الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على مقدّمة الغضب
أبو جعفر الطبري
لي صاحب ليس يخلو
…
لسانه من جراح
يجيد تمزيق عرضي
…
على سبيل المزاح
الباب السابع
في الذكاء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول من هذا الباب
في مدح الفطن والاذهان
المعظمة من قدر المهان
قال ابن الأنباري في كتابه الذي سماه بالزاهر قولهم فلان ذكي معناه كامل الفطنة ثاقبها من قول العرب ذكت النار تذكو إذا زاد وقودها ويقال مسك ذكي إذا كان طيب الريح قال جميل
صادت فؤادي بعينيها ومبتسم
…
كأنه حين أبدته لنا برد
عذب كان ذكيّ المسك خالطه
…
والزنجبيل وماء المزن والبرد
فمن انشقت كمائم مبانيه عما أخفته من زهرات معانيه فعطفت إليه قلب شانيه بعد ما أنف أن يدانيه سعد بن ضمرة قالوا كان كثيراً ما يغير على بلاد النعمان بن المنذر وينقص أطرافها حتى عيل صبره وبدا ضره فبعث إليه النعمان إن لك ألف ناقة حمراء على أن تدخل في طاعتي فوفد عليه وكان سعد ابن ضمرة نحيفاً قصيراً دميماً وكان ملتفاً بعباءة فلما رآه النعمان ازدراه وقال لان تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال سعد أبيت اللعن إن الرجال لا تكال بالقفزان ولا بمسوك يستقي بها من الغدران وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان فقال له النعمان أنت ضمرة بن ضميرة
ونظر عمر بن الخطاب إلى الأحنف وعنده الوفد والأحنف ملتف بعباءة فترك عمر القوم واستنطقه فتكلم بكلامه البليغ المصيب وذهب فيه ذلك المذهب العجيب فلم يزل عنده في الذروة العليا إلى أن عقد له من الرياسة على تميم ما كان له ثابتاً إلى أن فارق الدنيا قال عبد الملك بن عمير قدم علينا الأحنف الكوفة أصلع الرأس متراكب الأسنان أشدق مائل الذقن ناتئ الجبهة جاحظ العينين خفيف العارضين أحنف ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه سائر العيوب خرج عثمان رضي الله عنه من داره فرأى عامر ابن عبد قيس على بابه وقد ألقى رأسه بين ركبتيه وكان عامر شيخاً دميماً أسعى فظا فأنكره وأنكر مكانه فقال يا أعرابي أين ربك قال بالمرصاد فيقال إن عثمان لم يفحمه أحد غيره ونظر معاوية إلى النحار بن أوس العدوي الخطيب النسابة في عباءة في ناحية من مجلسه فأنكر مكانه وازدراه فتبين للنحار ذلك في وجهه فقال يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك إنما يكلمك من فيها وكمال الرجل آدابه لا ثيابه وأنشد
إني وإن كنت أثوابي ملفقة
…
ليست بخز ولا من نسج كتان
فإنّ في المجد هماتي وفي لغتي
…
فصاحة ولساني غير لحان
وأراد بعض الأعراب مخاطبة إنسان فازدراه الرجل لرثاثة ثوبه وخسة حاله وأبى أن يكلمه فقال مالكم يا عبيد الثياب وأشباه الكلاب حقرتموني لاطماري ولم تسألوني عن مكنون أخباري ثم أنشد
المرء يعجبني وما كلمته
…
ويقال لي هذا اللبيب اللهذم
فإذا قدحت زناده ووزنته
…
بالنقد زاف كما يزيف الدرهم
ودخل كثير بن عبد الرحمن وكان يلقب بزب الزباب لقصره على عبد الملك بن مروان في أول خلافته فاقتحمته عينه ففهم عنه فقال كثير يا أمير
المؤمنين كل عند نفسه واسع الفناء شامخ البناء عالي السناء ثم أنشد للعباس ابن مرداس
ترى الرجل النحيف فتزدريه
…
وفي أثوابه أسد مضور
ويعجبك الطرير فتبتليه
…
فيخلف ظنك الرجل الطرير
بغاث الطير أطولها رقاباً
…
ولم تطل البزاة ولا الصقور
خساس الطبر أكثرها فراخاً
…
وأم الباز مقلاة نزور
ضعاف الأسد أكثرها زئيراً
…
وأضرؤها اللواتي لا تزير
وقد عظم البعير بغير لب
…
فلم يستغن بالعظم البعير
يصرّفه الصغير بكل أرض
…
وينزله على الخسف الجرير
ينوّخ ثم يضرب بالهراوي
…
ولا عرف لديه ولا نكير
فما عظم الرجال لهم بزين
…
ولكن زينهم كرم وخير
فقال عبد الملك قاتله الله ما أطول لسانه وأمد عنانه وأجر أجنانه فقال إني لاحسبه كما وصف نفسه وأمر له بصلة حسنة وقال أبو عبيد البكري في لآلئه إن كثيراً كان لا يبلغ طوله ضروع الابل لقصره وكان إذا دخل على عبد الملك يقول له حين يراه طأطئ رأسك لئلا يصيبه السقف تهكماً به وفيه يقول الحر بن الشاعر
قصير قميص فاحش عند بيته
…
يعض قرا باسته وهو قائم
وكان الجاحظ واسمه عثمان بن بحر دميم الصورة قبيح الوجه ناتئ العينين يحكي عنه أنه قال ما أخجلني أحد قط إلا امرأة أخذت بيدي وحملتني إلى نجار وقالت له مثل هذا ثم تركتني وانصرفت فبقيت متعجباً من أخذها لي مثالاً فسألت الصانع فقال إن هذه المرأة سألتني أن أصنع لها مثال شيطان تفزع به ولدها فقلت لها إني لم أر شيطاناً قط حتى أعمل على مثاله وطلبت منها مثالاً فقالت أنا آتيك به فجاءتني بك وقرع عليه الباب يوماً فخرج غلامه فسئل