الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل [هذا حكم المسلم]
(هذا) الذي قدمناه (حكم المسلم) الذي ارتد (فأمّا الذّمّيّ إذا صرّح بسبّه) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أو عرّض) أي لوح (أَوِ اسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الّذي كفر به) أي الذمي وكان يتعين التصريح بذكره وهو في نسخة بصيغة المجهول مشددا وليس على ما ينبغي ثم الوجه اعتقاد عدم نبوته أو رسالته وغير وجهه كقوله ليس بذي تقوى (فلا خلاف عندنا) أئمة المالكية (فِي قَتْلِهِ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّا لَمْ نعطه الذّمة) أي بالجزية (أو العهد) بالمصالحة والأمان (على هذا) الذي صدر عنه من السب ونحوه (وهو) أي قتله بشرطه (قول عامّة العلماء) أي جميعهم (إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيَّ وَأَتْبَاعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الكوفة) أي فقهائهم (فإنّهم قالوا) أي جميعهم (لا يقتل) الذمي بذلك وعللوه بقولهم (لأنّ ما هو عليه من الشّرك أعظم) مما صدر من سبه صلى الله تعالى عليه وسلم (ولكن يؤدّب ويعزّر) بقدر مقاله وقوة حاله (واستدلّ بعض شيوخنا) المالكية (على قتله) أي الذمي المذكور (بقوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) أي نقضوا ما بايعوا عليه من الإيمان (مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) المؤكد بها (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ [التوبة: 12] ) أي عابوه (الآية) أي فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا إيمان لهم بفتح الهمزة جمع يمين اثبتها لهم ثم نفاها عنهم لأنها في الحقيقة كلا إيمان وبه أخذ أبو حنيفة أن يمين الكافر كلا يمين وعن الشافعي هي يمين ومعنى لا إيمان لهم لا يوفونها وفي قراءة ابن عامر بكسر الهمزة وقوله لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ متعلق بقاتلوا قال التلمساني وفي بعض الأصول فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ الآية والتلاوة فقاتلوا أئمة الكفر ولا دليل على القتل بهذا النص لأن المقاتلة غير القتل ولو استدل بقوله قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ الآية لكان أقرب انتهى ولا يخفى أن الآيتين في المصالحة مع الحربي والكلام في الذمي وقد قال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ فظاهر الآية أن بعد اعطاء الجزية يرتفع عنهم القتل، (ويستدلّ أيضا عليه) أي على قتل الذمي الذام (بقتل النبيّ عليه الصلاة والسلام لابن الأشراف وأشباهه) قال الدلجي كأبي رافع من اليهود وأبي وأمية ابني خلف من قريش انتهى ولا يخفى أن ابن الأشرف واليهودي الآخر لم يكونا من أهل الذمة وأما ابنا خلف فهم من أهل الحرب (وَلِأَنَّا لَمْ نُعَاهِدْهُمْ وَلَمْ نُعْطِهِمُ الذِّمَّةَ عَلَى هَذَا وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ معهم) فينبغي أن يشترك عليهم ذلك حال معاهدتهم (فَإِذَا أَتَوْا مَا لَمْ يُعْطَوْا عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَلَا الذِّمَّةَ فَقَدْ نَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ وَصَارُوا كُفَّارًا) أي حربيين وفي نسخة وصاروا أهل حرب وجمع بينهما الدلجي في أصله (يقتلون بكفرهم) وفي نسخة لكفرهم على أن الباء سببية واللام تعليلية (وَأَيْضًا فَإِنَّ ذِمَّتَهُمْ لَا تُسْقِطُ حُدُودَ الْإِسْلَامِ عنهم) وروي عليهم (من القطع في سرقة أموالهم) أي أموال المسلمين (والقتل لمن قتلوه منهم) أي
من المؤمنين (وإن كان ذلك) الذي ذكر من السرقة والقتل (حلالا عندهم) وأما تمثيل الدلجي بحد الزنا جلدا أو رجما فليس في محله فإنه لم يختلف أحد منا ومنهم في تحريمه (فكذلك سبّهم للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقتلون به) وفيه أنه نوع كفر مندرج في جنس كفرهم لا أنه فرع من جملة الأحكام المختصة بهم أو الشاملة لهم ولغيرهم (ووردت لأصحابنا) المالكية (ظواهر تقتضي الخلاف) في قتل الذمي وعدمه (إذا ذكره) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (الذّمّيّ بالوجه الّذي كفر به) الذمي كتكذيبه النبوة أو الرسالة العامة (ستقف عليها) أي على تلك الظواهر (مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ سُحْنُونٍ بَعْدُ) أي بعد ذلك (وحكى أبو المصعب) بصيغة المعلوم (الخلاف فيها) أي في الظواهر قاله الدلجي والصواب في المسألة (عن أصحابه المدنيّين) قال الحلبي هو أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري المدني الفقيه قاضي المدينة يروي عن مالك (واختلفوا) أي المالكية (إذا سبّه) أي الذمي (ثُمَّ أَسْلَمَ فَقِيلَ؛ يُسْقِطُ إِسْلَامُهُ قَتْلَهُ لِأَنَّ الإسلام يجبّ ما قبله) كما في حديث صحيح أي يقطع ويمحو ما كان قبله من كفر ومعصية وفي رواية الإسلام يهدم ما قبله قالوا معناه يهدم الإسلام ما كان قبله على الإطلاق مظلمة كانت أو غيرها كذا ذكره الانطاكي (بخلاف المسلم إذا سبّه ثمّ تاب) فإنا نقتله حدا لا كفرا (لأنّا نعلم باطنة الكافر) أي معتقده قال الحجازي وروي الكفر أقول ولا وجه له (في بعضه له وتنقّصه بقلبه لكنّا منعناه) أي الذمي (من إظهاره فلم يزدنا ما أظهره) من السب وغيره (إِلَّا مُخَالَفَةً لِلْأَمْرِ وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ فَإِذَا رَجَعَ عَنْ دِينِهِ الْأَوَّلِ إِلَى الْإِسْلَامِ سَقَطَ مَا قبله) مما كان يلام؛ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الْأَنْفَالِ: 38] وَالْمُسْلِمُ بِخِلَافِهِ إِذْ كَانَ ظَنُّنَا بِبَاطِنِهِ حُكْمَ ظاهره وخلاف ما بدا) بالألف أي ظهر (عنه الآن فلم نقبل بعد) أي بعد ذلك (رجوعه) بالتوبة وفيه أن كفره ساعة كيف يكون أشد من كفر سنين مع أنه لا عبرة بظننا إذ يحتمل أنه كان كافرا ويتستر وما صح له الإيمان المعتبر ولهذا قال بعض العارفين الإيمان إذا دخل القلب أمن السلب وقال بعضهم الذي رجع ما رجع إلا من الطريق ويشير إليه قوله تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها أي لا انقطاع (ولا استأمنا) أي لم يظهر لنا الأمن (إلى باطنه) وفي بعض النسخ ولا استنمنا أي ما اطمأننا إلى باطنه يقال استنام إليه أي سكن واستأنس فاندفع قول الأنطاكي إنه لا معنى له ولعله تصحيف وقال الدلجي أي ولا ارتفعنا إلى ذروة سنام باطنه ولا اطلعنا عليه قلت وكذلك الحال بالنسبة إلى الكافر الأصلي إذا اسلم إذ يحتمل أن يكون منافقا أو لم يوجد فيه شرط من شروط صحة الإيمان والله المستعان (إذ قد بدت سرائره) أي ظهرت ضمائره بخلاف ظننا به (ما ثبت عليه) أي على المسلم (من الأحكام باقية عليه لم يسقطها شيء) قلت فينبغي أن يكون أقرب إلى القبول من الكافر الأصلي (وَقِيلَ لَا يُسْقِطُ إِسْلَامُ الذِّمِّيِّ السَّابِّ قَتْلَهُ لأنّه حقّ للنبيّ صلى الله
تعالى عليه وسلم وجب عليه) أي على الذمي (لانتهاكه حرمته) أي تناولها بما لا يحل له (وقصده إلحاق النّقيصة) وفي نسخة الحاقه النقيصة أي المنقصة (والمعرّة به) أي المشقة بالمذمة (فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي) أي بالوجه الذي (يسقطه) وفيه أن كل الصيد في جوف الفرا وجنس الكفر يشمل أنواعه كما ترى ولا يظهر قياسه بقوله (كما وجب عليه) أي الذمي (مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلِ إِسْلَامِهِ مِنْ قَتْلٍ وَقَذْفٍ وَإِذَا كُنَّا لَا نَقْبَلُ تَوْبَةَ المسلم) أي الساب لدفع قتله (فإن لا نقبل توبة الكافر) أي الذمي (أولى) بل الأولى كما تقبل توبة الحربي أن تقبل توبة الذمي والمسلم لأنهما أقرب إلى الدين وقد قبل النبي عليه الصلاة والسلام توبة المرتدين واليهود بعد شتمهم للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والله سبحانه وتعالى أعلم. (قال مالك في كتاب ابن حبيب) وهو صاحب الواضحة (والمبسوط) أي وفيه (وابن القاسم) أي وفي كتابه (وابن الماجشون) بكسر الجيم فى صورة الجمع وآل لا تفارقه وقال النووي الماجشون لفظ أعجمي وهو من أصحاب مالك (وابن عبد الحكم) قال التلمساني هو إذا أطلق عند الفقهاء فهو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن عبد الله بن عثمان (وَأَصْبَغَ فِيمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام قُتِلَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي العتبيّة) بضم أوله (وعند محمد) أي ابن المواز (وَابْنِ سُحْنُونٍ وَقَالَ سُحْنُونٌ وَأَصْبَغُ لَا يُقَالُ له أسلم) أقول وما المانع من ذلك (ولا تسلم) وهذا أغرب من الأول إذ كيف يجوز لمسلم أن يقول لكافر لا تسلم وكأن مراده أنه لا يعتبر قول أحد له اسلم أو لا تسلم والمعنى أنه لا يجب أن يعرض عليه الإسلام (ولكن إن أسلم وحده) أي باختياره (فذلك له توبة وفي كتاب محمد) أي ابن المواز (أَخْبَرَنَا أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَبَّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مسلم أو كافر) أي ذمي إذ يبعد إطلاقه (قتل ولم يستتب) أي لم تقبل توبته (وروي) بصيغة المجهول (لنا عن مالك) كما في كتاب ابن حبيب وغيره زيادة بعد قوله قاقتلوه (إلّا أن يسلم الكافر) ذميا أو غيره (وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنّ راهبا تناول النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَهَلَّا قَتَلْتُمُوهُ) ليس فيه أنه اسلم وأمر بقتله (وروى عيسى) أي ابن معين (عن ابن القاسم) الفقيه المصري (فِي ذَمِّيٍّ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إلينا) معشر بني إسرائيل (إنّما أرسل إليكم) أيها العرب (وإنّما نبيّنا موسى أو عيسى) عن وجه التنويع (ونحو هذا لا شيء عليهم) ويروى عليه أي من القتل أو الضرب (لأنّ الله تعالى أقرّهم على مثله) إذا قبلوا الجزية (وأمّا إن سبّه) ذمي (فقال ليس بنبيّ) أي مطلقا (أو لم يرسل) إلى أحد (أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ) أي القرآن (شيء تقوّله) افتراه (أو نحو هذا فيقتل) أي إن لم يسلم (قال ابن القاسم وإذا قال النّصرانيّ) وكذا اليهودي (ديننا خير من دينكم) هذا ليس عليه شيء (إنّما دِينُكُمْ دِينُ الْحَمِيرِ وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الْقَبِيحِ) أي قبيح الكلام مما هو طعن في دين الإسلام (أَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله فقال كذلك يعطيكم الله) يعني الرسالة أو
يجعلكم مثله رسلا (ففي هذا الأدب الموجع) الرادع (والسّجن الطّويل) الوازع إذا ليس فيه تلويح إلى نفي رسالته ولا تصريح (قال) أي ابن القاسم (وأمّا إن) وفي نسخة من (شتم النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم شتما يعرف) تصريحا لا يكون تلويحا (فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَالَهُ مَالِكٌ غير مرّة) أي كثيرا (ولم يقل يستتاب) أي يعرض عليه الإسلام (قال ابن القاسم ومحمل قوله) أي قول مالك إلا أن يسلم (عندي إن أسلم طائعا) أي من غير أن يقال له اسلم وإلا تقتل، (وَقَالَ ابْنُ سُحْنُونٍ فِي سُؤَالَاتِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَالِمٍ فِي الْيَهُودِيِّ يَقُولُ لِلْمُؤَذِّنِ إِذَا تَشَهَّدَ) أي بالرسالة (كَذَبْتَ يُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ مَعَ السِّجْنِ الطَّوِيلِ) وفيه أنه مخالف لما سبق من أن الذمي لو نفى النبوة أو الرسالة يقتل اللهم إلا أن يقال هذا تلويح لا تصريح إذ الخطاب مع المؤذن فيحتمل أن يراد تكذيبه وإنما قيدنا الشهادة بالرسالة لأنه لو كذب التوحيد يصير حربيا فيقتل إلا أن يسلم (وفي النّوادر) لابن أبي زيد (من رواية سحنون عنه) أي عن مالك (مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الوجه الّذي به كفروا) أي به فاندفع قول الحلبي لو قال كفر لكان أولى ثم لا يخفى أن من مفرد مبنى وجمع معنى فليس أحد من الاستعمالين أولى قال الله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (ضربت عنقه) بصيغة المجهول (إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ فإن قيل لم قتلته) أي أمرت بقتل الذمي (في سبّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ومن دينه سبّه وتكذيبه) جملة حالية (قيل) أي في جوابه (لأنّا لم نعطهم العهد) أي الذمة والأمان (على ذلك) أي على إظهاره (ولا على قتلنا وأخذ أموالنا) بل على الكف عن ذلك وبذل الجزية مع المذلة هنالك (فإذا قتل) ذمي (واحدا) أي منا كما في نسخة (قتلناه) أو أخذ مالا منا أخذناه منه (وإن كان من دينه استحلاله) أي عده حلالا (فكذلك إظهاره لسبّ نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) موجب لقتله وإن كان معتقدا لحله (قَالَ سُحْنُونٌ كَمَا لَوْ بَذَلَ لَنَا أَهْلُ الحرب) أي ولو من أهل الكتاب (الْجِزْيَةَ عَلَى إِقْرَارِهِمْ عَلَى سَبِّهِ لَمْ يَجُزْ لنا ذلك في قول قائل) من العلماء (كَذَلِكَ يَنْتَقِضُ عَهْدُ مَنْ سَبَّ مِنْهُمْ وَيَحِلُّ لنا دمه) الظاهر أنه إذا أخذ عليه العهد بعدم سبه حتى يصح قوله ينتقض (وكما لَمْ يُحْصِنِ الْإِسْلَامُ مَنْ سَبَّهُ مِنَ الْقَتْلِ كذلك لا تحصّنه الذّمّة) وهذا قياس مع الفارق ولذا لم يقل به جمهور الأمة وأغرب الدلجي بقوله بل أولى هذا (قال القاضي أبو الفضل) أي المنصف (ما ذكره ابن سحنون عن نفسه) أي أولا (وعن أبيه) ثانيا (مخالف لقول ابن القاسم فيما خفّف) وفي نسخة يخفف (عقوبتهم فيه ممّا به كفروا فتأمّله) ليظهر لك ترجيح أحد الوجهين (ويدلّ على أنه) أي ما قاله ابن سحنون عنه وعن أبيه (خلاف ما روي عن المدنيّين) من أصحاب مالك (في ذلك فحكى) قال التلمساني صوابه كما في نسخة ما حكى (أبو المصعب الزّهريّ قال أتيت) بضم الهمزة وتاء المتكلم (بِنَصْرَانِيٍّ قَالَ وَالَّذِي اصْطَفَى عِيسَى عَلَى مُحَمَّدٍ فاختلف) أي الرأي (عليّ) أي عندي (فيه) أي في أمره (فضربته) أي ضربا وجيعا (حتّى قتلته أو عاش) بعد ضربه (يوما وليلة وأمرت
من جر برجله) بعد موته (فطرح على مزبلة) بفتح الميم والموحدة وقد يضم الثاني ويكسر وهو المحل الذي يكون فيه الزبل أي السرجين يلقي فيه وأماما في بعض النسخ من كسر الميم وفتح الباء فغير معروف إلا في الآلة (فأكلته الكلاب) وفي قتله محل بحث إذ قوله مشتمل على إقراره باصطفائهما بالنبوة والرسالة غايته أنه فضل نبيه على نبينا وهو مقتضى دينه بل أنه ليس مما كفر به إذ أصل التفضيل قطعي لقوله تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وأما تفضيل خصوص بعض الانبياء فظني وعلى التنزل فليس مما علم من الدين بالضرورة لا سيما وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا تخيروني على موسى مع أن سبب وروده أن يهوديا قال والذي اصطفى موسى على محمد فلطمه مسلم (وَسُئِلَ أَبُو الْمُصْعَبِ عَنْ نَصْرَانِيٍّ قَالَ عِيسَى خلق محمدا فقال يقتل) وهذا ظاهر لأنه كفر صريح بل يخرج عن كونه كتابيا ويصير حربيا بل ولا يقول أحد مثل هذا القول في جميع الأديان قال تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بإجماع الأولين والآخرين وأما قوله تعالى وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فخلق مجازي متوقف على وجود تراب وماء وتصوير من مخلوق آخر وأن الله صانع كل شيء وصنعته كما في حديث (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ نَصْرَانِيٍّ بمصر) أي القاهرة (شهد عليه) بصيغة المجهول (أنه قال مسكين) بالرفع منونا وفي نسخة بالسكون قال التلمساني وقد يفتح ميمه (محمد يخبركم أنه في الجنّة) أي الآن وفي نسخة فهو الآن في الجنة قاله استهزاء (فما لَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ إِذْ كَانَتِ الْكِلَابُ تأكل ساقيه) وهذا افتراء عليه (لو قتلوه) أي الناس (اسْتَرَاحَ مِنْهُ النَّاسُ قَالَ مَالِكٌ أَرَى أَنْ تضرب عنقه) ويغري على جيفته الكلاب (قال) أي مالك (ولقد كدت) أي قاربت (أن لا أتكلّم فيها) أي في مسألة ابن القاسم عن هذا الكلب النصراني يعني بشيء كما في نسخة (ثمّ رأيت أنّه لا يسعني) أي لا يجوز لي (الصّمت) أي السكوت وفي نسخة لا يسيغني الصمت أي لا ينفعني (قال ابن كنانة) بكسر الكاف (في المبسوطة) وفي نسخة فِي الْمَبْسُوطَةِ (مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرَى لِلْإِمَامِ أن يحرقه) من الإحراق أو التحريق (بالنّار) أي ابتداء (وإن شاء) أي الإمام (قتله ثمّ حرق جثّته) بضم الجيم وتشديد المثلثة أي جيفته (وَإِنْ شَاءَ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ حَيًّا إِذَا تَهَافَتُوا في سبّه) أي تساقطوا وتكرر منهم وتبالغوا ولعل التحريق حيا من باب السياسة وإلا فقد ورد لا يعذب بالنار إلا الله مثل تهافت الفراش في النار وفي رواية لا تعذبوه بعذاب الله تعالى رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه وصححه عن ابن عباس مرفوعا قال ابن كنانة (ولقد كتب) بصيغة المجهول (إلى مالك من مصر وذكر) أي ابن كنانة (مسألة ابن القاسم المتقدّمة) في النصراني بمصر (قال) ابن القاسم (فأمرني مالك) أن أكتب الجواب (فكتبت بأن يقتل وتضرب عنقه) تفسير لما قبله فيفيد أنه لا يصلب حيا ولا يقطع اربا اربا وغير ذلك من أنواع القتل لقوله عليه الصلاة والسلام إذا قتلتم
فأحسنوا القتلة بالكسر أي النوع منه (فكتبت) أي فرغت من كتابته (ثمّ قلت) أي لمالك (يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأَكْتُبُ ثُمَّ يُحْرَقُ بِالنَّارِ فَقَالَ إِنَّهُ لَحَقِيقٌ بِذَلِكَ وَمَا أَوَّلَاهُ به) أي ما أحقه بأن يحرق بعد ضرب عنقه (فكتبته بيدي) احتراس بديعي يدفع به ما يتوهم من المجاز كقولهم رأيت بعيني وسمعت بأذني ونحو ذلك ومنه قوله تعالى وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (بين يديه) أي قدام مالك وقد رأه (فما أنكره ولا عابه) وفيه إيماء إلى أن التحرير في باب الفتوى أقوى من التقرير (ونفذت الصّحيفة) بالنون والفاء والذال المعجمة المفتوحات أي ذهبت وفي نسخة بضم النون وتشديد الفاء المكسورة وفي أخرى بصيغة الفاعل أي وأرسلتها الى مصر (بذلك) أي بما أمر به مالك (فقتل) النصراني (وحرق) أي بعد قتله؛ (وأفتى عبد الله بن يحيى) الليثي صاحب رواية الموطأ عن أبيه عن مالك (وابن لبابة) بضم اللام وبموحدتين وهو محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة القرطبي (وجماعة سلف أصحابنا) بالإضافتين وفي نسخة فِي جَمَاعَةِ سَلَفِ أَصْحَابِنَا (الْأَنْدَلُسِيِّينَ بِقَتْلِ نَصْرَانِيَّةٍ استهلّت) أي رفعت صوتها يعني أظهرت (بنفي الرّبوبيّة ونبوّة عيسى) أي لله كما في نسخة أي وأعلنت بكونه اينا له وبينهما تناقض كما لا يخفى وفي نسخة يتقديم النون على الباء والظاهر أنه تصحيف (وتكذيب محمّد في النّبوّة) أي في أصلها لا في عموم الرسالة لأنه مقتضى مذهبهم وكذا القول بالأبنية ما أخبر الله عنهم بقوله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وإنما أمر بقتلها لإنكار الربوبية فإنها به صارت حربية وخرجت عن كونها ذمية كتابية إذ ليس هذا من مقتضى دينهم بل ولا دين غيرهم لقوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (وبقبول إسلامها ودرء القتل عنها) وهذا مخالف لما سبق من أن الذمي إذا طعن في نبوة نبينا بقتل ولم يقبل إسلامه (به) وفي نسخة وبه أي وبهذا الإفتاء (قال غير واحد من المتأخّرين) أي من المالكية (منهم القابسيّ وابن الكاتب) وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن علي بن محمد؛ (وقال أبو القاسم بن الجلّاب) بفتح الجيم وتشديد اللام بصري مات سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة (فِي كِتَابِهِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ مسلم أو كافر) أي ذمي (قتل ولا يستتاب) أي لا تقبل توبته وهذا مخالف للجمهور وأغرب الدلجي حيث قال تمسكا بالآية والحديث والحال أنه لا دلالة آية ولا إشارة رواية على ذلك بل تقبل توبة المرتد والكافر بشروط هنالك. (وحكى القاضي أبو محمّد) عبد الوهاب المالكي (في الذّميّ يسبّ ثمّ يسلم روايتين) عن مالك (في درء القتل عنه) أي وعدمه (بإسلامه، وقال ابن سحنون وحدّ القذف) والمشهور أنه مختص برمي الزنا (وشبهه) وهو السب ونحوه (مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يُسْقِطُهُ عَنِ الذِّمِّيِّ إسلامه) لابتنائها على المشاحة (وإنّما يسقط عنه بإسلامه حدود الله) لأنها مبنية على المسامحة (وأمّا حَدُّ الْقَذْفِ فَحَقٌّ لِلْعِبَادِ كَانَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ أو غيره) من العباد المحترمين (فأوجب) أي الله ورسوله قال الدلجي وفيه بحث سيجيء (عَلَى الذِّمِّيِّ إِذَا قَذَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ثمّ أسلم حدّ القذف) وفيه أنه لم يعرف من كتاب ولا سنة حد القذف