الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبٌّ أَوْ نَقْصٌ مِنْ تَعْرِيضٍ أو نصّ)
أي تلويح أو تصريح من شتم أو ذم (اعلم) وفي نسخة فاعلم (وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَبَّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي شتمه (أو عابه) أي ذمه (أو ألحق به نقصا في نفسه) أي ذاته أو صفاته (أو نسبه) بفتحتين (أو دينه) أي شريعته وسيرته وحكوماته (أو خصلة من خصاله) أي حالة من حالاته أو كلمة من مقالاته سواء صرح به (أو عرض به) بتشديد الراء أي لوح فيه (أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ أو الإزراء عليه) أي احتقارا به واستخفافا بحقه (أو التّصغير لشأنه) أي الاحتقار لعظيم قدره (أو الغضّ منه) أي الخفض والنقص من أمره (والعيب له) في حكمه (فهو) بكل واحد مما ذكر (سَابٌّ لَهُ وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ) أي إجمالا (كما نبيّنه) تفصيلا (وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ) أي نوعا من أنواع كلام الساب (على هذا المقصد) بكسر الصاد أي الذي قصدناه من صوب الصواب (ولا نمتري فيه) أي ولا نشك في قتل هذا الساب (تصريحا كان أو تلويحا) في هذا الباب إذ يستويان في الحكم عند أولي الألباب (وكذلك) بالطريق الأولى (من لعنه أو دعا عليه عليه السلام أو تمنّى مضرّة له) كانت تحصل لديه (أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ) بكسر الصاد أي بمقامه الشريف ومكانه المنيف (على طريق الذّمّ) لعله احتراز من الخطأ أو السهو (أو عبث) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة أي لعب ومزح أي خلط (في جهته العزيزة) أي جانبه الكريم وهو بزايين وفي نسخة بغين معجمة وراء ثم زاء الطبيعة (بسخف) بضم السين وسكون المعجمة أي برقة قبيحة (من الكلام وهجر) بضم فسكون أي فحش في المنطق (ومنكر من القول) أي تنكره الشريعة (وزور) أي كذب وافتراء أمر منحرف عن الحق (أو عيّره) بعين مهملة وتحتية مشددة أي عابه (بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ عَلَيْهِ) كالفقر والكسر وغيرهما (أو غمصه) بغين معجمة وصاد مهملة أي حقره (ببعض العوارض البشريّة الجائزة) جريانها (عليه المعهودة لديه) كالجوع والإغماء ونحوهما (وهذا) الذي ذكرناه (كلّه إجماع من العلماء) من المفسرين والمحدثين (وأئمّة الفتوى) من المجتهدين (من لدن الصّحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى هلمّ جرّا) أي إلى يومنا وهلم جرا كما في نسخة وهو من الجر بمعنى السحب والمعنى استمر الإجماع واتصل من عصرهم إلى الآن وكذا إلى ما بعده من الزمان وانتصب جرا على المصدر والحال أو التمييز، (قال) القاضي (أبو بكر بن
المنذر) محمد بن إبراهيم النيسابوري (أجمع عوّام أهل العلم) أي كلهم (عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يقتل) صونا لقدره وتعظيما لأمره ونعم ما قيل من المبنى في هذه المعنى:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
…
حتى يراق على جوانبه الدم
(وممّن قال ذلك) أي القتل بسبه (مالك بن أنس) إمام المذهب (واللّيث) أي ابن سعد (وأحمد) أي ابن حنبل (وإسحاق) أي ابن راهويه (وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ رحمه الله تعالى يعني المنصف (وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ المذكورين) من العلماء، (وبمثله) أي بمثل قول من ذكر بقتل من سبه لا بعدم قبول توبته كما وهم الدلجي إذ يرده قول المنصف لكنهم قالوا هي ردة (قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى) أي نصا منه (وأصحابه) وافقوا معه فيه (والثّوريّ) أي سفيان بن سعد (وأهل الكوفة) أي جميعهم (والأوزاعي) وهو إمام جليل أخذ عنه مالك والثوري (في المسلمين) وفي نسخة في المسلم احترازا ممن وقع له سب وهو من المعاهدين لاختلاف فيه على ما تقدم (لكنّهم قالوا) أي العلماء المتأخرون من أبي حنيفة ومن بعده في الذكر وإن كانوا هم المتقدمين في الرتبة والعمر (هي) أي سبه وأنثه باعتبار خبره وهي (ردّة) أي ارتداد وسيجيء بيان حكم المرتد من أنه يستتاب فإن أبى يقتل على الجواب الصواب (وروى مثله) أي مثل قول هؤلاء أنه ردة (الوليد بن مسلم) أحد الأعلام من أهل الشام مات سنة خمس وتسعين وروى ابن أبي مسلم والأول أصح (عن مالك) الإمام فيكون عنه روايتان (وحكى الطّبريّ مثله) أي مثل القول بأنه ردة (عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقّصه) بشيء ينقصه (صلى الله تعالى عليه وسلم أو برىء منه) أي تبرأ منه بأن قطع مودته ومحبته عليه الصلاة والسلام (أو كذّبه) في قول من أقواله (وَقَالَ سُحْنُونٌ فِيمَنْ سَبَّهُ ذَلِكَ رِدَّةٌ كَالزَّنْدَقَةِ) من الثنوية القائلين بتناسخ الأرواح ودوام الدهر والأشباح ذكره الدلجي تبعا للجوهري في صحاحه أن الزنديق من الثنوية وهو معرب والجمع الزنادقة وقد تزندق والاسم الزندقة انتهى وقال ابن قرقول الزنادقة من لا تعتقد ملة من الملل المعروفة ثم استعمل في كل من عطل الأديان وأنكر الشرائع وفيمن أظهر الإسلام وأسر غيره وقال الرافعي هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر والأصح عند الشافعية أنه الذي لا ينتحل دينا وقيل هو المباحي الذي لا يتدين بدين ولا ينتمي إلى شريعة ولا يؤمن بالبعث والنشور والزندقة بالفتح عقيدته (وعلى هذا) أي القول بكونه ردة مطلقة كالزندقة (وقع الخلاف في استتابته وتكفيره) أي خروجه من الإسلام إلى كفره لأنه لم يعرف له دين في أمره فلا يستتاب لعدم الاعتماد على تغيره (وهل قتله) أي بعد توبته (حدّ) أي سياسة (أو كفر) حقيقة (كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ الله تعالى) والحاصل أن الخلاف محصور فيما ذكرنا، (وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِبَاحَةِ دَمِهِ بَيْنَ علماء
الأمصار وسلف الأئمة) من صلحاء الكبار (وقد ذكر غير واحد) أي كثير من الأخيار (الْإِجْمَاعَ عَلَى قَتْلِهِ وَتَكْفِيرِهِ وَأَشَارَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وهو أبو محمد عليّ بن أحمد) أي ابن سعيد بن حزم اليزيدي القرطبي الظاهري (الفارسيّ) الأصل مات سنة سبع وخمسين وأربعمائة صاحب التصانيف وله كتاب نوادر الأخبار ويسمى بنقط العروس وكان شافعيا ثم صار مجتهدا ظاهريا وصنف كتبا كثيرة (إلى الخلاف في تكفير المستخف به) ولعله محمول على عدم تعمده (والمعروف ما قدّمناه) من تكفيره وقتله (قال محمد بن سحنون أجمع العلماء) أي علماء الأعصار في جميع الأمصار (على أنّ شاتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم المتنقّص له) صفة كاشفة وكان الأولى أن يؤتى بعاطفة (كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله تعالى له) في الدارين (وحكمه) في الدنيا (عند الأمّة) أي جميع الأئمة (القتل ومن شك في كفره) في الدنيا (وعذابه) في العقبى (كفر) ولحق به وفي نسخة فقد كَفَرَ؛ (وَاحْتَجَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ الفقيه) بالرفع نعت لإبراهيم والمعنى استدل (في مثل هذا) أي تنقصه عليه الصلاة والسلام (بقتل خالد بن الوليد) أي ابن المغيرة (مالك) بالنصب على أنه مفعول قتل (ابن نويرة) بضم النون وفتح الواو وسكون التحتية وفتح الراء على أنه تصغير نار أو نورة وهو التميمي اليربوعي كان فارسا شاعرا مطاعا في قومه قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأسلم واستعمله عليه الصلاة والسلام على صدقات قومه بني يربوع (لقوله) أي لأجل قول ابن نويرة وفي نسخة بقوله أي بسبب نقله (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم صاحبكم) وسبب ذلك أنه منع الزكاة زمن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فأرسل إليه خالد بن الوليد في منع الزكاة فقال مالك أنا آتي بالصلاة دون الزكاة فقال خالد أما علمت أن الصلاة والزكاة لا تقبل واحدة دون الأخرة فقال مالك قد كان صاحبكم يقول ذلك فقال خالد وما تراه لك صاحبا والله لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجادلا في الكلام فقال خالد إني قاتلك قال أو بذلك أمرك صاحبك قال وهذه بعد تلك وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما فقال مالك يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فقال خالد لا أقالني الله إن أقلتك فأمر ضرار بن الأزور بضرب عنقه فالتفت مالك إلى زوجته وكانت في غاية من الجمال فقال لخالد هذه هي التي قتلتني فقال خالد بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام فقال مالك انا على الاسلام فقال خالد يا ضرار اضرب عنقه فضرب عنقه وجعل رأسه أثفية لقدره وقبض خالد امرأته قيل إنه اشتراها من الفيء وتزوجها وقيل إنها اعتدت بثلاث حيض وتزوج بها وقال ابن عمر وأبي قتادة احضر النكاح فأبيا وقال له ابن عمر نكتب إلى أبي بكر ونعلمه بأمرها وتتزوج بها فأبى وتزوجها ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما قال عمر لأبي بكر أن خالدا قد زنى فارجمه قال ما كنت ارجمه أنه تأول فأخطأ قال فإنه قد قتل مسلما فاقتله قال ما كنت اقتله أنه تأول قال فأعز له قال ما كنت أعمد سيفا سله الله تعالى على المشركين وفي رواية لا أعزل واليا ولاه رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم وقد رثاه أخوه متمم بن نويرة بمراثي كثيرة وكان أعور ويبكي عليه حتى تبكي عينه العوراء وقد يكون قتله خالد بن الوليد مع أهل الردة حين قتل مسيلمة وغيره وقد اختلف في مالك هذا فقيل إنه قتل مسلما بسبب كلام سمعه خالد منه ويظن ظنه به وأنكر عليه أبو قتادة قتله وخالفه في ذلك وأقسم أنه لا يقاتل تحت رايته أبدا وقيل بل قتل كافرا وفي الروض للسهيلي أن مالك بن نويرة ارتد ثم رجع إلى الإسلام ولم يظهر ذلك لخالد في مقام الأحكام وشهد عنده رجلان من الصحابة برجوعه إلى الإسلام فلم يقبلهما انتهى ما ذكره التلمساني عن الحلبي والقضية غير صافية عما يرد عليه من بعض الإشكال والله تعالى أعلم بالأحوال فلا يصح احتجاج الفقيه بهذا مع وجود الاحتمال، (قال أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مسلما) أي بخلاف ما إذا كان كافرا؛ (وقال ابن القاسم) المصري صاحب مالك (عن مالك في كتاب ابن سحنون) بالانصراف وعدمه (والمبسوط) أي وفيه وهو كتاب للمالكية (وفي العتبيّة) بضم فسكون فكسر فتشديد وهو كتاب آخر لهم (وحكاه) أي ما قاله ابن القاسم عن مالك (مطرّف عن) خاله (مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْ سَبَّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من المسلمين قتل) أي حدا قولا واحدا (ولم يستتب) وهذا عندهم في قواعد المذهب؛ (وقال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ سَبَّهُ أَوْ شتمه أو عابه أو تنقصّه) أي احتقره (فإنّه يقتل) أي ولم يستتب (وحكمه عند الأئمّة) أي الجماعة الأئمة من المالكية (القتل كالزّنديق) عندهم من غير الاستتابة (وقد فرض الله تعالى له) علينا (توقيره وبرّه) أي طاعته لدينا كما قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ (وفي المبسوط عن عثمان بن كنانة) بكسر الكاف مات سنة ست وثمانين ومائة بعد وفات مالك بسنتين (من شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من المسلمين قتل) أي ذبحا (أو صلب حيّا) أي وطعن أو ترك إلى أن يصير ميتا (ولم يستتب) أي ولم تقبل توبته على ما هو عندهم من المذهب، (وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي صَلْبِهِ حَيًّا أَوْ قَتْلِهِ) أي لا مرتب في حكمه، (ومن رواية أبي المصعب) بضم الميم وفتح العين وهو الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها سمع مالكا وغيره وعنه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي فإنه بالواسطة (وابن أبي أويس) بفتح فسكون وهو ابن أخت مالك قالا (سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَلَا يستتاب) لأن حده القتل وإن تاب فهذه الرواية مطلقة بخلاف ما سبق من الروايات حيث كانت بالمسلمين مقيدة، (وفي كتاب محمد) أي ابن إبراهيم بن المواز (أنا) أي أخبرنا كما في نسخة (أصحاب مالك أنه) أي مالكا (قال: من سبّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مسلم أو كافر قتل ولم يستتب) قال الدلجي بشهادة حديث من وقعة كعب بن الأشرف فإنه قد آذىّ الله ورسوله فقتله جماعة بإذنه عليه الصلاة والسلام فيحتاج من قال لا يقتل الكافر بسبه إلى الجواب عن هذا الحديث انتهى ولعل الجواب أن الكلام في الذمي لا الحربي والله تعالى
اعلم بالصواب على أنه ليس فيه دلالة على أنه لم تقبل توبته إذا تاب؛ (وقال أصبغ) بفتح الهمزة والموحدة وآخره معجمة وهو ابن الفرج الفقيه المصري (يقتل) أي من سب نبينا (على كلّ حال أسرّ ذلك) أي أخفاه وثبت عليه بالبينة (أو أظهره) بإقراره (ولا يستتاب) أي لا تعرض عليه التوبة إذ لا تقبل توبته في الدنيا (لأنّ توبته لا تعرف) أي صحتها باطنا وفيه أنا نحكم بالظاهر والله تعالى اعلم بالضمائر كما في حق الكافر والفاجر، (وقال عبد الله بن عبد الحكم) فقيه المالكية بمصر يروي عن مالك والليث وثقه أبو زرعة (من سبّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من مسلم أو كافر) أي ولو ذميا وفيه خلاف (قتل ولم يستتب) أي كالزنديق عندهم (وحكى الطّبريّ مثله عن أشهب) أي ابن عبد العزيز المصري (عن مالك) صاحب المذهب؛ (وروى ابن وهب) وهو عبد الله المصري (عن مالك) وهو الإمام (مَنْ قَالَ إِنَّ رِدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي مثلا وكذا حكم ازاره وسائر دثاره وشعاره وأعضائه وأبشاره (ويروى) أي بدل أن رداء (أن زرّ النبيّ) صلى الله تعالى عليه وسلم وهو وبكسر الزاء وتشديد الراء ما يشد به أطراف الحبيب (وسخّ) أي كان وسخا بفتح فكسر أي دنسا (أراد به عيبه قتل) أي نقصه وطعنه لا بيان الواقع في نفس أمره إذ ثبت في الشمائل أنه عليه الصلاة والسلام كان يكثر القناع حتى كان ثوبه ثوب زيات وأنه خطب الناس وعليه عصابة دسماء أي ملطخة بدسمومة شعره أو عرقه والدسماء في الأصل الوسخة وهي ضد النظيفة، (وقال بعض علمائنا) أي المالكية (أجمع العلماء) لعل المراد علماء المالكية فكان حقه أن يقول اتفق الْعُلَمَاءُ (عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى نَبِيٍّ من الأنبياء بالويل) أي الهلاك أو العذاب ونحوه (أو بشيء من المكروه) في حقه (أنّه يقتل بلا استتابة) أي من غير مطالبة بتوبة ولا التفات إلى قبولها (وأفتى أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة وهو المعافري القروي الحافظ (فيمن قال في النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الجمّال) أي أنه الجمال بفتح الجيم وتشديد الميم وفي نسخة بالحاء المهملمة (يتيم أبي طالب بالقتل لظهور استهانته) واستحقاره، (بذلك) أي بكونه يتيما بقرينة الجمال هنالك وإلا فهو في نفس الأمر كذلك وقد قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى أي قد وجدك ولعل الجمع بين الوصفين مطابق للواقع في السؤال وإلا فكل واحد منهما يكفي في تكفير صاحب المقال (وأفتى أبو محمد بن أبي زيد) أي القيرواني (بقتل رجل سمع قوما) أي جمعا (يتذاكرون صفة النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ قَبِيحُ الوجه واللّحية فقال لهم) أي الذي أفتى ابن أبي زيد بقتله (تريدون تعرفون صفته) أي أتريدون أن تعرفوا صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (هي) أي صفته (صفة هذا المارّ) وفي نسخة هِيَ فِي صِفَةِ هَذَا الْمَارِّ (فِي خَلْقِهِ) أي خلقته في طلعته (ولجبته قال) أي ابن أبي زيد (ولا تقبل توبته) أي وإن تاب (وقد كذب لعنه الله) فإن شمائله معروفة بالحسن والجمال ونهاية الكمال وغاية الاعتدال في الأحوال (وليس يخرج) أي ولا يظهر ما قاله هذا القائل بالبهتان (مِنْ قَلْبٍ سَلِيمِ الْإِيمَانِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ مَنْ قَالَ إِنَّ
النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان أسود، يقتل) لأنه عليه الصلاة والسلام كان أبيض كأنما صيغ من فضة على ما رواه الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي رواية مسلم والترمذي عن أبي الطفيل كان ابيض مليحا مقصدا وفي رواية البيهقي عن علي كان بياضه مشربا بحمرة وفي رواية الشيخين عن البراء كان أحسن الناس وجها وفي رواية مسلم عن أنس كان أزهر اللون هذا ولم يكن تكفير هذا القائل بكذبه إذا كان جاهلا بأمره وإنما يكفر بقصده استحقاره، (وقال) أي ابن أبي سليمان (في رجل قيل له) أي ردا لما قاله (لَا وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ؛ فَقَالَ فَعَلَ اللَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ كَلَامًا قَبِيحًا) أي لا ينبغي أن يذكر صريحا (فقيل له) إنكارا عليه (ما تقول يا عدوّ الله في حق رسول الله فقال أشدّ) أي كلاما أقبح (مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَرَدْتُ برسول الله العقرب) فإنه أرسل من عند الحق وسلط على الخلق تأويلا للرسالة العرفية بالإرادة اللغوية وهو مردود عند القواعد الشرعية (فقال ابن أبي سليمان للّذي سأله) أي استفتاه (اشهد عليه) أي اثبت الأمر لديه (وأنا شريكك) أي في الأجر المنسوب إليه؛ (يريد) أي ابن أبي سليمان مشاركته (في قتله وثواب ذلك) وأجر ما يترتب على ما هنالك. (قال حبيب بن الرّبيع) أي ابن يحيى بن حبيب القروي (لأنّ ادّعاء التّأويل في لفظ صراح) بضم أوله ويكسر مبالغة صريح كعجاب وعجيب ومعناه خالص لا لبس فيه ولا قرينة تنافيه فيكون دعوى مجردة خالية عن علامة (لا يقبل) أي ادعاؤه (لأنّه امتهان) أي احتقار له صلى الله تعالى عليه وسلم (وهو) أي والحال أن صاحب هذا القال (غير معزّر) بكسر الزاء قبل الراء أي غير مبجل (لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا موقّر له) أي ولا معظم لشأنه حيث غير وصفه الخاص به وأراد به حيوانا استحق مهانة (فوجب إباحة دمه) لتقصيره في توقيره وقد قال تعالى لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ؛ (وأفتى أبو عبد الله بن عتّاب) بتشديد الفوقية (في عشّار) أي مكاس في ظلم الناس (قال لرجل أدّ) بفتح همزة وتشديد دال مهملة مكسورة أمر من التأدية أي أعط (المكس واشك) بضم الكاف ويكسر أي وأظهر الشكوى (إلى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بأني أخذت منك والمعنى أني ما أبالي بإطلاعه على ذلك وكان العشار جار على ذلك الرجل في أخذ المكس فتضرر الرجل وقال اشكوك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ما قال (وقال) أي العشار أيضا بعد ذلك (إن سألت) أي طلبت المال (أو جهلت) بعض الحال (فقد جهل) أي النبي أيضا (وسأل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من الله ما لم يعلم (بالقتل) متعلق بأفتى أي بقتله للكلام الذي صدر عنه من كمال جهله ويؤيده أنه روي عن مالك بن عتاهية قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إذا لقيتم عشارا فاقتلوه لأن الغالب عليهم أن يستحلوه ويقدموا أمر ملكهم على حكم نبيهم (وأفتى فقهاء الأندلس) بفتح الهمزة وضمها وفتح الدال وضم اللام (بقتل ابن حاتم المتفقّة الطّليطليّ) بضم الطاءين المهملتين وفتح اللام الأولى وسكون التحتية وكسر اللام الثانية بعدها ياء النسبة (وصلبه)
بفتح الصاد أي بجعله على جذع مع مد باعه (بما شهد عليه) بصيغة المجهول (بِهِ مِنَ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) ولعل تفسير قوله (وتسميته إيّاه أثناء مناظرته) أي في خلال مجادلته في علم الكلام ومباحثته (باليتيم) احتقارا له (وختن حيدرة) بفتحتين أي أبي فاطمة زوج علي فإن حيدرة بدال مهملة لقب علي كرم الله تعالى وجهه وهو اسم الاسد في أصله وكان اسم علي قبل ذلك أسدا سمته أمه فاطمة بنت أسد باسم أبيها في أول ولادته وأبوه غائب فلما قدم من غيبته سماه عليا إيماء إلى رفعته وقيل حيدرة لقب له لحدارته وشدة حرارته وفي صحيح مسلم من إنشاد علي حين بارز مرحبا يوم خيبر أنا الذي سمتني أمي حيدره (وزعمه) أي ظن ابن حاتم ووهمه (أنّ زهده لم يكن قصدا) أي اختيارا بل كان عجزا واضطرارا (ولو قدر) بفتح الدال ويكسر أي لو تمكن (على الطّيّبات أكلها) وهذا جهل منه بحاله عليه الصلاة والسلام وبكماله في هذا المقام حيث خير بين أن يكون نبيا ملكا وبين أن يكون نبيا عبدا فاختار الفقر وقال أجوع يوما فأصبر وأشبع يوما فأشكر ليكون مظهرا لنعت الجلال ووصف الجمال على أن اختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه وقد أكل الطيبات بلا شبهة كما يشير إليه قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وإنما أراد الملعون الطعن في زهده والقدح في فقره مع أنه محل فخره تواضعا لربه وانكسارا في أمره (إلى أشباه لهذا) الاستخفاف والاستحقار في حقه مما يكفي أمر واحد منها في تكفيره وقتله، (وأفتى فقهاء القيروان) بفتح القاف والراء بلد معروف ومنهم أبو زيد (وأصحاب سحنون) بفتح السين وتضم ويصرف ولا يصرف (بقتل إبراهيم الفزاريّ) بفتح الفاء والزاء (وكان شاعرا متفنّنا) أي ماهرا (في كثير من العلوم) أدبية وعقلية لا شرعية ونقلية ولذا وقع في بلية جلية (وَكَانَ مِمَّنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ بن طالب للمناظرة) في العلوم والمباحثة (فرفعت) أي أثبتت (عليه أمور منكرة من هذا الباب) أي باب الاستخفاف بعلي الجناب (في الاستهزاء بالله) أي بكتابه وانبائه (وأنبيائه) في مقام إيحائه (ونبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) من عظمائه (فأحضر له) أي لأجل إبراهيم الفزاري (القاضي) وهو أبو العباس المذكور (يحيى ابن عمر وغيره) بالنصب على المفعولية (من الفقهاء وأمر) أي أبو العباس (بقتله وصلبه فطعن) بصيغة المجهول أي فضرب في بطنه (بالسّكّين) حتى هلك (وصلب منكّسا) رأسه لأسفل مدة (ثمّ أنزل) من صلبه (وأحرق بالنّار) في الدنيا قبل عذاب العقبى لزيادة السياسة، (وحكى بعض المؤرّخين أنه) أي إبراهيم الفزاري المصلوب بعد قتله (لمّا رفعت خشبته) التي صلب عليها (وزالت عنها الأيدي) الممدودة إليها (استدارت) أي الخشبة (وحوّله عن القبلة) أي عن جهة الكعبة إلى غيرها (فكان) تحويلها له عنها (آية للجميع) من الحاضرين (وكبّر النّاس) عليه من الأولين والآخرين؛ (وجاء كلب) في عقبة (فولغ) بفتح اللام وتكسر (في دمه) أي شرب بلسانه منه لعظم جرمه (فقال) أي القاضي (يَحْيَى بْنُ عُمَرَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وذكر حديثا عنه عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ لَا يَلِغُ الْكَلْبُ فِي
دم مسلم) قال الحلبي يقال ولغ الكلب والسبع بفتح اللام في الماضي وبكسرها والظاهر أن اللام في المضارع مفتوحة في اللغتين انتهى وفي القاموس ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب ومنه وبه يلغ كيهب وولغ كورث ووجل شرب ما فيه بأطراف لسانه انتهى ولا يخفى أنه إذا كان من باب ورث يقع مضارعه بكسر اللام كيرث فيجوز الوجهان والله تعالى أعلم هذا وقال الدلجي الحديث لا أعلم من رواه والظاهر أنه لا أصل له مع ما فيه من ركاكة التركيب انتهى ولا يخفى أنه لا ركاكة فيه من جهة المبنى لأن الولوغ يتعدى بفي ومن والباء على ما تقدم وأما من جهة المعنى فلعله استدل بثبوته على وقوعه في قضيته كما حكي عن العارف بالله محيي الدين بن عربي رحمه الله أنه قال بلغني عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه من قال لا إله إلا الله سبعين ألف مرة غفر له وكنت ذكرت هذا العدد وما عينته لأحد حتى اجتمعت في ضيافة مع شاب مشتهر بالمكاشفة فبكا أثناء أكله فسألته عن حاله فقال أرى أمي وأبي يعذبان فقلت في نفسي وهبت ثواب التهليل الجليل ليمت هذا الرجل الجميل فضحك فسألته فقال ارتفع عنهما العذاب فعرفت صحة الحديث بكشفه وصحة كشفه بثبوت الحديث وأصله (وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ) بصيغة الفاعل وهو محمد بن خلف بن سعيد ابن وهب مات بعد الثمانين وأربعمائة (من قال إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم هزم) بصيغة المجهول (يستتاب) يطلب منه رجعته (فإن تاب قبلت توبته وإلّا) أي وإن لم يتب (قتل) لما اقتضته ردته (لأنّه) أي قوله هزم (تنقّص) في مرتبته (إذ لا يجوز ذلك) أي وقوع هزيمته (عليه في خاصّته) أي خاصة نفسه كما في نسخة عليه الصلاة والسلام لبراءة ساحته من الهزيمة عن مقام طاعته (إِذْ هُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَيَقِينٍ من عصمته) ففي حديث مسلم عن أبي إسحاق قال رجل للبراء بن عازب يا أبا عمارة فررتم يوم حنين قال لا والله ما ولي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه وأحفادهم وهم حسر ليس عليهم سلاح أو سلاح كثير فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته البيضاء الحديث وكذا رواه البخاري وزاد عن أبي إسحاق قال البراء كنا إذا أحمر البأس نتقي به وأن الشجاع منا للذي يحاذيه أن يقابله عليه الصلاة والسلام وكذا روي عن علي كرم الله تعالى وجهه وأما خروجه عليه الصلاة والسلام من البلد الحرام فإنما كان بأمر الله سبحانه بالهجرة إلى دار السلام بل قيل أنه فرض عليه الجهاد ولو لم يوافقه أحد من العباد في البلاد كما يشير إليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والله سبحانه وتعالى اعلم بالاسرار قال الحلبي وإذا كان قوله هزم تنقصا فينبغي أن يقتل حدا عندهم وإن تاب لأن هذا هو المعروف من مذهبهم ولعل هذا اختيار لابن المرابط، (وقال حبيب بن ربيع القرويّ) بفتح القاف والراء نسبة إلى القرية أو إلى القيروان على غير قياس (مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ أي في حقه عليه الصلاة والسلام ما فيه نقص) أي قدح وطعن (قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ؛ وَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُوجِبَانِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأذى أو نقص معرضا) أي ملوحا (أو مصرحا وإن قلّ) الأذى وإن كثر بالأولى (فقتله واجب، فهذا الباب) أي باب ما يؤذي ذلك الجناب (كلّه ممّا عدّه العلماء سبّا) أي شتما وطعنا (ونقصا) أي قدحا وفي نسخة أو تنقصا أي إظهار نقص في كماله (يَجِبُ قَتْلُ قَائِلِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ متقدّمهم ولا متأخّرهم) أي من المالكية (وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ عَلَى مَا أشرنا إليه) أنه هل يستفاد أو لا وهل إذا تاب يترك أو يقتل حدا أو لا يستتاب ويقتل كالزندق والله تعالى ولي التوفيق (ونبيّنه بعد) أي ننظر تفصيله بعد ذلك على وجه التحقيق ثم اعلم أن فصل الخطاب في هذا الباب أن هذا كله إذا صدر عنه تعمدا ولو هزلا بخلاف ما إذا جرى على لسانه سهوا أو خطأ أو إكراها لقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقد صرح قاضيخان من ائمتنا في فتاواه بأن الخاطئ إذا جرى على لسانه كلمة الكفر خطأ لم يكن ذلك كفرا عند الكل بخلاف الهازل لأنه يقول قصدا انتهى ثم إنه لا يعذر بالجهل عند عامة أهل العلم خلافا لبعضهم ثم اعلم أن المرتد يعرض عليه الإسلام عند علمائنا الإعلام على سبيل الندب دون الوجوب لأن الدعوة بلغته وهو قول مالك والشافعي وأحمد ويكشف عن شبهته فإن طلب أن يمهل في مدته حبس ثلاثة أيام لأنها مدة ضربت لأجل الأعذار فإن تاب قبل وإلا قتل وفي النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يستحب أي يمهل ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وفي أصح قولي الشافعي أنه يستتاب في الحال وإلا قتل وهو اختيار ابن المنذر وقال الثوري يستتاب ما يرجى عوده وفي المبسوط من كتب مذهبنا أنه إن ارتد ثانيا وثالثا فكذلك يستتاب وهو قول أكثر أهل العلم ويشير إليه قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى أن قال وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ويدل عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة فإن الحكم في المعصية الصغرى والكبرى واحد فقد قال عليه الصلاة والسلام التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقال مالك وأحمد لا يستتاب من تكرر منه كالزنديق ولعلهم تعلقوا بظاهر قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأوله المحققون بكونهم لا يتوبون أو بكون توبتهم لا تكون إلا نفاقا لا لارتدادهم وزيادة كفرهم ولذلك لم يدخل الفاء في لن تقبل توبتهم فإن المبتدأ لا يكون سببا للخبر بل النفاق سبب له وقيل لن تقبل توبتهم إذا أشرفوا على الموت ففيه الحث على التوبة قبل الفوت وقيل نزل فيمن مات منهم كافرا كما بينه بعده بقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية أو الآية السابقة مختصة بالزنديق والله ولي التوفيق ثم لنا في الزنديق روايتان رواية لا تقبل توبته كقول مالك وفي رواية تقبل وهو قول الشافعي وهذا في حق أحكام الدنيا وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتقبل بلا خلاف وعن أبي يوسف إذا تكرر منه الارتداد يقتل من غير عرض الإسلام عليه لاستخفافه بالدين الواجب إكرامه إليه (وكذلك أقول حكم من غمصه) أي عابه (أو عيّره) بتشديد الياء أي احتقره (برعاية الغنم) أي برعيها بالأجرة وسيأتي