدون العاطفة فما مصدرية ومن زائدة أي صلواتهم دائمة مستمرة مدة تسبيح شيء لك أي ما دام يسبحك شيء (يا ربّ العالمين) أي مربيهم ومدبر أمورهم (عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ) بكسر التاء وفتحها (وسيّد المرسلين) لكونهم تحت لوائه يوم الدين (وإمام المتّقين) أي من أرباب اليقين (ورسول ربّ العالمين) أي إلى كافة الخلق أجمعين (الشّاهد) أي للأنبياء (البشير) للأولياء (الدّاعي إليك بإذنك) أي بأمرك وتيسيرك (السّراج المنير) أي من أبصر بنوره ذو العماية واستبصر بظهوره ذو الغواية (وعليه السّلام) أي مما يغشى غيره من الملام وسوء المقام ومن دعائه عليه الصلاة والسلام إذا دخل رمضان اللهم سلمني من رمضان وسلمه لي وسلمني منه أي لا يغشاني فيه ما يحول بيني وبين صومه وسلمه لي أي حذرا من أن يغم علي الهلال أوله وآخره فيلتبس علي صوما وفطرا وسلمني منه أي بعصمتي فيه (وعن عبد الله بن مسعود) كما رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان (اللهمّ اجعل صلواتك) أي اجناسها (وبركاتك) أي أنواعها (ورحمتك) أي الخاصة (عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ محمد عبدك ورسولك إمام الخير) أي الكثير على الأمة (ورسول الرّحمة) أي على الكافة (اللهمّ ابعثه مقاما) نصبه على الظرفية أي مقاما عظيما وهو المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون بالشفاعة الكبرى والصغرى لقوله عليه الصلاة والسلام هو المقام الذي اشفع فيه لأمتي ولا يبعد أن يراد بأمته جماعته المحتاجة إلى شفاعته وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مقاما يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطي وتشفع فتشفع ليس أحد إلا تحت لوائك وعن حذيفة يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيقول لبيك وسعديك والشر ليس
إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وَإِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت فهذا معنى قوله تَعَالَى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (يغبطه) بكسر الموحدة أي يتمنى مثل مقامه (فيه الأوّلون والآخرون) وفي الحديث هل يضر الغبط قال لا إلا كما يضر العضاة الخبط أي يخبط ورقها دون قطعها والمقصود أن الغابط كالخابط ينتفع بالمغبوط والمخبوط من غير أن يحصل هناك ضرر لأحد منهما (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) أي من الأنبياء من ذريته (إنّك حميد مجيد) وقد سبق تحقيق مبناه وتدقيق معناه (وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يشرب بالكأس الأوفى) أي بالحظ الأعلى (من حوض المصطفى) أي من بحر شرعه المرتضى في الدنيا ومن نهر كوثره في العقبى (فليقل) أي دائما أو كثيرا بالقلب الأصفى (اللهمّ صلّ على محمد وعلى آله) أي من يؤول إليه أمره ويعظم لديه قدره وهو يحتمل التعميم والتخصيص ويروى وعلى آل محمد (وأصحابه) أي من أدرك جمال صحبته وتشرف برؤية طلعته (وأولاده) أي الشاملة لبناته وأحفاده (وأزواجه) أي زوجاته وسرياته (وذرّيّته) ولو كان بواسطة كثيرة في نسبته (وأهل بيته) أي المتناول لمواليه وخدمه (وأصهاره) أي من بينه وبينه مصاهرة كالشيخين والختنين (وأنصاره) أي من المهاجرين والأنصار (وأشياعه) أي أتباعه من أهل القرى والأمصار (ومحبّيه) أي من العلماء الأخيار والصلحاء الأبرار (وأمّته) أي الداخل فيهم المؤمنون الفجار (وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ أَجْمَعِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَعَنْ طاوس عن ابن عبّاس) في رواية عبد بن حميد وعبد الرزاق بسند جيد وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ تقبّل شفاعة محمد الكبرى) أي العظمى وهي التي يفصل القضاء بين أهل الموقف بما يستحقون من الجزاء (وارفع درجته العليا) أي مرتبته العالية ومنزلته الغالية (وآته سؤله) أي أعطه مسؤوله (في الآخرة والأولى) أي الدنيا وسميت أولى لتقدمها على الأخرى (كما آتيت إبراهيم وموسى وعن وهيب) بالتصغير وفي نسخة وهب (بن الورد) وهو عبد الوهاب المكي الزاهد يروي عن حميد بن قيس وجماعة وعنه عبد الرزاق وطائفة ثقة حجة (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أَعْطِ محمدا أفضل ما سألك لنفسه) أي من الخيرات (وَأَعْطِ مُحَمَّدًا أَفْضَلَ مَا سَأَلَكَ لَهُ أَحَدٌ من خلقك) أي من المقامات (وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له إلى يوم القيامة) أي من الكرامات (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أي في رواية ابن ماجه والبيهقي والديلمي والدارقطني وتمام في فوائده (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأحسنوا الصّلاة عليه) أي في المبنى والمعنى (فإنّكم لا تدرون) أي ما يترتب عليه هنالك (لعلّ ذلك) أي إذا قبل (يعرض عليه) أي يبلغ إليه (وقولوا) أي مثلا (اللهمّ اجعل صلواتك) أي أنواع دعواتك العامة (ورحمتك وبركاتك) أي
الخاصة (عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ محمد عبدك ورسولك إمام الخير) أي لنفسه (وقائد الخير) أي لغيره (ورسول الرّحمة) أي جميع الأمة فإنه كاشف الغمة (اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ محمد كما باركت على إبراهيم) زيد في نسخة في العالمين (إنك حميد مجيد) وقد سبق أن هذه الجملة الأخيرة من أصح أنواع الصلوات مما ورد فيه الروايات (وما يؤثر) أي ما يروى (من تطويل الصّلاة) وفي نسخة في تطويل الصلاة (وتكثير الثّناء عن أهل البيت) قال الحجازي ويروى عن أهل البيت وهو الملائم لقوله (وغيرهم) أي من أصحابه وأزواجه واتباعه وأشياعه (كثير) أي يطول ذكره ويحتاج إلى مؤلف مستقل حصره (وقوله) أي وقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفا أو مرفوعا (والسلام كما قد علّمتم) أي بالوجهين والمتقدمين (هو ما علّمهم فِي التَّشَهُّدِ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وفي تشهّد عليّ رضي الله تعالى عنه) هذا غير معروف سنده (السَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى أَنْبِيَاءِ الله ورسله) تعميم بعد تخصيص (السلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى المؤمنين والمؤمنات من غاب منهم) أي بالموت وغيره (ومن شهد) أي حضر عنده (اللهمّ اغفر لمحمد) وسيأتي الكلام على غفرانه عليه الصلاة والسلام (وتقبّل شفاعته واغفر لأهل بيته) أي من أزواجه وذريته (واغفر لي ولوالديّ وما ولدا وارحمهما) سيأتي تحقيقه (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته) وفيه إشكال حيث دعا بالمغفرة لوالديه وما ولدا والرحمة لهما مع ثبوت موت أبيه وبعض إخوته كافرين قال الدلجي ولعل الناسخ زاد الألف سهوا وإنما الدعاء بهما لولديه الحسنين ومن ولداه انتهى والأظهر أنه قال ذلك لتعليم غيره لا للدعاء لنفسه وفيه اشكال آخر وهو ما بينه المصنف بقوله (جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ: الدُّعَاءُ للنبيّ بالغفران وفي حديث الصلاة) بالإضافة أي الذي أسنده (أيضا) ويروى في حديث الصلاة عليه والضمير له عليه الصلاة والسلام ويروى عنه أي عن علي قبل ذلك وهو المذكور في أوائل هذا الفصل (قبل) أي من طريق الحافظ أبي عبد الله الحاكم فقبل مبني على الضم وقوله (الدّعاء له) أي للنبي عليه الصلاة والسلام (بالرّحمة) خبر أي الدعاء له بالرحمة في حديث الصلاة على النبي المروي عن علي (وَلَمْ يَأْتِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ المعروفة) فهل يجوز الدعاء له بهما أولا والظاهر أنه يجوز أما الرحمة فظاهر فإنها أحد معاني الصلاة وقد قال تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مرادا به إبراهيم عليه السلام وآله وأما المغفرة فحيث وقع له عليه الصلاة والسلام طلب المغفرة لنفسه سبعين مرة وفي رواية مائة مرة امتثالا لقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ جاز لغيره غايته أن ذنبه المترتب عليه الغفران مأول بالغفلة عن المولى
وارتكاب خلاف الأولى أو الاشتغال بالأمور المباحة أو رؤية التقصير في مقام الطاعة وأمثال ذلك مما يليق بشأنه وعلو مكانه فحسنات الأبرار سيئات المقربين مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه فهو من باب التأكيد في القضية أو من قبيل التلذذ بذكر العطية نحو الدعاء بقوله رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا فمعنى اغفر له وارحمه أي أدم له المغفرة الشاملة والرحمة الكاملة (وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) وهو من أكابر علماء المالكية (وغيره إلى أنه لا تدعى للنبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا يُدْعَى لَهُ بِالصَّلَاةِ والبركة الّتي تختصّ به) وفي كون البركة تختص به نظر ظاهر (ويدعى لغيره بالرّحمة والمغفرة) ويروى بالغفران نعم هذا هو الأولى ولكن لأجل النهي يحتاج إلى دليل مثبت للدعوى وقد أغرب الدلجي حيث قال لافتقارهم إليهما دونه وجه غرابته أن كل أحد محتاج إلى غفران الله تعالى ورحمته وكم ورد من دعاء له عليه الصلاة والسلام بقوله اللهم اغفر لي وارحمني وإنما الكلام في دعاء وغيره له بهما لأنه كان في مقام التواضع والأدب كما يقتضي استغناء الرب ثم رأيت في شمائل الترمذي أن واحدا من الصحابة قال له عليه الصلاة والسلام غفر الله لك فقال ولك هذا تقرير منه عليه الصلاة والسلام على جواز مثل هذا الكلام (وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ) أي المالكي في رسالته زيادة الترحم (في الصّلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بقوله (اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ) بتشديد الحاء وفي نسخة تراحمت (عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَأْتِ هَذَا) أي الدعاء له عليه الصلاة والسلام بالمغفرة والرحمة ويروى ولم تأت هذه الرواية (في حديث صحيح) قال الدلجي إذ ما ورد بزيادتهما كله ضعيف وفيه أنه يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال وإنما يحتاج إلى الحديث الصحيح أو الحسن في الأحكام من الأقوال وأما قول النووي في شرح مسلم المختار أن الرحمة لا تذكر فيسلم لأنه خلاف الأولى وأما ما جزم به في الأذكار بأن ذكرها بدعة ففيه بحث لأنه قد ورد في بعض الطرق ولو كان ضعيفا فلا يعد بدعة لا سيما وهي لا تنافي سنة وعلى تقدير التسليم فليكن بدعة حسنة ويقويه ما ذكره المصنف بقوله (وحجّته) أي دليل ابن أبي زيد الذي أخذ به استحباب طلب الرحمة (قوله) أي قول النبي عليه الصلاة والسلام حال تعليم أمته (فِي السَّلَامِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاته) ومما يؤيده قوله تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وينصره أن رحمته عامة للخواص والعوام ولا يستغني أحد عن هذا الإنعام العام، ثم اعلم ان الرافعي ذكر في الشرح الكبير عن الصيدلاني أنه قال ومن الناس من يزيد وارحم محمدا كما رحمت على إبراهيم وربما يقولون ترحمت وهذا لم يرد في الخبر وأنه غير فصيح فإنه لا يقال رحمت عليه وإنما يقال رحمته وأما الترحم ففيه معنى التكلف فلا يحسن إطلاقه في حق الله سبحانه وتعالى انتهى ولا يخفى أن نفي الصيدلاني ورود الخبر بلفظ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إبراهيم غلط نشأ من جهله بطريق الحديث فمن حفظ حجة على من لم يحفظ فهذه الرواية في مستدرك