المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

العجب كيف وإني يهدر دماء بني البتول وسيف النصر على - غرر الخصائص الواضحة

[الوطواط]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأول في الكرم وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثاني في اللؤم وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثالث في العقل وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الرابع في الحمق وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الخامس في الفصاحة وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب السادس في العي وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب السابع في الذكاء وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثامن في التغفل وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب التاسع في السخاء وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الأول

- ‌الباب العاشر في البخل وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الحادي عشر في الشجاعة وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثاني عشر في الجبن وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثالث عشر في العفو وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الرابع عشر في الانتقام وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الخامس عشر في الاخوة وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب السادس عشر في العزلة وفيه ثلاثة فصول

- ‌في الكرم

- ‌في وصف الأخلاق الحسان

- ‌المتخلقة بها نفوس الأعيان

- ‌وعلى ذكر الحجاب وإن لم يكن من الباب

- ‌وصف أخلاق أهل الوفاق

- ‌عيون من مكارم الأخلاق الدالة على طيب الأعراق

- ‌من روائع عادات السادات ووشائع سادات العادات

- ‌جوامع ممادح الأخلاق والشيم

- ‌المتحلية بها ذوو الأصالة والكرم

- ‌الأسباب المانعة من السيادة سبعة

- ‌شرح ما ذكر من الأمثال الواقعة في هذا المثال

- ‌الفصل الثاني من الباب الأول

- ‌في ذكر الصنائع والمآثر المفصحة عن أحساب الأكابر

- ‌فمن مآثر ذوي الكرم في النجار

- ‌الذب عن النزيل وحفظ الجار

- ‌من صنيع من زكت في الكرم أرومه

- ‌صون المضيم بنفسه من عدو يرومه

- ‌من أمتن أسباب الحسب والديانة وفاء العهد وأداء الأمانة

- ‌من أحاسن فعلات الأشراف الاتصاف بالعدل والإنصاف

- ‌ومما اتفق على مدحه الأوائل والأواخر تواضع من حاز الفضائل والمفاخر

- ‌مما يدل على شرف الأبوة إلزام النفس بأنواع المروة

- ‌الفصل الثالث من الباب الأول

- ‌في ذم التخلق بالإحسان

- ‌إذا لم يوافق القلب اللسان

- ‌ومما يلحق بهذا أنّ عمل الرياء سالب عن صاحبه جلباب الحياء

- ‌الباب الثاني

- ‌في اللؤم

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم من ليس له خلاق

- ‌وما اتصف به من الأخلاق

- ‌من مساوئ أخلاقهم الذميمة

- ‌نقل الأقدام بالسعاية والنميمة

- ‌الفصل الثاني من الباب الثاني

- ‌في ذكر الفعل والصنيع

- ‌الدالين على لؤم الوضيع

- ‌من الصنيع الدال على لؤم الأصول

- ‌من كان بسيف جوره على العباد يصول

- ‌الفصل الثالث من الباب الثاني

- ‌في أنّ من تخلق باللؤم انتفع

- ‌الباب الثالث

- ‌في العقل

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح العقل وفضله

- ‌شوارد مجموعة في احتياج ذوي العقل والحلم

- ‌إلى اكتساب فضيلتي الأدب والعلم

- ‌الفصل الثاني من الباب الثالث

- ‌في ذكر الفعل الرشيد

- ‌العاقل من شغله عيبه عن عيب من سواه

- ‌ولم يطع في جواب السفيه أمير هواه

- ‌الفصل الثالث من الباب الثالث

- ‌في هفوات العقال

- ‌الباب الرابع

- ‌في الحمق

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌الفصل الثاني من الباب الرابع

- ‌في ذكر النوادر

- ‌الفصل الثالث من الباب الرابع

- ‌في احتجاج الأريب المتحامق

- ‌ومن احتجاج من أطلق نفسه من عقال العقل

- ‌وألقى عصاه عامداً في بيداء الجهل

- ‌من أحاسن أقوالهم في أنّ العقل طريق إلى العنا

- ‌وسدّ يمنع صاحبه من الوصول للغنى

- ‌مما ذكر إنّ الحظ أجدى لصاحب الحجا

- ‌الباب الخامس

- ‌في الفصاحة

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌وما أحسن قول بعض الأعاجم يفتخر ويعتذر

- ‌ولأبي إسحق الصابي في الوزير أبي محمد المهلبي رحمه الله تعالى

- ‌الفصل الثاني من الباب الخامس

- ‌في يتحلى به ألباب الأدباء

- ‌ولنذكر من كلام الخطباء ذوي البراعة واللسن ما كان ذا لفظ بديع

- ‌ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الخطب التي حكمت فصاحتها بالعي لقس

- ‌الفصل الثالث من الباب الخامس

- ‌في إنّ معرفة حرفة الأدب مانعة من ترقى أعالي الرتب

- ‌وربما أعدت حرفة الأدب أهل الوراقة

- ‌الباب السادس

- ‌في العي

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌فيما ورد عن ذوي النباهة في ذم العي والفهاهة

- ‌لبعضهم فيمن يلثغ بالراء

- ‌قد يكون البليغ عيياً عند سؤال مطلوبه

- ‌ولبعض الصوفية

- ‌الفصل الثاني من الباب السادس

- ‌في ذكر من قصر باع لسانه عن ترجمة ما في جنانه

- ‌الفصل الثالث من الباب السادس

- ‌في أنّ اللسن المكثار لا يأمن آفة الزلل والعثار

- ‌احتجاج من أمسك عن الكلام من غير خرس

- ‌الباب السابع

- ‌في الذكاء

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح الفطن والاذهان

- ‌المعظمة من قدر المهان

- ‌وعلى أثر قبح الصورة يقول بعض الشعراء في جحظة

- ‌وأكثر ما يوجد الذكاء المفرط عند العميان

- ‌من اخترع من الأوائل حكمة بثاقب فكره

- ‌الفصل الثاني من الباب السابع

- ‌في ذكر بداهة الأذكياء البديعة

- ‌وأجوبتهم المفحمة السريعة

- ‌الفصل الثالث من الباب السابع

- ‌فيمن سبق بذكائه وفطنته إلى ورود حياض منيته

- ‌منهم من ارتقى بادعائه النبوة مرتقى صعبا

- ‌الباب الثامن

- ‌في التغفل

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم البلادة والتغفل من ذوي التعالي والتنزل

- ‌وقد اخترت من مدام المتغفلين مما حسن وراق

- ‌الفصل الثاني من الباب الثامن

- ‌فيمن تأخرت منه المعرفة

- ‌ونوادر أخبارهم المستظرفة

- ‌الفصل الثالث من الباب الثامن

- ‌في أن أنواع التغفل والبله ستور على الأولياء مسبله

- ‌الباب التاسع

- ‌في السخاء

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في أن التبرع بالنائل من أشرف الخلال والشمائل

- ‌ذكر الأجواد المعروفين ببذل الأموال

- ‌النوع الثاني

- ‌الفصل الثاني من الباب التاسع

- ‌في منح الأماجد الأجواد

- ‌وملح الوافدين والقصاد

- ‌ذكر من تبجح بذكر المعروف الذي أسدى إليه

- ‌الفصل الثالث من الباب التاسع

- ‌في ذم السرف والتبذير

- ‌إذ فلهما من سوء التدبير

- ‌الباب العاشر

- ‌في البخل

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم الإمساك والشح

- ‌وما فيهما من الشين والقبح

- ‌الفصل الثاني من الباب العاشر

- ‌في ذكر نوادر المبخلين

- ‌من الأراذل والمبجلين

- ‌من صان درهمه ولم يسمح به للعطاء

- ‌الفصل الثالث من الباب العاشر

- ‌في مدح القصد في الإنفاق

- ‌خوف التعيير بالإملاق

- ‌الباب الحادي عشر

- ‌في الشجاعة

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح الشجاعة والبسالة

- ‌وما فيها من الرفعة والجلالة

- ‌الفصل الثاني من الباب الحادي عشر

- ‌في ذكر ما وقع في الحروب

- ‌من شدائد الأزمات والكروب

- ‌يوم كربلاء

- ‌يوم الحرة

- ‌وصف النزال والقتلى

- ‌الفصل الثالث من الباب الحادي عشر

- ‌في ذم التصدي للهلكة

- ‌ممن لا يستطيع بها ملكة

- ‌الباب الثاني عشر

- ‌في الجبن

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في أنّ خلتي الجبن والفرار مما يشين بني الأحرار

- ‌الفصل الثاني من البال الثاني عشر

- ‌في ذكر من جبن عند اللقاء

- ‌خوف الموت ورجاء البقاء

- ‌الفصل الثالث من الباب الثاني عشر

- ‌فيمن ليم على الفرار والإحجام

- ‌فاعتذر بما ينفي عنه الملام

- ‌الباب الثالث عشر

- ‌في العفو

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح من اتصف بالعفو

- ‌عن الذنب المتعمد والسهو

- ‌الفصل الثاني من الباب الثالث عشر

- ‌فيمن حلم عند الاقتدار

- ‌وقبل من المسئ الاعتذار

- ‌ولنعقب هذا الفصل من لطيف الاعتذار

- ‌الفصل الثالث من الباب الثالث عشر

- ‌في ذم العفو عمن أساء

- ‌وانتهك حرمات الرؤساء

- ‌الباب الرابع عشر

- ‌في الانتقام

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في التشفي والانتقا

- ‌ممن أحضر قسراً في المقام

- ‌ما اخترناه من كلام الحكماء وأقوال الكرام الأماجد

- ‌الفصل الثاني من الباب الرابع عشر

- ‌في ذكر من ظفر فعاقب

- ‌بأشدّ العقوبة ومن راقب

- ‌الفصل الثالث من الباب الرابع عشر

- ‌في أن الانتقام بحدود الله خير فعلات من حكمه الله وولاه

- ‌ما الدية فيه كاملة من جوارح الانسان وحواسه

- ‌ما تختص به المرأة دون الرجل

- ‌الباب الخامس عشر

- ‌في الاخوة

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح اتخاذ الاخوان

- ‌فإنهم العدد والأعوان

- ‌الفصل الثاني من الباب الخامس عشر

- ‌فيما يدين به أهل المحبة

- ‌من شرائع العوائد المستحبة

- ‌ومما يثني عطف الصديق إلى التألف

- ‌اعتذار من لم يهد شيأً

- ‌الفصل الثالث من الباب الخامس عشر

- ‌في ذم الثقيل والبغيض

- ‌بما استحسن من النثر والقريض

- ‌الباب السادس عشر

- ‌في العزلة

- ‌فيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم الاستئناس بالناس

- ‌لتلون الطباع وتنافي الأجناس

- ‌الفصل الثاني من الباب السادس عشر

- ‌فيما يحض على الاعتزال

- ‌من ذميم الخلائق والخلال

- ‌الفصل الثالث من الباب السادس عشر

- ‌خاتمة الكتاب

- ‌فيما نختم به الكتاب من دعاء نرجو أن يسمع ويجاب

الفصل: العجب كيف وإني يهدر دماء بني البتول وسيف النصر على

العجب كيف وإني يهدر دماء بني البتول وسيف النصر على الباغي بيد الزمان مسلول

‌يوم الحرة

وسببه أن جماعة من أشراف المدينة منهم عبد الله بن حنظلة وبنوه ثمانية والمندر بن الزبير قدموا من عند يزيد بن معاوية وكان قد أكرمهم وحملهم وكساهم فأظهروا شتمه وأكثروا سبه وعيبه للناس وقالوا قدمنا من عند رجل شريب فسيق يلعب بالكلاب ويسامر القرود والقيان وانا نشهدكم أن قد خلعناه وتبرأنا منه فكتب عثمان بن حيان والي المدينة من قبل يزيد إليه يعلمه بما أجمعوا عليه فكتب يزيد إلى أهل المدينة أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال وإني والله لقد لبستكم فأبليتكم ورقعتكم حتى خرقتكم وإني وضعتكم على رأسي ثم على صدري ثم على بطني وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لاطأنكم وطأة أقل بها عددكم وأقل بها عددكم وأترككم أحاديث تنسخ أخباركم مع أخبار عاد وثمود فإن شئتم فلا أفلح من ندم وكتب في آخر الكتاب متمثلاً بقول الشاعر

لقد بدلوا الحلم الذي من سجيتي

فبدلت قومي غلظة بليان

فلما وصل إليهم الكتاب وقرئ عليهم أبوا إلا خلعه وازدادوا عليه تغيظاً وفيه كراهة ثم بايعوا عبد الله بن حنظلة ووثبوا على عثمان بن حيان وأخرجوه من المدينة وأخرجوا من كان فيها من بني أمية ومواليهم وكانوا نحواً من ألف فنزلوا دار مروان بن الحكم فخرجوا إليهم وحصروهم فيها فكتب مروان إلى يزيد يعلمه بما جرى فوصل إليه الكتاب ليلاً وعنده الضحاك بن قيس فقرأه عليه ثم قال له ما الراي قال يا أمير المؤمنين قومك وعشيرتك وبلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرى أن تعفو عنهم وتتغمد ذنوبهم فقال اخرج عني ثم دعا مسلم بن

ص: 428

عقبة المري قال فما لبث أن دخل رجل أعور ثائر الرأس كأنما يقلع رجله من وحل إذا مشى فرمى إليه بالكتاب فلما قرأه احمر وجهه وأزبد شدقه فقال له يزيد ما الرأي قال أرى أن تبعث إليهم جيشاً رجاله غليظة أكتافهم طويلة رماحهم فيطؤنهم حتى يكونوا نكالاً لمن خلفهم فقال له يزيد كنت لها لولا أنك ضعيف فقال يا أمير المؤمنين إن كنت تريدني لمصارعتهم فإني ضعيف وإن كنت تريدني للراي فإني قوي فأمره يزيد بالتجهز فما أصبح إلا وعلى باب يزيد عشرون ألفاً وفيهم مسلم بن عقبة فاستدعاه يزيد وقال له سر فإن حدث بك أمر فاستخلف الحصين بن نمير وادع أهل المدينة ثلاثاً فإن أجابوك وإلا قاتلهم فإن أطاعوا أمرنا فانصرف عنهم إلى ابن الزبير فإن قاتلتهم وظفرت بهم فابحها ثلاثاً واستوص بعلي بن الحسين خيراً ثم ودعه وانصرف بمن معه من الجيش فلما سمع أهل المدينة بقدوم الجيش غور والمياه التي بينهم وبين أهل الشأم فأرسل الله السماء فلم يسيتق أصحاب مسلم بدلو حتى قدموا المدينة وكان أهل المدينة قد أطلقوا بني أمية فخرجوا قاصدين الشأم فلقوا مسلماً بالجيش فرحب بهم وسألهم عن أهل المدينة فأخبروه بحالهم وشاورهم أين يكون نزوله من نواحي المدينة فأشار عليه عبد الملك بن مروان أن ينزل بالجيش من قبل الحرة فإنها مشرفة على المدينة وإن أهلها ينظرون من تألق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ما لا يراه أصحابك منهم فنزلها فلما رآهم أهل المدينة خرجوا في جموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها فلما رآهم أهل الشأم أكبروهم وكرهوا قتالهم فكتب مسلم إليهم يحذرهم سطواته وينذرهم فتكاته فأبوا قبول ما دعاهم إليه من الانقياد لطاعته فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وستين نادى مناديه يا أهل المدينة قد مضى الأجل فما تصنعون أتسالمون أم تحاربون فقالوا بل نحارب ثم خرجوا وطلبوا البراز فأمر مسلم أن يعيي الجيش وضرب لهم فسطاطاً ووقع القتال وجعل مسلم يعد قومه ويمنيهم وعبد الله بن حنظلة الغسيل يحرض قومه ويقدم أولاده واحداً بعد واحد حتى قتلوا ثم حمل عليه فقتل وقتل يومئذ ثمانية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أهل الشأم لبني أمية ألهؤلاء جئتم بنا حتى نقتلهم ثم اشتد القتال وكثر القتل حتى انهزم أهل المدينة فدخلوها وتحصنوا بها فيئس منهم مسلم فدله رجل من بني حارثه على طريق سالكة إلى المدينة فسلكه بمن معه حتى دخلها

ص: 429

فلما رأى أهلها الجيش قد صار معهم تفرقوا فقتلوا في كل جهة وذلك لثلاث من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ثم انتهبوها ثلاثاً وأقاموا بها حتى رأوا هلال المحرم ثم أخذ مسلم البيعة على أهل المدينة إنهم عبيد قيان ليزيد بن معاوية إن شاء أعتق وإن شاء قتل ثم ركب مسلم الفاسق لعنه الله وخرج إلى الحرة يطوف في القتلى ومعه مروان ابن الحكم فمر على عبد الله بن حنظلة وهو ماد اصبعه نحو السماء فقال والله لئن نصبتها ميتاً لطالما نصبتها حياً داعياً إلى الله ومر على إبراهيم بن نعيم فوجد فرجه مستوراً بيده فقال والله لئن حفظته عند الوفاة لقديماً حفظته في حال الحياة ومر على محمد بن عمر بن حزم وهو واضع جبهته على الأرض فقال أما والله لئن كنت على جبهتك بعد الموت لطالما فرشتها الله ساجداً في طول الحياة فقال والله ما هؤلاء إلا من أهل الجنة ثم إن مسلماً حز رؤس القوم وأرسلها إلى يزيد فيقال إنه أنشد لما ألقيت بين يديه بيت ابن الزبعري

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

قال الواقدي قتل يوم الحرة سبعمائة من حملة القرآن وقيل قتل سبعمائة من قريش والأنصار وقتل ممن لا يعرف عشرة آلاف ثم سار مسلم لعنه الله يريد مكة لقتال عبد الله بن الزبير فلما كان بقديد مات فدفن بالمشلل وقيل بثنية هرشي وكان موته لسبع بقين من المحرم سنة أربع وستين وفي هذه السنة مات يزيد في الرابع عشر من ربيع الأول وله من العمر ثمان وثلاثون سنة وكانت مدة خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر ولما مات مسلم جاءت أم ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة فنبشته وأحرقته وقيل بل أخرجته وصلبته وفيما ذكرنا من هذه الحروب اقناع يعز به المخبر إذا سئم من المطاولة المستخبر

وأحسن ما لحق بهذا الفصل وتلاه

وصف عظم الجيش ومصارع قتلاه

أبلغ ما وصف به عظم الجيش قول مالك بن الريث من أبيات

بجيش لهام يشغل الطير جمعه

عن الأرض حتى ما يجدن منازلا

ص: 430

السلامي

والجو ستر بالنسور مطير

والأرض فرش بالخيول مخيل

يهفو العقاب على العقاب فيلتقي

بين الفوارس أجدل ومجدل

ولا مزيد في الحسن على ما قاله أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من أبيات يمدح بها المعتصم جاء منها قوله

لما رأيت الذين يخفق قلبه

والكفر فيه تغطرس وعرام

أوريت زند عزائم تحت الدجى

أسرجن فكرك والبلاد ظلام

فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه

حسن اليقين وقاده الاقدام

ملأ الملا عصباً فكاد بأن يرى

لا خلف فيه ولا له قدام

بسواهم لحق الأباطل شرب

تعليقها الأسراج والألجام

ومقابلين إذا انتموا لم يخزهم

في نصرك الأخوال والأعمام

تخذوا الحديد من الحديد معاقلاً

سكانها الأرواح والأجسام

مسترسلين إلى الحتوف كأنما

بين الحتوف وبينهم أرحام

آساد موت مخدرات مالها

إلا الصوارم والقنا آجام

حتى نقضت الروم عنك بوقعة

شنعاء ليس لنقضها ابرام

في معرك أما الحمام فمفطر

في هبوتيه والكماة صيام

والضرب يقعد قرن كل كتيبة

شرس الضريبة والحتوف قيام

فقصمت عروة جمعهم فيه وقد

جعلت تفصم عن عراها الهام

ص: 431

ابن عبد ربه صاحب العقد

وجيش كظهر اليمّ ينفحه الصبا

يعب عبابا من قنا وقنابل

فينزل أولاه وليس بنازل

ويرحل اخراه وليس براحل

ومعترك ضنك تعاطت كماته

كؤس دماء من كلى ومفاصل

يديروا بها راحاً من الروح بينهم

ببيض رقاق أو بسمر ذوابل

وتسمعهم أمّ المنية وسطها

غناء صليل البيض تحت المناصل

أبو الفرج الببغا

فإذا الجياد إلى الجياد عوابساً

شعثاً ولولا بأسه لم تنفد

في جحفل كالسيل أو كالليل أو

كالقطر طافح قطر بحر مزبد

متوقد الجنبات تعتنق القنا

فيه اعتناق تواصل وتودد

متعجر بضيا الصوارم مبرق

تحت العجاج وبالصواهل مرعد

ردّ الظلام على الضحى واسترجع

الأصباح من ليل الغبار الأزبد

وكأنما نقشت حوافر خيله

للناظرين أهلة في الجلمد

وكأنّ طرف الشمس مطروف وقد

جعل الغبار لها مكان الأثمد

وله

في خميس كأنما السمر والأب

طال فيه غيله حمته أسود

سلب الشمس ضوأها بشموس

طالعات أفلاكهن جديد

عارض كلما تجلت بروق ال

بيض حثت على الصهيل رعود

وله

جيش يفوت الطرف حتى لا يرى

ما غاب من أطرافه محدودا

ويحيش حتى لا يظن عديده

أحد لكثرة جمعه معدودا

ص: 432

فكأنما جعل الإله روابي

الأعلام أعلاماً له وبنودا

يقضي على الأعداء خيفة بأسه

قبل اللقاء تهدداً ووعيدا

وترى وتسمع لمعه وخفوقه

فتخال فيه بوارقاً ورعودا

آخر

خميس إذا أخفى سنا الشمس نطقه

أضاء وأبداه الحديد المسرد

تواجهه هوج الرياح فينثني

وتحمله الأرض الوقور فيرعد

أبو الطيب المتنبي

خميس بشرق الأرض والغرب زحفه

وفي أذن الجوزاء منه زمازم

تجمع فيه كل لسن وأمة

فما يفهم الحدّاث إلا التراجم

وله

وذو لجب لا ذو الجناح أمامه

بناج ولا الوحش المثار بسالم

تمر عليه الريح وهي ضعيفة

تطالعه من بين ريش القشاعم

ويخفى عليك البرق والرعد فوقه

من اللمع في هاماته والجماجم

ابن المعتز

وعمّ السماء النقع حتى كأنه

دخان وأطراف الرماح شرار

ابن الساعاتي

والنقع ليل والأسنة أنجم

والسمر غاب والكماة أسود

ص: 433