الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقالوا عشر خصال في أناس أقبح منها في غيرهم الفسق في الملوك والكذب في القضاة والخديعة في العلماء والغضب في الأبرار والغدر في الأشراف والسفه في الشيوخ والمرض في الأطباء والتهزي في الفقراء والشح في الأغنياء والفخر في الأعزاء
الفصل الثاني من الباب الأول
في ذكر الصنائع والمآثر المفصحة عن أحساب الأكابر
قال خالد بن صفوان كان الأحنف بن قيس يفر من الشرف والشرف يتبعه لما تولى عبد الله بن طاهر بن الحسين خراسان بعد موت أبيه من قبل الواثق دخل عليه عبد الله بن خليد بن سعد المعروف بأبي العميثل بقصيدة يمدحه فيها ويهنئه بالولاية فجاء منها قوله
يا من يؤمّل أن تكون خصاله
…
كخصال عبد الله أنصت واسمع
اصدق وعفّ وبرّ وأنصف واحتمل
…
واكفف وكاف ودار واحلم واشجع
والطف ولن واشتدّ وارفق واتئد
…
واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي
…
وهديت للنهج الأسدّ المهيع
آخر
إن كنت ترغب في شأو الكرام فسر
…
في الناس بالفضل والدين الذي شرعوا
حافظ إذا غدروا واشجع إذا جبنوا
…
واحلم إذا جهلوا وابذل إذا منعوا
فمن مآثر ذوي الكرم في النجار
الذب عن النزيل وحفظ الجار
كما قيل الكريم يرعى حق اللحظ ويتعهد حرمة اللفظ وقالوا وجه الكريم جنة وكنفه جنة كان بعض الهاشميين إذا نزل به جار قال له يا هذا إنك قد
اخترتني جاراً واخترت داري داراً فجناية يدك علي دونك فاحتكم علي حكم الصبي على أهله وهذا مثل تضربه العرب في التزام ما يحكم به عليها وذلك أن الصبي إذا كان عزيزاً في أهله حمله الدلال على طلب ما يستحيل وجوده ويصعب مرامه فهم أبداً يسعون في تحصيل أغراضه وآرابه ليظفروا برضاه ويقدموه على أترابه وكان حارثة بن مر يسمى مجير الجراد وذلك أنه نزل بفنائه جراد فغدا أهل الحي إليه ليدفعوه عنهم فمنعهم منه وقال لهم ما تريدون منه قالوا نريد قتله فإنه نزل بجوارك فقال أما إذ سميتموه جاري فوالله لا تصلون إليه أبداً وطردهم عنه وكان ثور بن شحمة العنبري يسمى مجير الطير فكانت الطير لا تصاد بأرضه ولا تضار وحكى أن زياداً الأعجم وفد على المهلب فأكرمه وأنزله على أبيه فجلسا يوماً يشربان في بستان فغنت حمامة على فنن فطرب لها زياد فقال له حبيب إنها فاقدة ألف كنت أراه معها فقال زياد هو اشد لشوقها ثم أنشد
تغني أنت في ذممي وعهدي
…
وذمّة والدي أن لا تضاري
وعشك أصلحيه ولا تخافي
…
على زغب مصغرة صغار
فإنك كلما غنيت صوتاً
…
ذكرت أحبتي وذكرت داري
فأمّا يقتلوك طلبت ثأراً
…
لأنك يا حمامة في جواري
فضحك حبيب ثم قال يا غلام هلم القوس فجاء بها فنزع لها بسهم فأصابها فوقعت ميتة فنهض زياد مغضباً وقال أخفرت أبا بسطام ذمتي وقتلت جاري وشكاه إلى المهلب فغضب على حبيب وقال أما علمت أن جار أبي لبابة جاري وذمته ذمتي والله لألزمنك دية الحرو أخذ له من ماله ألف دينار فقال فيه من أبيات ذكر القصة فيها جاء منها قوله
فلله عيناً من رأى كقضية
…
قضى لي بها شيخ العراق المهلب
قضى ألف دينار لجار أجرته
…
من الطير إذ يبكي شجاه ويندب
ولما ولي صالح بن علي مصر من قبل ابن أخيه أبي العباس السفاح خرج عليه رجاء بن روح بفلسطين مع عمه الحكم بن ضبعان وكان على شرطة مصر
فأرسل إليهم أبا عون ومحمد بن أشعث الخزاعي بعسكر فهزما الحكم وبلغ صالح ابن علي أن رجاء بن روح دخل مصر واستجار بمحمد بن معاوية فأجاره فأرسل إليه فحضر فقال ألم أكرمك ألم أشرفك قال بلى قال فكان جزائي منك أن أجرت عدوي قال وما ذاك أيها الأمير قال رجاء بن روح وابنه قال أصلح الله الأمير اختر واحدة من اثنتين لي فيهما براءة أما أن أثلج صدرك بيمين أو ترسل رجلاً من ثقاتك يفتش منازلي قال وتحلف قال نعم فأحلفه بطلاق زوجته وعتق عبيده ومشيه إلى مكة راجلاً حافياً فحلف له ثم انصرف إلى منزله وأعلم زوجته فاعتزلت عنه وقالت له لا تنقطع عني لئلا يشعر بك فلما عزل صالح عن مصر ورجع إلى بغداد أظهر محمد بن معاوية طلاق زوجته وأعتق رقيقه ومشى إلى مكة كما شرط عليه ولما كان يوم فتح مكة لجأ الحرث بن هشام إلى منزل أم هانئ أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه مستجيراً بها فدخل عليها علي فخبرته الخبر فأخذ السيف ليقتله فقالت أم هانئ يا ابن أم قد أجرته فلم يلتفت إلى قولها فوثبت فقبضت على يديه وقالت والله لا تقتله وقد أجرته فلم يقدر علي أن يرفع قدمه عن الأرض وجعل يتفلت منها فلا يقدر فدخل النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقالت يا رسول الله ألا ترى إني أجرت فلاناً فأراد علي أن يقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت ولا تغضبي علياً فإن الله يغضب لغضبه أطلقي عنه فأطلقت عنه فقال عليه الصلاة والسلام يا علي غلبتك امرأة فقال والله يا رسول الله ما قدرت أرفع قدمي من الأرض فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لو أن طالباً ولد الناس كانوا شجاعاً ومن أحسن ما يحكي في هذا الباب أهدر المهدي دم رجل كان يسعى في فساد دولته وجعل لمن يقتله أو يأتيه به مائة ألف درهم فاختفى الرجل زماناً ثم ظهر مستنكراً خائفاً يترقب فبصر به رجل في بعض دروب بغداد فعرفه وأخذ بيده وقال بغية أمير المؤمنين فاجتمع الناس عليه وجهدوا على أن يطلقوه منه
فلم يقدروا فمر به وهو في تلك الحالة معن بن زائدة فناداه يا أبا الوليد أجرني أجارك الله فوقف الرجل وقال للرجل الذي تعلق به ما شأنك قال بغية أمير المؤمنين الذي جعل لمن يقتله أو يأتيه به مائة ألف درهم فقال معن لبعض علمائه انزل عن دابتك واحمله عليها وانطلق به إلى منزلي فقال الرجل أتحول بيني وبين بغية أمير المؤمنين فقال معن اذهب إلى أمير المؤمنين وأخبره أنه عندي فذهب الرجل وأوصل الخبر إلى المهدي فبعث إليه من يحضره فركب معن وقال لمن خلفه من غلمانه في منزله لا يخلص إلى هذا الرجل أحد وفيكم عين تطرف فلما دخل على المهدي سلم فلم يرد عليه السلام وقال له أتجير علي قال نعم قال ونعم أيضاً فقال معن يا أمير المؤمنين لقد قتلت في طاعتكم باليمن في يوم واحد خمسة عشر ألفاً في أيام كثيرة عرف فيها بلائي وعنائي فما رأيتموني أهلاً لأن يوهب لي رجل واحد استجار بي فأطرق المهدي ملياً ثم رفع رأسه وقد سرى عنه وقال لقد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد فقال معن فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله فيكون قد أحياه وأغناه فقال قد أمرنا له بخمسين ألفاً فقال يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء تكون على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فأجزل له الصلة قال قد أمرنا له بمائة ألف درهم قال عجلها له فإن خير البر عاجله فعجلت فأخذها وانصرف بها إلى الرجل ولم ير المهدي وجهه والمثل المضروب في هذا الباب جار كجار أبي دواد وذلك أن أبا دواد نزل بكعب بن مامة وكان كعب إذا جاوره رجل قام له بما يصلحه وأهله وحماه ممن يقصده وإن هلك له شيء أخلفه عليه وإن مات وأراه التراب فجاوره أبو دواد الأيادي فتعلم منه فكان يفعل بجاره ما فعل كعب به فضرب به المثل ونسي كعب قال علي بن العباس بن جريج الرومي
هو المرء أمّا ماله فمحلل
…
لعاف وأمّا جاره فمحرم