الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جبلت على سفك الدماء نفوسهم
…
وأكفهم جبلت على الاتلاف
فإذا هم صدموا العدوّ بصارم
…
خضبوا الأسنة من دم الأطراف
فنفوسهم تفني نفوس عداتهم
…
وعطاؤهم يغني سؤال العافي
الفصل الثاني من الباب الحادي عشر
في ذكر ما وقع في الحروب
من شدائد الأزمات والكروب
قال بعض الحكماء جسم الحرب الشجاعة وقلبها التدبير ولسانها المكيدة وجناحاها الطاعة وقائدها الرفق وسائقها النصر وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن معد يكرب رضي الله عنهما صف لنا الحرب فقال مرة المذاق صعبة لا تطاق إذا شمرت عن ساق من صبر لها عرف ومن نكل عنها تلف ثم أنشد
الحرب أوّل ما نكون فتية
…
تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشدّ ضرامها
…
عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطات جدّت رأسها وتنكرت
…
مكروهة للشم والتقبيل
وقيل لبعضهم صف لنا الحرب فقال أولها شكوى وأوسطها نجوى وآخرها بلوى تذاكروا الحروب عند معاوية فقال بدراً على واحد لطلحة والخندق للزبير حنين للعباس بن مرداس وأنا ذاكر من الحروب الواقعة في صدر الاسلام بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام أربعة وهي الجمل وصفين ويوم الحرة ويوم كربلا إذ هذه الحروب أشد الوقائع طعاناً وضراباً وأعظمها في الدين فجيعة ومصاباً لما قتل فيها من كبار آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وعظماء أهل بيته وقرابته الجمل مبتدؤها أن طلحة والزبير خرجا مغاضبين لعلي رضي الله عنه بعد أن بايعاه لما هجس في نفوسهما من أن علياً رضي الله عنه هو الذي ألب على قتل عثمان رضي الله عنه حتى قتل وإن قتله كان عن رضا منه فقد ما مكة على عائشة رضي
الله عنها وكانت قد خرجت من المدينة قبل قتل عثمان فاجتمعا يوماً عند عائشة رضي الله عنها في رجال من بني أمية فتذاكروا قتل عثمان ورغبوا عائشة في طلب الثار فاعتذرت إليهم بقلة ذات يدها فقال يعلى بن منية ومنية اسم أمه وكان عاملاً لعثمان على اليمن عندي أربعمائة ألف درهم مساعدة لكم وخمسمائة فارس أجهزها وقال عبد الله بن عامر بن كريز وكان عاملاً لعثمان على البصرة عندي ألف ألف درهم ومائة من الابل وأشار عليهم بالبصرة ثم نادى مناد بالتحريض على طلب دم عثمان فاجتمع لهم ألف منهم ستمائه على النوق وسواهم على الخيل والبغال ووهب يعلى بن منية الجمل وكان يدعى عسكراً وعمل عليه هو دجا من حديد ثم إنهم دخلوا طالبين البصرة وكان علي رضي الله عنه قد بلغه خبرهم وهو في المدينة فخرج منها في تسعمائة فيهم سبعون بدرياً ووصلت عائشة البصرة بمن معها وكانوا زهاء ثلاثة آلاف فمنعهم عثمان بن حنيف عامل علي من دخولها فأخذوها منه بعد حرب وقعت بينهم قتل فيها كل من خرج يطلب قتل عثمان أو أعان عليه إلا رجل واحد يسمى حرقوص بن وهب فإن بني سعد منعته وأخذوا عثمان بن حنيف فنتفوا لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه فجاء علياً رضي الله عنه وقال يا أمير المؤمنين بعثتني بلحية وجئتك أمرد أو كان عثمان بن حنيف من كبار الصحابة وبايع أهل البصرة طلحة والزبير ووصل علي إلى الكوفة فاستنجدهم فأنجدوه باثني عشر ألف رجل وسار حتى وصل إلى جانب البصرة فنزل وأقام تلك الليلة ثم ناشدهم الله في الدماء فأبوا إلا القتال فخرج علي رضي الله عنه وهو راكب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقى الجمعان فكان أول من قتل طلحة وانهزم الزبير فلحقه ثلاثة نفر منهم عمرو بن جرموز السعدي بوادي السباع عدوا فقتله وهو ساجد وقيل نائم غيلة ووادي السباع برقة واسط بين البصرة والكوفة وفيه يقول جرير بن عطية بن الخطفي عاتباً على بني مجاشع قتل الزبير
اني تذكرني الزبير حمامة
…
تدعو ببطن الواديين هديلا
قالت قريش ما أذل مجاشعا
…
جارا وأكرم ذا القتيل قتيلا
لو كنت حرّا يا ابن قين مجاشع
…
شيعت ضيفك فرسخاً أو ميلا
أفبعد قتلكم خليل محمد
…
ترجو القيون مع الرسول سبيلا
أفتى الندى وفتى النزال غدرتم
…
وفتى الرماح إذا تهب بليلا
لو كنت حين غدرت بين بيوتنا
…
لسمعت من صوت الرماح صليلا
وحماك كل معاور يوم الوغى
…
ولكان شلو عدوّك المأكولا
وقتل محمد بن الزبير وجرح عبد الله أخوه سبعاً وثلاثين جراحة وأطاف بنو ضبة والأزد بالجمل واقبلوا يرتجزون
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
…
ننزل بالموت إذا الموت نزل
والموت أحلى عندنا من العسل
…
تبغي ابن عفان بأطراف الأسل
فقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبة فلما التحمت الحرب واستعرت نارها نادى علي رضي الله عنه اعقروا الجمل فانه إن عقر تفرقوا فعقره عمرو ابن دلجة وأخذته السيوف من كل جانب حتى وقع وقتل حوله خلق كثير ومال الهودج وسمع صارخ يقول راقبوا الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي لابنه الحسن هلكت قال قد نهيتك عن مسيرك قال لم أكن أرى أن الأمر يصير إلى هذا وجاء أعين بن ضبيعة حتى اطلع في الهودج فقال ما أرى إلا خيراً قالت هتك الله سترك وأبدى عورتك فقتل بعد ذلك بالبصرة وصلب وقطعت يداه ورجلاه ورمى به عرياناً في خربة من خراب الأزد وقيل إن علياً لما وقف عليها ضرب الهودج بقضيب وقال يا حميراء ارسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بهذا ألم يأمرك أن تقري في بيتك والله ما انصفك الذين أخرجوك إذ صانوا حلائلهم وابرزوك فيقال إنها قالت له قد ملكت فأسحج ثم أمرها بالمسير وأذن لأصحابها أن يسافر معها من أراد السفر فسافر بعض وبقي بعض وقال البلادري في تاريخه إن علياً رضي الله عنه أعطاها حين أشخصها إلى مكة عشرة آلاف درهم ورجعت إلى مكة يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين وشيعها علي أمياً لا وقصدت مكة فأقامت بها إلى الحج ثم خرجت إلى المدينة وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالحربية لعشر خلون من جمادي الآخرة وقيل في يوم الجمعة النصف من جمادي الأولى وعدة من قتل يوم الجمل ثمانية آلاف
رجل من أصحاب عائشة وألف من أصحاب علي رضي الله عنهم أجمعين وفي وقعة الجمل يقول عثمان بن حنيف
شهدت الحروب فشيبنني
…
ولم أر يوماً كيوم الجمل
أشدّ على مؤمن فتنة
…
وأقتل منه لحرّ بطل
فليت الظعينة في بيتها
…
وليتك عسكر لم ترتحل
يعني الجمل الذي كانت عليه عائشة وحكى أبو طالب المكي في القوت أن علياً رضي الله عنه قال لابنه محمد بن الحنفية وقد قدمه امامه يوم الجمل أقدم اقدم ومحمد يتأخر وهو يكرهه بقائم الرمح فالتفت إليه محمد وقال هذه والله الفتنة المظلمة العمياء فوكزه علي رضي الله عنه بالرمح وقال له تقدم لا أم لك أتكون فتنة أبوك قائدها وسائقها صفين ولما فرغ علي رضي الله عنه من حرب الجمل وانصرف إلى الكوفة بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يخيره بين حرب معضلة أو يسلم بجزيه فان اختار الحرب فانبذ إليه على سواء إن الله لا يحب الخائنين وإن اختار السلم فخذ بيعته وارجع فلما بلغ جرير الرسالة إلى معاوية أرسل إلى عمرو بن العاص فلما حضره أعلمه بما أتى فيه جرير فقال له أما علي فوالله لا تسوي العرب بينك وبينه في شيء وإن له في الحرب لحظاً ما هو لأحد في قريش قال صدقت ولكنا نقاتل على ما بأيدينا ونلزمه قتل عثمان ثم قال له مديدك وبايعني فقال والله لا أعطيك شيأً من ديني حتى آخذ من دنياك ويقال بل أنشده
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل
…
لديك بدنيا فانظرن كيف تصنع
فان تعطني مصراً فأربح بصفقة
…
أخذت بها شيخاً يضر وينفع
فأعطاه مصر طعمة وكتب له بذلك شروطاً وأشهد عليه شهوداً فبايعه عمرو بن العاص وتعاهدوا على الوفاء وكتب معاوية إلى علي بأن لا طاعة له
عليه فلما ورد جرير على علي بما كتب إليه معاوية أمر الناس بالخروج إلى صفين لقتال معاوية فاجتمع له من الخيل تسعون ألفاً فيهم سبعون بدرياً وممن بائع تحت الشجرة سبعمائة ومن المهاجرين والأنصار أربعمائة وذلك لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين وبلغ معاوية خروج علي فجمع من الجنود خمسة وثمانين ألفاً وقيل مائة وعشرين الفاً وسبق علياً إلى صفين فنزل على موضع سهل أفيح معشب قريب من الفرات ونزل علي على مواضع بعيدة من الماء والعشب فبات وجيشه عطاش قد حيل بينهم وبين الماء فأشار عمرو على معاوية أن يمكن علياً من ورود الماء فقال لا والله أو يموتوا عطشاً كما مات عثمان فاشتكى أصحاب علي العطش فأمرهم بالمسير وقدم عليهم الأشتر والأشعث بن قيس فساروا وعلي من وراء الجيش حتى هجموا على عسكر معاوية فأزالوهم عن الشريعة وغرق منهم خلق كثير وارتحل معاوية إلى ناحية من البر بعيدة من الماء وأرسل إلى علي يستأذنه في استفاء الماء من طريقه فأذن له وأجابه إلى ذلك ثم بعث علي إلى معاوية يدعوه إلى اجتماع الكلمة وحقن الدماء وطالت المراسلة بينهما فاتفقا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين فلما كان آخر المحرم كتب علي إلى أهل الشأم يحذرهم الوقوع في الهلكة فأبوا إلا الحرب والقتال حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فعبى علي جيشه يوم الأربعاء مستهل صفر وقدم عليهم الأشتر وتصاف أهل الشأم والعراق ووقع القتال بينهم فكان هذا دأبهم في كل يوم إلى السابع من صفر وفيه قتل عمار بن ياسر من أصحاب علي قتله أبو العادية العاملي وله من العمر ثلاث وتسعون سنة وكان في حرب صفين خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين مع علي كافاً سلاحه فلما قتل عمار خرج يطلب المبارزة وهو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار يا عمار تقتلك الفئة الباغية ثم كانت بينهم حرب أخرى قتل فيها ذو الكلاع وعبيد الله بن عمار ثم كانت بعد ذلك ليلة الهرير قتل فيها خلق كثير
وكانت ليلة جمعة فلما رأى معاوية ان قد فشا القتل في أصحابه قال لعمرو بن العاص هلم مخبأتك فقد هلكنا وذكره ولاية مصر فأمر أن ترفع المصاحف وان يقال ما فيها حكم بيننا وبينكم يا أهل العراق فرفعوها وكانت زهاء خمسمائة مصحف ونادوا من لثغور الشأم بعد أهل الشأم ومنل ثغور العراق بعد أهل العراق من لجهاد الروم والترك فعند ذلك اختلف أصحاب علي فمنهم من أراد القتال ومنهم من أراد الكف فقال علي رضي الله عنه بالأمس كنت أميراً وأصبحت اليوم مأموراً ثم أرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية يسأله لأي شيء رفعت المصاحف قال لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه تبعثون رجلاً منكم ترضونه ونبعث رجلاً منا نرضاه ليعملا فينا بكتاب الله ونتبع ما اتفقا عليه فقال الأشعث هذا هو الحق وانصرف إلى علي وأخبره بما قال معاوية فقال الناس رضينا فاختار أهل الشأم عمرو بن العاص واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس واختار علي عبد الله بن عباس فقالوا والله لا نريد إلا رجلاً هو من معاوية ومنك على السواء قال فاصنعوا ما أردتم فجمعوا بين عمرو بن العاص وأبي موسى وأخذوا عليهما العهد والميثاق أن لا يخونا وأخذ الحكمان من علي ومعاوية والحسنين المواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأن يكون منهم المبايعة على ما يرضيانه ثم خرجا واجتمعا في دومة الجندل في شهر شعبان سنة ثمان وثلاثين فقال عمرو لأبي موسى إن هذه الفتنة لا تزال قائمة ما دام واحد من هذين الاثنين متولياً إمرة المسلمين فقال أبو موسى فما ترى قال أرى أن يصعد كل واحد منا المنبر ويخلع صاحبه وندعها شورى بين المسلمين يولون أمرهم من أرادوا فأجابه إلى ذلك وتقدم أبو موسى وصعد المنبر وقال أيها الناس انا نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر اجتمع رأيي ورأي عمرو عليه وهو أن يخلع كل واحد منا صاحبه ويجعل أمر المسلمين إليهم يولون عليهم من أحبوا وإني خلعت علياً فاستقبلوا أمركم وولوا من شئتم ونزل ثم صعد عمرو فحمد الله وأثنى عليه قال قد قال أبو موسى ما سمعتم من خلع صاحبه وإني خلعته كما خلعه وأثبت معاوية كما
أثبت حميلة سيفي هذا في عنقي فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق والله بمقامه ثم نزل فاختلف عند ذلك كلمة الجيشين فلما رأى علي اختلافهما رحل قاصداً الكوفة ولحق معاوية بدمشق وانصرف عمرو بأهل الشأم بعد ذلك إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة وبايعوه فكان علي رضي الله عنه بالعراق ومعاوية بالشأم إلى سنة أربعين وفي هذه السنة قتل علي رضي الله عنه في رمضان وهو ابن اثنتين وستين سنة وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا شهراً واحداً ومدة ولاية معاوية أربعين سنة منها أميراً على الشأم لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان عشرون سنة وخليفة عشرون سنة وتوفي سنة ستين ولما انفصل أهل الشأم وأهل العراق من هذه الحروب رجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي رضي الله عنه وكان علي رضي الله عنه إذا صلى الغداة لعن معاوية وعمراً وأصحابه فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن علياً وابن عباس وحسناً وحسيناً والأشتر ولم يزل الأمر على ذلك برهة من ملك بني أمية إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فمنع من ذلك وجعل مكان اللعن في الخطبة ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم وقتل بصفين من أهل العراق والشأم في مدة مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف وقيل سبعون ألفاً من أهل الشأم خمسة وأربعون ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً والله أعلم وكانت الوقائع تسعين وقعة وعدة من حضر في صفين من أهل الشأم مائة وعشرون ألفاً ومن أهل العراق مائة ألف وعشرة آلاف فيكون جملة الفريقين مائتي ألف وثلاثين ألفاًبت حميلة سيفي هذا في عنقي فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق والله بمقامه ثم نزل فاختلف عند ذلك كلمة الجيشين فلما رأى علي اختلافهما رحل قاصداً الكوفة ولحق معاوية بدمشق وانصرف عمرو بأهل الشأم بعد ذلك